بين القدرة والقرار، لماذا لا تبدو سوريا في طريقها إلى لبنان؟
لا يمكن استبعاد قدرة أي دولة، بما في ذلك سوريا، على تطوير أدواتها العسكرية أو إعادة بناء مؤسساتها الدفاعية إذا توفرت شروط الدعم والوقت

صورة تعبيرية للمقال
يتكرر بين الحين والآخر الحديث عن احتمال تدخل عسكري سوري في لبنان، ويُقدَّم هذا السيناريو أحيانًا بوصفه خيارًا استراتيجيًا يمكن أن يُستخدم لإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية، أو كأداة ضغط في سياقات إقليمية متشابكة. غير أن المشكلة في هذا النوع من السيناريوهات لا تكمن في مدى واقعيته الظاهرة فقط، بل في الطريقة التي يُنتَج بها أصلًا داخل الخطاب السياسي، قبل أن يتحول إلى فرضية قابلة للنقاش.
فالتحليل الجاد لا يبدأ من سؤال: هل تستطيع دولة ما أن تفعل ذلك؟ بل من سؤال أسبق وأكثر جوهرية: كيف تُمنع الدول من الوصول أصلًا إلى لحظة اتخاذ هذا القرار؟ هنا ينتقل النقاش من مستوى القدرة إلى مستوى “بنية المنع” التي يشكلها النظام الإقليمي نفسه، بما يتضمنه من تحالفات، واعتمادات اقتصادية، وضغوط دولية، وتشابكات أمنية تجعل القرار العسكري ليس فعلًا مستقلًا، بل نتيجة شبكة كثيفة من القيود.
معتز منصور يكتب: من أوقف الحرب؟
معتز منصور يكتب: إيران صراع القوة على تعريف الدولة؟
من الناحية النظرية، لا يمكن استبعاد قدرة أي دولة، بما في ذلك سوريا، على تطوير أدواتها العسكرية أو إعادة بناء مؤسساتها الدفاعية إذا توفرت شروط الدعم والوقت. لكن هذا النوع من التحليل يبقى ناقصًا إذا لم يُدمج داخل فهم أوسع لطبيعة القرار السياسي نفسه، حيث لا تتحرك الدول بناءً على الإمكانات المجردة، بل ضمن حدود ما يسمح به النظام الإقليمي من أفعال ممكنة فعليًا.
في الحالة السورية، لا يبدو أن السؤال الحاسم هو “هل تستطيع دمشق التدخل؟” بل “هل يُسمح أصلًا بتكوين الظروف التي تجعل هذا التدخل عقلانيًا؟”. فالدولة السورية، في أي صيغة مستقبلية، تواجه مجموعة من الأولويات البنيوية، تتعلق بإعادة بناء الشرعية، وإعادة إدماج الاقتصاد، وإعادة تعريف موقعها داخل النظام العربي والدولي. وهذه الأولويات ليست هامشًا يمكن تجاوزه، بل هي الإطار الذي يُعاد داخله تعريف معنى القوة نفسها.
ومن هذا المنظور، يصبح أي تفكير في تدخل واسع داخل لبنان غير مرتبط فقط بالكلفة العسكرية المباشرة، بل بكلفة سياسية أعمق تتعلق بقدرة الدولة على الاستمرار داخل شبكة العلاقات التي تمنحها أصلًا شرعية الحركة. فالدول لا تُقاس فقط بما تستطيع أن تفعله، بل بما يمكن أن تفعله دون أن تفقد موقعها داخل النظام الذي تتحرك فيه.
الأهم من ذلك أن لبنان نفسه لا يمثل ساحة مستقلة يمكن عزلها عن الإقليم، بل هو عقدة تقاطع في نظام أمني معقد، تتداخل فيه مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. لذلك فإن أي حركة عسكرية واسعة لا تبقى محصورة في جغرافيا واحدة، بل تُعيد فتح منظومة توازنات أوسع، تجعل من الصعب احتواء النتائج داخل نطاقها الأولي. وهنا تحديدًا تظهر فكرة “بنية المنع”، حيث لا تحتاج القوى الإقليمية إلى إيقاف فعل ما بعد حدوثه، بل تعمل على جعل شروط حدوثه نفسها غير مكتملة.
ضمن هذا الإطار، لا يبدو أن النقاش الدائر حول “التدخل السوري” يعكس فقط تقديرًا لاحتمال عسكري، بل يؤدي وظيفة سياسية أيضًا، تتمثل في إعادة ضبط إدراك الأطراف المحلية والإقليمية لطبيعة التوازنات القائمة. فمجرد تداول سيناريوهات قصوى في الفضاء السياسي لا يعني بالضرورة أنها قابلة للتنفيذ، بل قد يعكس استخدامها كأداة في إدارة الإدراك والردع، أكثر من كونها مسارات عملياتية حقيقية.
لذلك، فإن تحليل هذا النوع من السيناريوهات لا ينبغي أن يظل أسير المقارنة التقليدية بين القدرات العسكرية أو أعداد القوات، بل يجب أن ينتقل إلى مستوى أعمق، يتعلق بكيفية تشكل القرار نفسه داخل بيئة محكومة بتشابكات إقليمية معقدة. فالمعادلة النهائية ليست بين قوة وأخرى، بل بين شبكة مصالح متداخلة تنتج ما يمكن فعله، وتمنع في الوقت نفسه ما لا يمكن السماح بحدوثه.
وعندما يُنظر إلى المسألة من هذا المستوى، يصبح واضحًا أن ما يبدو كاحتمال عسكري مطروح، هو في الواقع احتمال مُعاد تشكيله مسبقًا داخل بنية إقليمية تعمل باستمرار على تضييق هامش الفعل، إلى الحد الذي يجعل بقاءه في دائرة الخطاب أكثر ترجيحًا من انتقاله إلى دائرة التنفيذ.






