مقالات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: حين تتعارك التوصيات

التناقض السادس أنَّ التقرير يتحدث عن الذكاء الاصطناعي كما لو كان أداة محايدة، بينما يتجاهل سؤال السيادة على البيانات

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (11- 12)

عن تناقضات تقرير يريد كل شيء ونقيضه

أخطر ما في الوثائق الكبرى ليس ما تقوله صراحة، بل ما تكشفه من غير قصد، وليست المشكلة دائماً في التوصية الخاطئة، بل في التوصيات التي تبدو صحيحة فرادى، ثم تتعارك حين تجتمع في خطة واحدة.

هنا لا نكون أمام خطة ناقصة فقط، بل أمام خطة تعاني من ارتباك داخلي.

وهذه، في تقديري، هي المشكلة الأعمق في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري.

فقد حاول التقرير أن يحقق أشياء عديدة بغير ترتيبها الزمني المعتاد، وحاول أن يرضي اتجاهات متعارضة في وقت واحد.

د. أيمن منصور ندا يكتب: الجمهور الذي خرج من القاعة

فجاء زحاماً من التوصيات المتعارضة والمتناقضة

وكأنَّ التقرير كُتِب بعقلين، أو كتبه شخص واحد متأرجح بين بديلين متعارضين.

ويعكس هذا كله، غياب فلسفة كلية متسقة ومتكاملة عند كتابة هذا التقرير.

ويمكن الإشارة إلى نماذج من تناقضات التقرير، باختصار، على النحو التالي

التناقض الأول يبدأ من الزمن:

التقرير يقسم الإصلاح إلى مدد: ستة أشهر، ثمانية عشر شهرًا، وثلاث سنوات. في الظاهر، يبدو هذا تنظيماً جيداً.

لكن عند التدقيق، يظهر أن الترتيب الزمني يضع العربة قبل الحصان.

فهو يضع “رفع القيود على حرية الإعلام” ورفع الحجب، ومراجعة أوضاع المحبوسين في المدى القصير، بينما يؤجل تعديل قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وقانون حرية تداول المعلومات، وإصلاح البيئة التشريعية إلى المدى المتوسط.

كيف يمكن رفع القيود قبل تعديل الأداة القانونية التي تسمح بتقييدها؟

كيف يمكن إحالة قرارات الحجب إلى القضاء بصورة مستدامة بينما القانون نفسه لم يُعد بناؤه بعد؟

كيف نفتح النافذة في ستة أشهر ونؤجل إزالة القضبان إلى ثمانية عشر شهراً؟

هنا لا نكون أمام خطة زمنية، بل أمام أمنية زمنية؛ الحرية لا تُدار بالترتيب البروتوكولي، بل بتغيير البنية التي تخنقها.

والتناقض الثاني أن التقرير يريد تخفيف عبء الإعلام عن ميزانية الدولة

لكنه يطلب من الدولة أن تدفع من كل باب.

يتحدث عن الاستدامة الاقتصادية والتوازن المالي، ثم يقترح إسقاط الضرائب، ودفع أصل التأمينات دون الفوائد، وتأسيس صناديق دعم، وصندوق مخاطر للإعلام الخاص تموله الدولة عبر رسوم على المعلنين، ومصدر تمويل مستقر للهيئات كنسبة من ميزانية الدولة!

أي استقلال مالي هذا الذي يبدأ بطلب إعفاءات وتمويل دائم وصناديق ترعاها الدولة؟

وأي إعلام خاص هذا الذي يحتاج إلى صندوق مخاطر تموله السلطة التي يفترض أن يراقبها؟

حين تكون الدولة هي الممول والمنظم والحكم والراعي، فإنَّ الحديث عن الاستقلال يصبح أقرب إلى المجاملة الدستورية.

التناقض الثالث أنَّ التقرير يريد سوقاً إعلامية تنافسية

لكنَّه يقترح أدوات قد تعيد إنتاج الاحتكار!

يريد دعم الإعلام الخاص، ودعم المؤسسات القومية، وتأسيس صناديق، وبناء تكتلات إعلانية، ومنصات وطنية، وسحابة مركزية، ومشغل فيديو موحد، لكن أين قواعد منع الاحتكار؟

أين ضمانات ألا تذهب الأموال إلى المؤسسات الأكبر والأقرب والأكثر قدرة على الوصول لا الأكثر كفاءة أو ابتكارًا؟

أين حماية المنصات الصغيرة والمستقلة من أن تتحول الصناديق إلى نادي كبار؟

الدعم بلا قواعد تنافسية عادلة لا يصنع تعددية، بل يعيد ترتيب الامتيازات.

ثم يأتي التناقض الرابع:

التقرير يشكو من تداخل الاختصاصات بين الهيئات، ثم يعالج التداخل بتنسيق جديد فوق التنسيق القديم!

لدينا المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، ثم يقترح التقرير مزيداً من اللجان والوحدات وغرف التنسيق ولجنة دائمة للمتابعة!

إذا كانت المشكلة أن الأدوار غير مفصولة، فالحل ليس إضافة طابق جديد إلى مبنى مرتبك، بل إعادة رسم الخريطة:

من ينظم؟

من يشغل؟

من يراقب؟

من يحاسب؟

المنظم لا يجب أن يكون لاعباً في السوق، والمشغل لا يجب أن يكون واضعاً للقواعد، والمراقب لا يجب أن يراقب نفسه.

والتناقض الخامس أن التقرير يريد التحول الرقمي

لكنه يرتبه بطريقة تعرضه للخطر؛ يوصي بإطلاق منصات بودكاست، وغرف أخبار مدمجة، وقنوات يوتيوب، وبث رقمي، وتحويل الأرشيف إلى مادة متاحة، ثم يؤجل بعض تدابير الأمن السيبراني والهوية الرقمية وضبط الصلاحيات إلى مدى أطول!

في العصر الرقمي، الأمن ليس مرحلة لاحقة، بل خطوة صفرية.

كل منصة جديدة بلا سياسة خصوصية، وكل سحابة بلا حوكمة، وكل أرشيف رقمي بلا صلاحيات واضحة، هو باب مفتوح لا على المستقبل فقط، بل على الاختراق والتلاعب وسوء الاستخدام.

التناقض السادس

أنَّ التقرير يتحدث عن الذكاء الاصطناعي كما لو كان أداة محايدة، بينما يتجاهل سؤال السيادة على البيانات!

يريد استخدام الذكاء الاصطناعي في الأرشفة، والتحليل، وتوليد المحتوى، واستثمار إرث ماسبيرو، لكن أين السؤال الأخطر:

أين ستذهب البيانات؟

من يملك النموذج؟

من يراجع انحيازاته؟

هل يجوز تغذية خوارزميات أجنبية بأرشيف إعلامي وطني ضخم دون نموذج مصري مغلق أو ضوابط صارمة؟!

التناقض السابع

أنَّ التقرير يريد حرية وتعدداً، لكنه لا يحسم علاقته بمفهوم التوجيه.

في موضع يتحدث عن الانتقال من الخطاب الرسمي إلى خطاب قومي مستوعب للاختلاف.

في موضع آخر يتحدث عن بناء الوعي وصياغة الرسائل وخدمة القضايا القومية.

لا توجد مشكلة في أن يكون للإعلام حس وطني، لكن هناك فرقاً بين إعلام وطني وإعلام موجه:

الإعلام الوطني يخدم المجتمع بالحقيقة

أما الإعلام الموجه فيخدم السلطة بتنسيق الرسالة، الأول يثق في الجمهور.

والثاني يخشى عليه من المعرفة.

الأول يفتح المجال العام، والثاني يهندسه، ولذلك لا يمكن الجمع طويلاً بين التعددية الحقيقية ومنطق الرسالة الموحدة.

التناقض الثامن

أنَّ التقرير يتحدث عن الجمهور كثيراً، لكنه لا يبدأ منه بما يكفي.

كثير من توصيات المحتوى تبدو صادرة من عقل مؤسسي يقول:

سنطور القنوات، سنزيد البرامج الثقافية، سننشئ منصات، سنعيد إحياء القنوات الإقليمية، ثم سيعود الجمهور!

لكن الجمهور لا يعود لأنه طُلب منه العودةُ ولا يشاهد لأنه وُفرت له مادة “مفيدة”.

نحن في عصر اقتصاد الانتباه، حيث ينافس الخبر لعبة إلكترونية، وفيديو قصير، ومنصة ترفيه، ومؤثراً ذكياً، وخوارزمية تعرف ما يريد المستخدم قبل أن يعترف به.

التقرير يتعامل أحياناً مع الجمهور كأنَّه مقعد فارغ ينتظر من يملؤه، لا كقوة مستقلة تهرب في ثانية واحدة إذا لم تجد ما يستحق وقتها.

التناقض التاسع

أنَّ التقرير يريد مكافحة التضليل، لكنَّه لا يبدأ من بناء الثقة في من يملك الحقيقة!

لا تكفي وحدات رصد، ولا منصات تحقق، ولا تقارير دورية إذا كان الجمهور لا يصدق الجهة التي تنفي أو تؤكد.

وحين تضعف الثقة، يصبح النفي الرسمي مادة للشك، والصمت الرسمي دليلاً بديلاً، والتأخر في المعلومة مصنعاً للشائعة!

مكافحة التضليل لا تبدأ من مراقبة الناس، بل من تجفيف الفراغ:

معلومة أسرع، بيانات كاملة، اعتراف بالخطأ، تصحيح واضح، وتعدد مصادر موثوقة، أما أن نواجه الشائعة بجهاز لا يثق فيه الجمهور، فهذا يشبه أن نطفئ النار بدخان جديد!

التناقض العاشر

أنَّ التقرير يتحدث عن الصحفيين والتدريب، لكنه لا يحل سؤال البيئة التي سيعمل فيها الصحفي بعد التدريب.

يريد دورات في الذكاء الاصطناعي، والبودكاست، والتفكير الاستراتيجي، وأخلاقيات المهنة، لكنه لا يقدم ضمانة كافية بأنَّ الصحفي سيستطيع أن يستخدم ما تعلمه!

ما قيمة تدريب صحفي على التحقيق إذا كانت المعلومة محجوبة؟

وما قيمة تدريبه على الحوار إذا كانت الأسئلة محددة؟

وما قيمة تدريبه على صحافة البيانات إذا كانت البيانات نفسها مغلقة؟

التدريب في بيئة خائفة لا ينتج صحفياً حراً، بل موظفاً أكثر كفاءة في تجنب المخاطر!

التناقض الحادي عشر

أنَّ التقرير يريد ضخ دماء جديدة، لكنه لا يملك خطة واضحة للعدالة المهنية بين الأجيال.

يتحدث عن الحد الأدنى للأجور، وعن إنهاء أوضاع المؤقتين، وعن التدريب، لكنه لا يذهب بعيداً في سؤال الترقي، والتعاقب القيادي، وتراكم القيادات التاريخية، وتجميد الشباب في الهامش!

لا يمكن جذب جيل جديد إلى مؤسسة يعرف أنها ستأخذ شبابه أولاً، ثم تعطيه بطاقة تعريف متأخرة، ثم تترك سقفه الوظيفي عند باب مغلق!

الإعلام لا يتجدد بالشباب كديكور، بل بفتح مسارات حقيقية لهم في القرار والإنتاج والقيادة.

التناقض الثاني عشر

أنَّ التقرير يطمح إلى استعادة القوة الناعمة إقليمياً، لكنه لا يقدم هندسة واضحة للقوة الناعمة.

يتحدث عن قنوات ومنصات ومحتوى، لكن أين الاستراتيجية الجيوسياسية؟

كيف يخاطب الإعلام المصري المواطن العربي؟

كيف ينافس شبكات إقليمية ممولة ومتمرسة وذات رسائل واضحة؟!

كيف يخاطب الغرب؟

كيف يتعامل مع منصات خارجية تخاطب الداخل المصري بسقف أعلى ورسائل أكثر جاذبية؟

القوة الناعمة لا تعود بمجرد فتح قناة أو بودكاست، القوة الناعمة تحتاج إلى حرية كافية تجعل الرسالة قابلة للتصديق، وإلى مهنية تجعلها قابلة للمنافسة، وإلى خيال سياسي وثقافي يجعلها مؤثرة خارج الحدود.

التناقض الثالث عشر

أنَّ التقرير لا يزال يفكر بعقل الإعلام المركزي في زمن الإعلام اللامركزي.

الفلسفة العامة قائمة على مؤسسات كبرى: ماسبيرو، الصحف القومية، القنوات، الهيئات، المنصات الوطنية.

لكن المشهد الحقيقي لم يعد هناك وحده، هناك مؤثرون، وصناع محتوى، وقنوات صغيرة، ومجموعات تيليجرام، وحسابات فردية، ومجتمعات رقمية، وشبكات ثقة بديلة

التقرير يحاول إصلاح حارس البوابة في زمن كُسرت فيه البوابة نفسها!

التناقض الرابع عشر

أنَّ التقرير يتحدث عن الأرشيف والملكية الفكرية، لكنه لا يحسم حقوق الأشخاص داخل هذا الأرشيف.

أرشيف ماسبيرو لا يحتوي فقط على مواد، بل على أصوات وصور وأداء وحقوق لفنانين ومذيعين ومصورين ومخرجين ومؤلفين.

استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد أو إعادة إنتاج أو ترميم أو تجزئة هذا الأرشيف يفتح باباً هائلاً للنزاعات الحقوقية: من يملك صوت الراحل؟

من يملك صورة الممثل؟

من يحق له إعادة تركيب مشهد أو صوت أو أداء؟

لا يكفي أن نقول: سنستثمر الأرشيف، يجب أن نسأل: بأي قانون؟ وبأي موافقة؟ وبأي حقوق مشتقة؟ وبأي حماية من التزييف العميق؟!

التناقض الخامس عشر

أنَّ التقرير يقترح منصات رقمية وبثاً ومحتوى مرئياً، لكنه يكاد ينسى تكلفة الوصول لدى المواطن.

فالمنصة لا تعمل في الهواء، تحتاج إلى إنترنت، وباقات بيانات، وسرعات مستقرة، وأجهزة مناسبة.

إذا كانت كلفة مشاهدة فيديو طويل أو بودكاست مرئي مرتفعة بالنسبة لقطاع واسع من الجمهور.

فالمحتوى سيظل متاحاً تقنياً لكنه غير قابل للاستهلاك اجتماعياً.

هنا يظهر سؤال غائب: أين التنسيق مع قطاع الاتصالات حول حياد الشبكة وتكلفة البيانات ودعم الوصول للمحتوى العام؟

لا يكفي أن نطلق منصة؛ يجب أن نضمن أن الناس قادرون على دخولها.

التقرير، في النهاية

وثيقة مهمة لأنَّه اعترف بما كان يصعب الاعتراف به، لكنه وثيقة مرتبكة لأنَّه لم يحسم إلى أي مستقبل يريد أن يذهب: مستقبل الإعلام الحر أم الإعلام الموجه؟

الإعلام المستقل أم الإعلام المدعوم؟

الإعلام اللامركزي أم الإعلام المركزي المحسّن؟

السوق التنافسية أم الصناديق الراعية؟

الجمهور الشريك أم الجمهور المتلقي؟

هذه الأسئلة لا يجوز تركها معلقة؛ لأنها ليست تفاصيل تنفيذية، بل قلب الإصلاح نفسه.
وما لم تُحل هذه المتناقضات قبل التنفيذ، سنجد أنفسنا أمام النسخة المعتادة من الإصلاح المصري:

لجنة كبيرة، تقرير واسع، توصيات كثيرة، جداول زمنية طموحة، ثم اصطدام هادئ بالواقع!

وبعد سنوات، ستُشكل لجنة أخرى لتسأل السؤال نفسه: لماذا لم ينهض الإعلام؟

والإجابة ستكون، مرة أخرى، لأننا حاولنا أن نفتح الباب مع الاحتفاظ بالمفتاح في الجيب نفسه!

شارك المقال: