د. أيمن منصور ندا يكتب: التحول الرقمي تحديث القفص لا فتح الباب
التقرير يتحدث كثيراً عن الرقمنة، والسحابة الوطنية، والمنصات، ومشغلات الفيديو، والذكاء الاصطناعي، والأرشفة، والبودكاست، والتطبيقات.

مبنى الهيئة الوطنية للإعلام (أرشيف)
قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (8- 12)
عن السحابة الوطنية والمنصات والذكاء الاصطناعي وخرافة الحل التقني
في عام 2008، دخلت هيئة الإذاعة البريطانية BBC مشروعاً رقمياً طموحاً اسمه Digital Media Initiative.
كان الهدف منه أن تتحول المؤسسة العريقة إلى بيئة إنتاج بلا شرائط، وأن تُدار المواد المصورة والأرشيف عبر منظومة رقمية حديثة تليق بعصر المنصات.
بدا المشروع، على الورق، انتقالاً ضرورياً إلى المستقبل:
أرشفة رقمية، إنتاج أسرع، وغرف أخبار أكثر كفاءة، لكن بعد خمس سنوات، وفي عام 2013، أُلغيت المبادرة بعد أن ابتلعت قرابة مئة مليون جنيه إسترليني، ووصفتها لجنة الحسابات العامة في البرلمان البريطاني بأنَّها “فشل كامل”!
لم تكن المشكلة أن BBC لم تؤمن بالتكنولوجيا، ولا أنها لم تنفق عليها، بل أن التكنولوجيا دخلت في نظام لم يحسن إدارة التحول نفسه:
حوكمة ضعيفة، تقدير مبالغ فيه للإنجاز، ضعف في المساءلة، وتأخر في الاعتراف بأنَّ المشروع لا يعمل كما ينبغي.
الدرس واضح:
الرقمنة لا تنقذ مؤسسة لا تعرف ماذا تريد منها، والتكنولوجيا حين تدخل عقلاً إدارياً مرتبكاً لا تصنع مستقبلاً، بل تمنح الارتباك واجهة أحدث!
في كل مؤسسة مأزومة، هناك لحظة إغراء اسمها “التحول الرقمي”
فجأة تبدو التكنولوجيا كأنَّها العصا السحرية.
وحين يكون الواقع متعباً تصبح اللغة التقنية مريحة، لأنها تمنح الجميع إحساساً بأن شيئاً كبيراً يحدث.
حتى لو ظل جوهر المشكلة في مكانه
د. أيمن منصور ندا يكتب: خريطة الطريق التي لا تعرف الطريق
د. أيمن منصور ندا يكتب: تمويل السفينة المثقوبة (7)
هذه إحدى مشكلات تقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري
التقرير يتحدث كثيراً عن الرقمنة، والسحابة الوطنية، والمنصات، ومشغلات الفيديو، والذكاء الاصطناعي، والأرشفة، والبودكاست، والتطبيقات.
وفي ظاهر الأمر، يبدو ذلك طبيعياً فالتقرير يتحدث عن “تحقيق تحول رقمي شامل ومنسق عبر آليات مركزية على المستوى الوطني”
عن “سياسات وطنية موحدة ومنسقة ومركزية”، وعن “تأسيس أبنية تقنية إعلامية موحدة”
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى تحول رقمي؟ فالإجابة بالطبع نحتاج، لكن السؤال الحقيقي: أي تحول؟
وبأي عقل؟
ولأي نموذج إعلامي؟
وبأي ضمانات؟
فما الفائدة في أن تضع الإعلام كله على سحابة، بينما السماء نفسها مغلقة؟!
التحول الرقمي الحقيقي لا يعني تحويل النشرة الرسمية إلى فيديو قصير.
أو البيان التقليدي إلى بودكاست.
أو الخطاب الواحد إلى محتوى متعدد الصيغ
فهذا أشبه بنقل أثاث قديم إلى شقة جديدة:
الإضاءة أفضل، والواجهة أجمل، لكن الرائحة نفسها باقية!
والفرق كبير بين “رقمنة الموجود” و”تغيير النموذج” رقمنة الموجود تعني أن تأخذ ما لديك كما هو: أرشيف يتحول إلى ملفات.
ونشرات إلى مقاطع،.
وبرامج إلى روابط، وصحف إلى مواقع.
أما تغيير النموذج فيبدأ من أسئلة أخرى:
أين الجمهور؟ لماذا تركنا؟ لماذا لا يثق بنا؟
وكيف نستخدم البيانات لفهمه لا للسيطرة عليه؟
تقرير اللجنة يتحدث عن السحابة
لكن ليس بما يكفي عن السماء المفتوحة، يتحدث عن الذكاء الاصطناعي، لكن ليس بما يكفي عن الذكاء التحريري.
يتحدث عن المنصات، لكن ليس بما يكفي عن الاستقلال الذي يجعل المنصة جديرة بأن يفتحها الناس.
وهنا يصبح التحول الرقمي خطراً ليس لأنَّه رقمي، بل لأنَّه قد يتحول إلى قناع حديث لعقل قديم.
خذ مثلاً فكرة “السحابة الوطنية”
وهي فكرة، في ظاهرها، قد تكون مفيدة:
تخزين موحد، أرشفة منظمة، حماية للبيانات، خفض للتكاليف، وإدارة للمحتوى.
والتقرير يقترح صراحةً “بناء منظومة مركزية سحابية للتخزين والأرشفة” و”مشغل فيديو موحداً”، و”نظام إدارة محتوى مركزياً”
هذا كله قد يبدو عقلانياً من زاوية الإدارة التقنية، لكن في بيئة تعاني أصلاً من المركزية والتوجيه، لا يمكن أن تمر كلمة “مركزية” بلا أسئلة:
من يملك هذه السحابة؟ من يديرها؟
من يرى البيانات؟ من يحدد صلاحيات الوصول؟
هل ستكون بنية تقنية لخدمة المؤسسات، أم مركز تحكم جديد؟ هل تحمي المحتوى من الضياع، أم تجعل السيطرة عليه أسهل؟!
يا سادة: التكنولوجيا المركزية في بيئة غير شفافة لا تكون محايدة!
قد تقول لك إنها تخزن فقط، لكنها تعرف أكثر مما ينبغي:
من نشر، ومتى، وماذا، ولمن، وكم شاهد، وما الذي انتشر، وما الذي أزعج.
البيانات ليست ملفات
البيانات سلطة، ومن يملك بيانات الجمهور والمحتوى والتفاعل يملك قدرة هائلة على توجيه المجال الإعلامي.
لذلك كان يجب أن يأتي أي حديث عن البنية الرقمية مصحوباً بضمانات واضحة:
حوكمة مستقلة، حماية خصوصية، شفافية صلاحيات، وفصل بين الإدارة التقنية والقرار التحريري،.
أما أن نأخذ الأزمة القديمة نفسها، ثم نضعها على بنية مركزية أحدث، فذلك ليس تحولاً رقمياً؛ إنَّه تحديث للبنية التي صنعت الأزمة.
الأمر نفسه ينطبق على “مشغل الفيديو الوطني” أو منصات التوزيع الوطنية، حيث يمكن، من حيث المبدأ، تقليل الاعتماد على المنصات العالمية، واستعادة جزء من عوائد الإعلان.
لكنَّ السؤال: هل فرّ الناس من التليفزيون لأن يوتيوب أقوى تقنياً فقط، أم لأنَّ الرسالة نفسها فقدت قيمتها؟
الناس لا تتعلق بالمنصات لأنَّها منصات، بل لأنَّها تمنحهم سرعةً، وتنوعاً، ومساحةً، وتفاعلاً، وأحياناً قدراً أكبر من الصدق أو الاختلاف.
فإذا انتقل الصوت الواحد من الشاشة إلى المنصة، فلن يصبح تعدداً، بل سيصبح صوتاً واحداً بصيغة أكثر لمعاناً!
ثم يأتي الذكاء الاصطناعي
ولا خلاف على أنَّه يمكن أن يخدم الإعلام: أرشفة، تفريغ نصوص، ترجمة، تلخيص، تحليل بيانات، كشف تلاعب، ودعم غرف الأخبار.
والتقرير يدعو إلى “تبني نموذج الذكاء الاصطناعي المسؤول” مع الاحتفاظ بالبصمة الإنسانية.
وهذه صياغة جيدة، لكنَّها لا تكفي
فالذكاء الاصطناعي لا يعوض غياب الذكاء التحريري، ولا غياب السؤال، ولا خوف الصحفي، ولا غياب المعلومة، ولا يستطيع أن يصنع إعلاماً حراً داخل منظومة لا تريد للحرية أن تتجاوز حدوداً معينة.
ويمكننا القول بأنَّ الذكاء الاصطناعي، إذا وُضع في بيئة غير حرة، قد يتحول إلى أداة ضبط:
لرصد التريند لا لفهمه، ولمراقبة الخطاب لا لتوسيعه، ولتوحيد الرسالة لا لتنويعها، ولقياس المزاج العام من أجل إدارته لا احترامه.
والتقرير نفسه يقترح “وحدة لقياس التريند لحظياً باستخدام الذكاء الاصطناعي”
كما يقترح إنشاء وحدات لمراقبة اتجاهات الرأي العام وشكاوى الجمهور.
وهذه أدوات قد تكون نافعة إذا خدمت التحرير والجمهور، لكنَّها قد تصبح خطرة إذا خدمت التوجيه والسيطرة.
لذلك فإنَّ سؤال الذكاء الاصطناعي في الإعلام ليس:
ما الأدوات التي سنشتريها؟
بل: من يضع قواعد استخدامها؟
من يحمي البيانات؟
ومن يمنع أن تتحول الخوارزمية إلى رئيس تحرير غير معلن؟
هنا تظهر خطورة الرقمنة:
إنَّها تجعل السيطرة أقل ظهوراً! في الماضي، كان التدخل قد يأتي في صورة مكالمة، أو تعليمات، أو حذف واضح.
أما في البيئة الرقمية، فيمكن للتدخل أن يكون ألطف:
خفض وصول، تغيير ترتيب، إبطاء نشر، منع وصول إلى بيانات، حرمان من منصة، تعديل خوارزمية، أو إغراق المحتوى المختلف بمحتوى آخر.
ولا تحتاج الرقابة الرقمية إلى مقص
أحياناً يكفي أن تحرك المؤشر قليلاً في لوحة التحكم!
ولذلك، فإنَّ أي خطة رقمية بلا ضمانات حرية وشفافية قد تنتهي إلى قفص زجاجي: يبدو مفتوحاً لأنَّك ترى العالم من خلاله، لكنَّه يظل مغلقاً.
وهذا يقودنا إلى الأرشيف
الأرشيف الإعلامي المصري ثروة هائلة لا يجوز أن تبقى حبيسة المخازن، والتقرير محق حين يدعو إلى “رقمنة الأرشيف الوطني” وربطه بالسحابة الوطنية، واستثماره عبر حقوق الوصول والاستخدام
لكنَّ الأرشيف ليس مادة خاماً للإيرادات أو النوستالجيا إنَّه ذاكرة عامة، والذاكرة حين تُرقمن تحتاج إلى سياسة لا إلى جهاز فقط:
من يقرر ما يُتاح وما يُحجب؟
كيف يصل الباحثون؟
كيف تُحمى المواد من التلاعب أو الحذف؟
وكيف نضمن ألا يتحول الأرشيف من ملكية عامة إلى مخزن مغلق تملكه جهة وتبيعه أخرى وتتحكم ثالثة في حق الوصول إليه؟
التقرير يلامس جوهر المسألة الإعلامية ولب القضية حين يدعو إلى “التحول من نموذج الخطاب الرسمي إلى نموذج الخدمة الإخبارية” في ماسبيرو.
أن تكون الصدارة لأحداث الساعة لا للنشاطات الرسمية
مع فصل الخبر عن التعليق، ومساحات متوازنة لوجهات النظر المختلفة، وتمثيل متوازن للمعارضة.
هذه ليست توصيات فنية
هذه هي قلب التحول الرقمي كله، فإذا بقي الخطاب رسمياً، فلن تنقذه المنصة.
إذا بقي الرأي الواحد هو القاعدة، فلن تصنع السحابة تعدداً.
وإذا ظل الخبر يبدأ من جدول المسؤول وليس من سؤال الجمهور، فلن ينقذه فيديو قصير ولا بودكاست ولا تطبيق!
التحول الرقمي الحقيقي يبدأ من الاعتراف بأنَّ الجمهور لم يعد أسيراً.
أصبح الجمهور العادي يحمل العالم في يده، يستطيع أن يقارن، ويراجع، ويسخر، ويبحث، ويغادر في ثانية واحدة.
وهذه الحقيقة لا تعالج بمنصة وطنية، ولا بمشغل فيديو موحد، ولا بسحابة مركزية، بل بعقلية جديدة تعرف أن الجمهور لا يُستعاد بالأمر، ولا بالنداء الوطني، ولا بإعادة التغليف، بل حين يشعر أنَّ ما تقدمه له أسرع، وأصدق، وأعمق، وأكثر احتراماً لعقله من البدائل.
الخطر، كلّ الخطر، أن تتحول الرقمنة إلى “ميكنة للبيروقراطية”:
نأخذ الدورة الورقية القديمة فنضعها على نظام إلكتروني، نأخذ الموافقة القديمة فنجعلها زراً.
نأخذ الخوف القديم فنجعله صلاحية مستخدم، ونأخذ المركزية القديمة فنجعلها لوحة تحكم!
عندها يصبح التحول الرقمي تحديثاً لشكل الإدارة، لا تحريراً لطاقة المؤسسة، ويصبح السؤال الوحيد: هل أصبحت القيود أكثر سرعة وأناقة؟!
يا سادة: الذكاء الاصطناعي لا يمنح الشجاعة
السحابة الوطنية لا تمنح الاستقلال، والمنصة لا تمنح الثقة، والتطبيق لا يمنح المعنى، والأرشيف الرقمي لا يمنح الذاكرة إذا ظل الوصول إليها محكوماً.
والبودكاست لا يمنح صوتاً جديداً إذا كان المتحدث يخاف من الجملة القديمة نفسها! هذه كلها أدوات، والأداة تأخذ أخلاق النظام الذي يستخدمها: في يد إعلام حر تصبح نافذة، وفي يد إعلام خائف تصبح زجاجاً سميكاً.
لذلك، فإنَّ السؤال الذي يجب أن يسبق كل مشروع رقمي في الإعلام المصري هو:
ما الحرية التي ستضيفها هذه الأداة؟
هل ستجعل الجمهور يعرف أكثر؟
هل ستجعل الصحفي يعمل أفضل؟
هل ستجعل المعلومة أسرع وأدق؟
هل ستجعل المؤسسة أكثر شفافية؟
هل ستقلل السيطرة أم تزيدها؟
هل ستفتح الباب أم ستطلي القفص بلون أحدث؟!
ما لم يكن التحول الرقمي انتقالاً من التلقين إلى التفاعل، ومن المركزية إلى التعدد، ومن الغموض إلى الشفافية.
من الأرشيف المغلق إلى الذاكرة المتاحة، ومن البيانات المستخدمة للضبط إلى البيانات المستخدمة للفهم، فلن يكون تحولاً رقمياً بالمعنى الحقيقي، سيكون تحديثاً للقفص، لا فتحاً للباب!
هنا نعود إلى درس BBC حيث لم يكن فشل مشروعها الرقمي لأنَّ الفكرة كانت بلا وجاهة، أو لأنَّ التكنولوجيا لم تكن ضرورية، بل لأنَّ المشروع حين لم يجد حوكمة واضحة وعقلاً يعرف ما يريد.
صار عبئاً على المؤسسة بدل أن يحررها!
وهذه هي العبرة التي ينبغي أن نخاف منها هنا:
أن نستيقظ بعد سنوات فنجد أنَّ لدينا منصات أكثر، وتطبيقات أكثر، وسحابة وطنية، وذكاءً اصطناعياً، وأرشيفاً مرقمناً، وبودكاستات، ومشغلات فيديو، لكنَّ الجمهور نفسه لا يزال في الخارج، ينظر إلى كل هذا اللمعان، ثم يذهب إلى مكان آخر ليبحث عن الحقيقة!!






