د. أيمن منصور ندا يكتب: خريطة الطريق التي لا تعرف الطريق
التقرير، في مواضع كثيرة، لا يتصرف كخريطة طريق، بل كقائمة رغبات موسعة، أو محضر تجميعي لأفكار لجان فرعية، أو دفتر أمنيات مؤسسية كُتب بلغة التخطيط، دون أن يمتلك صرامة التخطيط.

صورة تعبيرية للمقال
قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (6- 12)
عن تقرير يخلط بين قائمة الرغبات ووثيقة الإصلاح
في عام 1986، لم تكن كارثة انفجار مكوك الفضاء الأمريكي “تشالنجر”، بعد 73 ثانية من إطلاقه، مجرد خلل تقني في حلقة مطاطية، بل كانت خللاً في المنهج الذي صُنعت به القرارات داخل “ناسا”.
المؤكد أنَّه كانت هناك لجان، وتقارير، واجتماعات، وجداول، ومظاهر انضباط مؤسسي، لكنَّ الرغبة في الإطلاق، والالتزام بالجدول الزمني، تلبيةً لمطالب سياسية، غلبا حساب العواقب.
لقد جرى تكييف التقارير الفنية لتلبي “أمنيات الإطلاق” السياسية، وذلك بدلاً من “قياس المخاطر”
وجرى تهميش التحذيرات الفنية، حتى خرجت التوصية الرسمية واثقة ومحكمة، بينما كانت في الحقيقة وثيقة عاجزة عن مواجهة الواقع!
ومنذ ذلك الوقت، صارت “تشالنجر” درساً كلاسيكياً في أنَّ فساد المنهج لا ينتج إلا مخرجات فاسدة، مهما بدا الغلاف المؤسسي أنيقاً.
من هذه الزاوية، لا يقتصر عوار تقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري على الجانب السياسي أو المؤسسي أو الفلسفي فقط، بل إنَّه يعاني أيضاً من قصور منهجي وتنفيذي واضح؛ لأنَّ التقرير يقدم نفسه بوصفه “خريطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري”
ويقول إنَّ مهمة اللجنة هي “تحديد خريطة طريق لتطوير مسار الإعلام”
من خلال “خطة تنفيذية محددة” و”مديات زمنية متدرجة”، عاجلة في ستة أشهر، ومتوسطة في 18 شهراً، وطويلة في ثلاثة أعوام فأكثر.
كلام كبير جداً، ومنظم غاية التنظيم، لكنه يضع على نفسه عبئاً ثقيلاً، ويكلف نفسه ما لا يطيق.
والمشكلة أن التقرير، في مواضع كثيرة، لا يتصرف كخريطة طريق، بل كقائمة رغبات موسعة، أو محضر تجميعي لأفكار لجان فرعية، أو دفتر أمنيات مؤسسية كُتب بلغة التخطيط، دون أن يمتلك صرامة التخطيط.
د. أيمن منصور ندا يكتب: التقرير الذي عرف الأعراض وخاف من اسم المرض
د. أيمن منصور ندا يكتب: علاج السيطرة بمزيد من السيطرة
الفرق بين خريطة الطريق وقائمة الرغبات
كما ندرسه لطلابنا في مقرر التخطيط الإعلامي، أن الأولى تقول لك: أين أنت؟
وإلى أين تذهب؟
وبأي موارد؟
وفي أي زمن؟
ومن المسؤول؟
وكيف تعرف أنك وصلت؟
أما الثانية فتقول فقط
نريد أن نصل إلى مكان أفضل/ وهذا كلام جميل، لكنه لا يصلح للقيادة.
فالإصلاح لا يبدأ من كثرة العناوين، بل من دقة التشخيص، ووضوح الأولويات، وصلابة أدوات التنفيذ، وطريقة معلنة لقياس النجاح والفشل.
أما أن تُكدّس العناوين تحت لافتة “التطوير”، ثم تطلب من القارئ أن يثق في أنَّ الطريق سيظهر أثناء السير، فهذه ليست خريطة، بل وصفة مهذبة للتيه الكبير!
أول أوجه القصور أنَّ التقرير لا يشرح بما يكفي كيف وصل إلى نتائجه.
نعم، نعرف أن اللجنة ضمت 66 عضواً، إضافة إلى رئيسها.
وأن إجمالي العضويات بلغ 111 عضواً بسبب تداخل بعض الأعضاء بين اللجان، وأنها عقدت 60 اجتماعاً، واستغرقت أعمالها 175 ساعة، وناقشت 195 ورقة عمل، وأن نسبة الحضور بلغت 62.2%،
وهذه أرقام مهمة، لكنها تصف حجم النشاط لا منهجية العمل! النشاط ليس منهجاً.
و”الجري في المحل” لا يصنع تقدماً.
السؤال الحقيقي هو: كيف صيغت الأسئلة؟
كيف جُمعت البيانات؟
كيف وُزنت الآراء؟
كيف رُتبت الأولويات؟
كيف عولجت التحيزات وتضارب المصالح؟
ما البدائل التي نوقشت ثم رُفضت؟
ولماذا رُفضت؟
التقرير يعرض توصيات كثيرة، لكنه لا يكشف بما يكفي عن الطريق الذي قاد إليها، وفي التقرير، تظهر المشكلة، ثم تظهر التوصية، وبينهما منطقة واسعة من الصمت الرهيب!
الطريف أن التقرير نفسه يقول إنَّ ما يميز عمل اللجان هو “منهج العمل الذي تتبعه لتشخيص الأزمات القائمة وتحويل التحديات الضاغطة إلى الفرص الوليدة”!
جميل جداً! لكن أين هذا المنهج؟
أين أدوات التشخيص؟
أين تصميم البحث؟ أين العينة؟
أين استطلاعات الجمهور؟ أين مقابلات العاملين؟
أين تحليل السوق؟ أين مراجعة التجارب المقارنة؟
أين مصفوفة المخاطر؟
لا يكفي أن تقول إن لديك منهجاً، كما لا يكفي أن تعلق على باب العيادة لافتة “تشخيص دقيق”، ثم تدخل إلى المريض بلا سماعة، ولا تحاليل، ولا أشعة.
ويظهر القصور نفسه في تعامل التقرير مع الجمهور:
فهو يتحدث كثيراً عن الجمهور، وثقته، واحتياجاته، واتجاهاته، لكنه لا يقدم خط أساس واضحاً عنه:
ما مستوى الثقة الحالي في وسائل الإعلام المصرية؟
ما نسب المشاهدة الفعلية؟
ما الفئات التي هجرت التلفزيون؟
ما مصادر الأخبار البديلة؟
ما الفروق بين الريف والحضر، وبين الأجيال، وبين الداخل والخارج؟
الإعلام في النهاية علاقة مع جمهور، فإذا لم تبدأ من قياس هذه العلاقة كما هي، فكيف تعرف أنك أصلحتها؟
الحديث عن الجمهور دون بيانات منشورة يشبه الحديث عن مريض لم نرَ تحاليله، ثم نكتب له روشتة طويلة ونطلب منه أن يشكرنا على الجهد.
من أوجه القصور كذلك أن التقرير لا يقدم مؤشرات أداء واضحة
فهو مليء بتعبيرات من نوع: تطوير، وتعزيز، ودعم، ورفع كفاءة، وتحسين، وتحديث، وبناء قدرات، وتوسيع انتشار، واستعادة ثقة، وهي كلها عبارات جيدة في الخطابة، لكنها لا تكفي في التخطيط:
ما معنى استعادة الثقة؟ ومن يقيسها؟
وبأي منهج؟ وما معنى تطوير المحتوى؟
هل يقاس بعدد المشاهدات، أم بزمن المشاهدة، أم بنسبة التفاعل، أم باستطلاعات الرضا؟
الخطة بلا مؤشرات قياس تشبه سيارة بلا عدّاد سرعةن قد تتحرك، وقد تصدر صوتاً، لكن أحداً لا يعرف سرعتها ولا اتجاهها.
صحيح أن التقرير يتحدث عن “تأسيس منظومة وطنية لقياس فاعلية الإعلام” و”مؤشرات قياس مركزي لرصد زيارات المواقع” بل يقترح “وحدة لقياس التريند لحظياً باستخدام الذكاء الاصطناعي”
لكن هذا كله يظهر كتوصية مستقبلية، لا كأساس منهجي بُني عليه التقرير نفسه! بمعنى آخر، التقرير يوصي بقياس ما كان يجب أن يقيسه قبل أن يوصي، وكأنه يريد أن يضع الترمومتر بعد كتابة التشخيص، وأن يطلب الأشعة بعد إجراء العملية.
يضعف التقرير أيضاً لأنه لا يرتب الأولويات بصرامة:
كل شيء فيه مهم، وكل شيء عاجل، وكل شيء استراتيجي، وكل شيء قابل للإدراج في جدول!
وهذا علامة ضعف تخطيطي، فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بجمع الأمنيات في وثيقة واحدة، بل بتمييز ما يجب فعله أولاً، وما يمكن تأجيله، وما لا ينبغي فعله أصلاً، وما يحتاج إلى شرط سابق قبل البدء فيه.
لا يمكن أن تضع تحرير المجال الإعلامي، وإنشاء سحابة وطنية، وتطوير البودكاست، وإسقاط الديون، وتعديل القوانين، وتدريب الكوادر.
ومكافحة التضليل، واستثمار الأصول
وتحديث ماسبيرو، في سلة واحدة، ثم تسمي ذلك خريطة طريق! الخريطة لا تحدد الأماكن فقط؛ الخريطة تقول أي طريق يجب أن يُسلك أولاً، وأي طريق مغلق، وأي طريق خطر.
ويزداد الخلل وضوحاً في مسألة التكلفة والتمويل:
فالتقرير يقول إنَّ وثيقته تتضمن “التوصيات والمؤسسات والهيئات والأشخاص المنوط بها تخطيط وتنفيذ المهمة، والتكلفة البشرية والمخصصات المالية المقدرة لها”
لكن القارئ يصطدم، في مواضع كثيرة، بتكاليف غير مقدرة، أو تمويل مؤجل إلى صناديق مستقبلية، أو شراكات ورعايات وعوائد محتملة.
وحين يقترح التقرير صندوقاً للتحول الرقمي يمول البنية السحابية، وتحديث غرف الأخبار، والرقمنة الشاملة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وتطوير الأرشيف، وتدريب الكوادر.
فإنَّه يفتح أسئلة أكثر مما يغلق: ما حجم الصندوق؟ كم مؤسسة ستستفيد؟
وفق أي معايير؟ هل الموارد المتوقعة كافية؟
ماذا لو لم تتحقق؟ ومن يضمن ألا يتحول الصندوق إلى باب جديد لتوزيع الرضا، لا لتوزيع الموارد؟
الخطة المالية لا تكتمل بأن تقول:
سننشئ صندوقاً أو نعقد شراكات! هذا وصف آلية، لا دراسة تمويل، والصندوق ليس عصاً سحرية، والشراكة ليست مالاً مضموناً، والرعاية ليست سياسة عامة.
وتخفيف الأعباء المالية، وإسقاط الضرائب، وجدولة الديون.
كلها إجراءات قد تكون ضرورية في لحظة إنقاذ، لكنها تصبح خطراً إذا لم تُربط بإعادة هيكلة ومحاسبة ومعايير أداء واضحة، فالإنقاذ المالي إذا لم يغير أسباب الخسارة يتحول إلى مكافأة للفشل.
ويبدو التقرير ضعيفاً كذلك في آلية المتابعة والمحاسبة:
من يراقب تنفيذ الخطة؟ هل هناك لجنة متابعة مستقلة؟
هل ستُنشر تقارير ربع سنوية؟ هل سيعرف الجمهور ما تحقق وما لم يتحقق؟
هل سيقال بوضوح إنَّ توصية ما فشلت؟
أم أنَّ التنفيذ سيُدفن في عبارات عامة من نوع: “جارٍ العمل”، و”تم اتخاذ خطوات”، و”يجري التنسيق”، و”تم تشكيل لجنة”؟
في الثقافة الإدارية المصرية، عبارة “جارٍ العمل” يمكن أن تعيش سنوات أطول من المشروع نفسه! ولذلك فإن أي خطة لا تحتوي على نظام متابعة علني تتحول بسهولة إلى تمرين جديد في إدارة الانتظار.
ومن أوجه القصور الجوهرية أنَّ التقرير لا يتعامل بما يكفي مع تحليل المخاطر:
حين تقترح “سياسات وطنية موحدة ومنسقة ومركزية”
وبنية سحابية وطنية، ومشغل فيديو موحداً، ونظام إدارة محتوى مركزياً.
ووحدات وطنية لمكافحة التضليل، وصناديق دعم، وآليات قياس مركزية، فأنت لا تقترح أدوات بريئة فقط؛ أنت تخلق مراكز قوة جديدة.
كان يجب أن يناقش التقرير مخاطر الخصوصية، وحوكمة البيانات، وإساءة استخدام البنية المركزية، وتحول مكافحة التضليل إلى رقابة، وتحول التمويل إلى أداة طاعة.
كما لا يميز التقرير بما يكفي بين “المخرج” و”الأثر”: إنشاء منصة مخرج، أما زيادة ثقة الجمهور فهي أثر، عقد دورة تدريبية مخرج، أما تحسن الأداء المهني فهو أثر.
التقارير الضعيفة تحتفل بالمخرجات لأنَّها أسهل في العد:
عدد الدورات، عدد المنصات، عدد الاجتماعات، عدد الوثائق، أما الأثر فهو أصعب، لأنه يسأل: هل تغير شيء فعلاً؟ هل عاد الجمهور؟ هل زادت الثقة؟ هل تحسن المحتوى؟
من هنا يمكن تلخيص أوجه قصور التقرير في ثلاث فجوات كبرى:
فجوة المنهج، وفجوة التنفيذ، وفجوة القياس.
فجوة المنهج تعني أننا لا نعرف يقيناً كيف تحول النقاش إلى توصيات.
وفجوة التنفيذ تعني أن الخطة لا تحدد دائماً الموارد والمسؤوليات والمخاطر والضمانات بما يكفي.
وفجوة القياس تعني أننا لا نعرف كيف سنحكم، بعد عام أو ثلاثة أعوام، أن التقرير نجح أو فشل.
وهذه الفجوات الثلاث كافية وحدها لإضعاف أي خريطة طريق، حتى لو كانت نيات أصحابها طيبة، وحتى لو احتوت على توصيات صحيحة.
والمفارقة أن هذه الفجوات المنهجية تعود بنا إلى المشكلة الأصلية نفسها:
غياب المحاسبة، فالمنهج الواضح يحاسب الفكرة، والخطة التنفيذية تحاسب الجهة، ومؤشرات القياس تحاسب النتيجة.
فإذا غاب المنهج، أمكن لأي فكرة أن تمر! وإذا غابت الخطة المحكمة، أمكن لأي جهة أن تؤجل، وإذا غابت المؤشرات، أمكن للجميع أن يعلن النجاح دون دليل.
ولذلك فإنَّ ضعف المنهج ليس عيباً فنياً محايداً، بل عيب سياسي وإداري؛ لأنَّه يفتح الباب للهروب من المسؤولية.
وهنا نعود إلى درس تشالنجر
فلم تكن الكارثة في الحلقة المطاطية وحدها، بل في السلسلة التي جعلت التحذير أقل وزناً من الرغبة في الإطلاق، وجعلت التقرير مطمئناً أكثر مما كان ينبغي، والقرار يبدو منضبطاً بينما كان هشاً في داخله.
وما دام فساد الإجراءات يسبق فساد النتائج، فإنَّ تقريراً صُنع بهذه الفجوات لا يستطيع أن يقود الإعلام إلى المستقبل، بل يعيد تدوير الطريق نفسه الذي أوصلنا إلى الأزمة:
طريق طويل، لافتاته كثيرة، واجتماعاته كثيرة، وجداوله كثيرة، لكنه في النهاية لا يعرف إلى أين يذهب!






