مقالات
محمد قدري حلاوة
محمد قدري حلاوة

كاتب مصري وقاص

1977 العام المر (16)

في المساء باغت السادات وزير الخارجية الأسبق إسماعيل فهمي  بقوله: أود أن أعرف رأيك في رحلة خاصة إلى الفدس وإلقاء خطبة في الكنيسيت

مشاركة:
حجم الخط:

البدايات التي لا تهم أحد

كل واقعة أو رواية تاريخية تحتاج أحيانا لتحوير أو لمسة دعائية تجعلها مبهرة جارية على الألسن، متخيلة في الأذهان خالدة وواقرة فيها

عندما أقتحمت جحافل جيوش “نابليون” القاهرة دارت المعركة الحاسمة مع “المماليك ” في حي ” بولاق”.

رغم ذلك سميت بمعركة “الأهرام ” ربما لخلود الأهرام في مخيلة الشرق والغرب على السواء

بل ورسمت ريشة الفنانين الفرنسيين “نابليون” وهو يقود جيوشه وسط أجساد ” المماليك” الصرعي ودخان المدافع والأهرام من خلفهم.

1977 العام المر (15)

1977 العام المر (14)

هذا ما حدث مع ” مبادرة الرئيس “السادات لزيارة  القدس بالضبط.

تقول الرواية الرسمية والتي ذكرها السادات في مذكراته  (البحث عن الذات)  أن فكرة المبادرة قد طرأت على ذهن الرئيس بطريقة روحية وهو شارد بين طبقات السحاب مستقلا طائرته متحها إلى  إيران بعد زيارته لتركيا.

والحقيقة أنه منذ تولي مناحم بيجين رئاسة وزراء (إسرائيل) في الواحد والعشرين من مايو عام 1977، ساد جو من التشاؤم الشديد عن إمكانية صنع السلام مع هذا الرجل ذو التاريخ الإرهابي المشهود.

إلا أن البعض قد تفائل بالأمر ورأي أن قوة وتاريخ بيجين ستمكنه من إتخاذ قرار السلام دون أن يستطع أحد أن يزايد عليه أو يتهمه بالتفريط.

وفي زيارة رئيس وزراء إسرائيل لرومانيا نهاية أغسطس 1977، طلب بيجين من شاوشيسكو أن  ينقل رسالة إلى السادات و إلى حافظ الأسد أن إسرائيل مهتمة بالسلام.

وفي الرابع من سبتمبر سافر موشيه ديان وزير الخارجية الإسرائيلي إلى  المغرب وعقد لقاء مع  الملك الحسن الثاني ونقل إليه رغبة إسرائيل في عقد لقاء على مستوى رفيع مع أحد المسئولين المصريين.

ووعد الملك بالرد خلال خمسة أيام

بالفعل أبلغ إسرائيل بموافقة الجانب المصري

وفي التاسع من ذات الشهر عقد اللقاء في  المغرب بين ديان  وحسن التهامي .

ذلك الرجل الغرابئي ذو التاريخ الغامض في السياسة المصرية، وبحضور الملك  الحسن الثاني ملك المغرب، أستمر اللقاء أربع ساعات.

تتناول وثيقتان سريتيان من محاضر مجلس الوزراء الإسرائيلي الزيارة التي قام بها مبعوث روماني إلى إسرائيل يحمل إقتراحا من الرئيس الروماني لعقد لقاء آخر بين مسئول مصري رفيع المستوى مع مسئول إسرائيلي في بوخارست برعاية الرئيس الروماني.

وتقول إحداهما – الوثيقتان- إن بيجين أخبر السفير الأمريكي في إسرائيل بهذا الإقتراح الذي وافق عليه السادات وان نائبه حسني مبارك سيمثل مصر في هذا اللقاء.

في حين قرر بيجين أن يمثل ديان إسرائيل

وقد رحب السفير الأمريكي بعقد هذا اللقاء 

هل تم هذا اللقاء؟

لا مصادر تاريخية تؤكد او تنفي، على أية حال فقد زار السادات رومانيا  وإلتقي بالرئيس شاوشيسكو  في الثامن والعشرين من أكتوبر عام 1977.
وتناول اللقاء عرضا للسلام كان قد قدمه بيجين للرئيس الروماني.

في المساء باغت السادات وزير الخارجية الأسبق إسماعيل فهمي  بقوله: أود أن أعرف رأيك في رحلة خاصة إلى الفدس وإلقاء خطبة في الكنيسيت.

ورغم ممانعة وزير الخارجية للأمر ومعارضته بدا ان القرار قد تم إتخاذه بالفعل.

في التاسع من نوفمبر 1977، وبينما وقف الرئيس السادات في مجلس الشعب يلقى خطابا توقف فجأة ليلقي بفنبلة مدوية في وجوه الجميع عندما قال: إنني ومن مركز القوة مستعد للذهاب إلى أقصى الأرض، حتى إلى الكنيسيت ذاته .

صفق الجميع وهللوا متحمسين لما اعتبروه بلاغة خطابية من الرئيس.

إلا إثنين الأول ياسر عرفات رئيس  منظمة التحرير الفلسطينية الذي شعر بالغضب الشديد.

خصوصا ان السادات قد أرسل إليه طائرة حربية مستدعيا إياه لحضور خطابه.

وقال ثائرا وهو يغادر القاهرة في ذات الليلة  لقد وضع _ السادات _ العمامة فوق رأسي.

الثاني هو المشير” الجمسي الذي همس في أذن وزير الخارجية ” إسماعيل فهمي ” متوجسا قائلا له: لقد كررها ثانية.

كان الجمسي قد أبدى إنزعاجه من قبل حين ردد السادات ذات العبارة في إجتماع مجلس الأمن القومي المنعقد في الخامس من نوفمبر واللذي كان الرئيس يعرض فيه نتائج زيارته للسعودية و إيران ورومانيا.

لأن ” ممدوح سالم” رئيس الوزراء الأسبق أعتبر حينها أنها محض عبارة حماسية فقد أصدر تعليماته للصحف بتجاهل تلك العبارة في نشرهم لنص الخطاب.

إلا أن  السادات غضب وأصر على نشرها ولم ينم ليلته سوي بعد أن بعد أن قرأ الطبعة الأولى للصحف وأطمئن على النشر.

جرت الأحداث سريعة بعد هذا اليوم ووقف الكل مشدوها لا يستطيع التفكير او المراجعة والتأمل في الأمر.

كان المصريين والعرب كأن على رؤوسهم الطير

هل يعني السادات ما يقوله حقا؟

كنت واحدا منهم بالتأكيد، أخذ عقلي الصغير يدور ويطرح الأسئلة.

حتى الأمس فقط كانت إسرائيل هي العدو.

وكان الجندي الصهيوني يبدو مرسوما في مجلة سمير، بريشة حجازي، محيي اللباد، وبهجت عثمان وغيرهم بملامحه الشريرة وأنفه المعقوف ترى، هل صار الآن مبتسما يرجو سلاما؟

الخطاب بدأ يتغير في وسائل الإعلام

هم الجيران،  الشيوخ نحوا آيات الحرب جانبا وقدموا آيات السلام، القساوسة أيضا ظلوا يذكرون بأنه” طوبى لصانعي السلام “

ذكرى إنتصار أكتوبر لم تكن قد مرت عليها بضعة أسابيع بعد ” سينا يا سينا بسم الله.. بسم الله.. وأدينا عدينا… بسم الله.. بسم الله.. وجنود أعادينا.. بسم الله.. بسم الله.. ولا قدروا علينا.. بسم الله.. بسم الله..”  ديان، جولدا مائير، بيجين، شارون، أعادينا،  سيصبحون أصدقاء بعد أيام قليلة..

التلفاز يذيع فيلم الناصر صلاح الدين  الإسقاط واضح ومفهوم.

لكن صلاح الدين  لم يهادن ريتشارد قلب الأسد  سوي بعد أن حرر القدس،  السادات  ذاهب الآن للقدس  المحتلة ترى هل يحررها مثله؟

مساحة عريضة من الأمل والتفاؤل.

ستعود الأراضي العربية المحتلة بمجرد ان تطأ قدما السادات مطار ” بن جوريون” ستنتهي الحرب ويعم الرخاء، ترى ماذا سيرسم حجازي، اللباد، وبهجت عثمان  من بعد؟

في الحادي عشر من نوفمبر، وجه ” بيجين” للمرة الأولى رسالة إلي المصريين عبر الإذاعة الإسرائيلية قائلا :” سيكون من دواعي سرورنا إستقبال رئيسكم بالحفاوة التقليدية التي ورثناها، نحن وأنتم عن إبراهيم _ عليه السلام _ أبينا جميعا.

ومن جهتي سأكون مستعدا بالطبع لزيارة القاهرة من أجل الغاية نفسها، لا حرب بعد اليوم، بل السلام، السلام الحقيقي إلى الأبد”

في الثاني عشر من نوفمبر أبلغ الرئيس السادات وفدا من الكونغرس الأمريكي أنه يتطلع لزيارة القدس لكنه لم يتلق بعد دعوة رسمية.

على الجانب الآخر كان بيجين  في اليوم التالي يبلغ مجلس الوزراء عن أنه يستعد لتوجيه دعوة للرئيس السادات لزيارة القدس.

لم تمر سوي ثلاثة أيام وفي الرابع عشر من نوفمبر بثت محطة” سي بي إس ” الأمريكية لقاء تلفزيونيا لصحفيها ومذيعها الأشهر “والتر كرونكايت ” بالقمر الصناعي مع الرئيس السادات وبيجين.

وعندما توجه بالسؤال إلى السادات عما إذا كان حقا مستعدا لزيارة إسرائيل.

أجابه الرئيس الراحل: أنتظر دعوة رسمية.

وعندما تسائل” كرونكايت” عن كيفية حدوث الأمر وليس هناك علاقات دبلوماسية بين البلدين.

أجاب السادات لماذا لا يتم ذلك بواسطة الأمريكيين أصدقائنا المشتركين؟

وبالفعل وجه إليه بيجين الدعوة على الهواء 

ولأنها زيارة غير إعتيادية فقد كانت أول مرة في التاريخ التي يقدم فيها مسئول من دولة ما دعوة رسمية لمسئول آخر من دولة أخرى عبر التلفاز.

ولما كان يتوجب إستيفاء البروتوكولات والإجراءات الدبلوماسية الراسخة فقد تم توجيه دعوة رسمية لزيارة السادات للقدس بالفعل من قبل بيجين.

في اليوم التالي _ 15 نوفمبر _ عن طريق السفيرين الأمريكيين هيرمان إيلتس في القاهرة، وصامويل لويس في تل أبيب.

اليوم التالي – 16 نوفمبر – ذهب السادات إلى سوريا للقاء الرئيس الراحل حافظ الأسد محاولا إقناعه بالإنضمام إليه في  مبادرته.

وكان لقاء عاصفا لم يسفر عن نتيجة

حتى أن قيادات حزب البعث  السوري فكرت في إعتقال السادات و تقديمه لمحاكمة شعبية، إلا أن الأمر مر بسلام..

في السابع عشر من نوفمبر

صدر الإعلان المشترك بين القاهرة وتل أبيب أن زيارة الرئيس السادات ستبدأ مساء يوم السبت التاسع عشر من نوفمبر.

هنا تقدم إسماعيل فهمي وزير الخارجية بإستقالته من منصبه

وعين الرئيس الراحل محمد رياض وزير الدولة للشئون الخارجية بدلا منه في الثامن عشر من نوفمبر والذي أستقال بدوره بعد ساعات من تعيينه.

وأصطحب  السادات معه د. بطرس بطرس غالي في زيارته للقدس بعد أن عينه وزيرا للدولة للشئون الخارجية.

في التاسع عشر من نوفمبر 1977

كان طائرة الرئيس السادات تهبط في مطار بن جوريون بينما أنظار العالم كله متجهة إلى هناك.

ووقف المسئولين الإسرائليين مصطفين لإستقباله، والموسيقى تعزف السلام الجمهوري للبلدين، و فلاشات الكاميرات لا تكف عن بث أضوائها المباغتة كإشتعال وإنطفاء البرق.

 

شارك المقال: