آراء و تحليلات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: لجنة من رحم المشكلة!

يقول التقرير في مقدمته إن اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري شُكِّلت بقرار من رئيس مجلس الوزراء في 5 أكتوبر 2025، تنفيذاً لتوجيهات رئيس الجمهورية، لوضع خريطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (2- 12)

عن عوار التشكيل قبل عوار التقرير

في بريطانيا، وبعد حرب الفوكلاند، شكَّلت رئيسة الوزراء البريطانية “مارجريت تاتشر” لجنة برئاسة “اللورد فرانكس” (1983) لتقييم أداء حكومتها في الفترة التي سبقت غزو الأرجنتين لجزر فوكلاند، والتي تسببت في اندلاع الحرب بينهما (1982).

كان السؤال الذي يجب على اللجنة الإجابة عنه بسيطاً ومحرجاً في الوقت نفسه: كيف لم تعرف الحكومة؟

وكيف لم تستعد؟

ومن قصّر؟

خرج التقرير مهذباً، مرتباً، رصيناً، ثم فعل ما تفعله التقارير الرسمية حين تقترب أكثر مما ينبغي من السلطة: وزَّع بعض الملاحظات على الطريق، ثم ترك رأس السلطة نظيفاً.

لقد خلص التقرير إلى تبرئة حكومة “تاتشر” من المسؤولية المباشرة عن الغزو، وتحميل المسؤولية كاملة إلى الحكومة العسكرية للأرجنتين.

قيل يومها إنَّه تقرير “تبييض” لا تقرير مساءلة، و”غسيل سمعة” أكثر منه تحقيقاً حقيقياً.

لم ينكر التقرير كلَّ شيء، لكنَّه تجنَّب أن يقول الشيء الذي كان يجب أن يقوله بوضوح.

وهذا بالضبط ما فعله “تقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري”!

يقول التقرير في مقدمته إن اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري شُكِّلت بقرار من رئيس مجلس الوزراء في 5 أكتوبر 2025، تنفيذاً لتوجيهات رئيس الجمهورية، لوضع خريطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري.

هذه الجملة، قبل أي توصية، تكفي وحدها لفتح باب الاعتراض.

فنحن لسنا أمام مبادرة مستقلة من الهيئات الإعلامية، ولا أمام مراجعة مهنية بدأت من نقابة، أو جامعة، أو جمعية عمومية، أو مؤسسات صحفية وإعلامية، ولا أمام لجنة مساءلة مستقلة تقف خارج البنية التي تفحصها.

نحن أمام لجنة شكَّلتها السلطة التنفيذية، بتوجيه سياسي أعلى، لكي تطور مجالاً يُفترض، نظرياً ودستورياً ومهنياً، أن يكون مستقلاً عنها، ورقيباً عليها، ووسيطاً بينها وبين المجتمع، وليس ملحقاً إدارياً بمكاتبها.

والسؤال لا يقف عند الجهة التي شكَّلت اللجنة فقط، بل يمتد إلى هندسة الاختيار نفسها: من اختار أعضاء اللجنة؟

وبأي معايير؟

ومن اسُتبعِد؟

ولماذا؟

هل كان الاختيار قائماً على تمثيل حقيقي لتنوع المجال الإعلامي، أم على تمثيل آمن لمن يمكنهم الجلوس حول الطاولة دون أن يُربكوا السقف السياسي للنقاش؟

هل حضر المختلفون حقاً، أم حضر فقط المسموح لهم بالاختلاف داخل الحدود المقبولة؟!

وهنا يبدأ العوار من المنبع؛

كيف تطلب السلطة التنفيذية من لجنة مشكَّلة بقرارها أن تفحص أزمة كان أحد أسبابها الأصلية هو تدخل السلطة التنفيذية، وغير التنفيذية، في المجال الإعلامي؟

كيف ننتظر من لجنة مولودة من القرار السياسي أن تقول لنا الحقيقة الكاملة عن أثر القرار السياسي في الإعلام؟

كيف يُعَالج الإعلام تبعيته من داخل لجنة تشكلت من الجهة التي يفترض أن يتحرر من وصايتها؟

هذه ليست تفصيلة إجرائية عابرة، وليست ملاحظة شكلية على طريقة التشكيل، بل هي أصل الحكاية كلها.

فاللجنة وُلِدت من رحم المشكلة التي تزعم علاجها.

ولذلك لم يكن غريباً أن يخرج التقرير محكوماً بسقف المشكلة نفسها: يعترف بالأعراض، يلمّح إلى الأسباب، ثم يتوقف قبل نقطة الاشتباك الحقيقي.

ومن الطريف، أو من المؤلم، أو هما معاً، أنَّ التقرير يقول إنَّ اللجنة عملت في إطار “سقف نقاش بلا حدود”

وإنَّها وصفت الأعراض “بلا حرج”، وطرحت العلاج الفعَّال في هذه اللحظة الفاصلة!

والعبارة جميلة ورائعة، لكنَّ السؤال البديهي: هل يمكن أن يكون هناك سقف بلا حدود داخل لجنة شكَّلتها السلطة التنفيذية؟

وهل يمكن للجنة أن تصف الأعراض بلا حرج إذا كان وصف المرض كاملاً سيأخذها إلى الجهات التي شكَّلتها، أو الجهات التي تعمل فوقها، أو الجهات التي لا يذكرها التقرير إلا بالغياب؟
سقف بلا حدود” عبارة جيدة في البلاغة، لكنها في السياسة عبارة تحتاج إلى اختبار. فماذا يعني أن يكون النقاش بلا حدود؟ هل ناقشت اللجنة التدخلات غير المعلنة في الإعلام؟

هل ناقشت قوائم الممنوعين من الظهور؟

هل ناقشت التعليمات الشفوية؟

هل ناقشت كيف تتوحَّد العناوين والمقدمات؟

هل ناقشت لماذا ينتظر بعض رؤساء التحرير والمذيعين الإشارة قبل أن يفتحوا أفواههم؟

هل ناقشت من يُختَار ومن يُستَبعد ومن يُصعَّد ومن يختفي؟

إن كان ذلك قد حدث، فأين هو في التقرير؟

وإن لم يحدث، فبأي معنى كان النقاش بلا حدود؟

ثم، وهذا هو الأهم، أين الآراء المخالفة؟

أين الاعتراضات؟ أين البدائل التي رُفضت؟ أين التصويت؟ أين تحفظات الأعضاء؟ أين النصوص التي لم تمر؟

أين الخلاف بين من يريد تحرير الإعلام ومن يريد ضبطه؟

أين الخلاف بين من يرى الإعلام خدمة عامة ومن يراه أداة تعبئة؟ أين الخلاف بين من يريد استقلال الهيئات ومن ينتظر الضوء الأخضر من السلطة التنفيذية؟ لا نعرف. واللجنة تقدم لنا صمتاً محرراً بعناية.

ثم نأتي إلى حجم اللجنة؛ يعرض التقرير، باعتزاز واضح، حجم الجهد المبذول:

لجنة تضم 66 عضواً، إضافة إلى رئيسها (لجنة ال 67)، موزعين على ثماني لجان فرعية، وإجمالي عضويات بلغ 111 بسبب مشاركة بعض الأعضاء في أكثر من لجنة، و60 اجتماعاً، و175 ساعة عمل، و195 ورقة عمل، ونسبة حضور بلغت 62.2%. للوهلة الأولى، تبدو هذه الأرقام مبهرة، لكنَّها، في القراءة الثانية، قد تكون دليلاً على الترهل أكثر مما هي دليل على الجدية.

ومع ذلك، فإنَّ المشكلة ليست في العدد بذاته؛ فقد تكون اللجنة الكبيرة مفيدة إذا كان الهدف هو الاستماع الواسع، لكنها تصبح مشكلة حين تتحول إلى بديل عن الفريق الصغير المستقل القادر على الحسم.

اللجنة الكبيرة تمنح الشرعية، لا الشجاعة، وتمنح الغطاء، لا القرار، وتجعل الجميع مشاركاً، فلا يعود أحد مسؤولاً. إضافة إلى ذلك، فإنَّ اللجنة الكبيرة لا تنتج غالباً رؤية كبيرة، بل تنتج نصاً كبيراً.

وهناك فرق واسع بين الرؤية والنص

الرؤية تحتاج عقلاً حاكماً، وقراراً شجاعاً، وترتيباً للأولويات، واستعداداً لدفع ثمن الحقيقة، أما النص الكبير فيحتاج صبراً على التجميع، وقدرة على الصياغة، ومهارة في توزيع الخواطر على الجداول.

الفرق بينهما هو الفرق بين مسلسل كتبه أسامة أنور عكاشة، ومسلسل صاغته ورشة سيناريو! وهذا ما حدث بالضبط.

التقرير أقرب إلى سوق كبير للتوصيات: كلُّ لجنة فرعية جاءت ببضاعتها، وكلُّ صاحب ورقة عمل ترك أثره، وكلُّ مؤسسة أرادت أن ترى نفسها في النص.

فخرجت الوثيقة محملة بكل شيء: حرية، تدريب، أجور، ذكاء اصطناعي، أرشيف، بودكاست، سحابة وطنية، صحافة بيانات، دمج مؤسسات، صناديق دعم، منصات إعلانات، مواثيق شرف، وحدات سوشيال ميديا، وتطوير الصفحات الأولى.

كلُّ شيء موجود، ولذلك لا شيء يتقدم بوضوح. نحن أمام وثيقة تريد أن تكون كلَّ شيء في وقت واحد: والنتيجة أن الوثيقة اتسعت حتى فقدت حدتها.

وللمقارنة فقط، فإنَّ لجنة “ماكبرايد” الشهيرة التي شكلتها اليونسكو لدراسة مشكلات الاتصال في العالم، وانتهت إلى تقرير “أصوات متعددة.. عالم واحد” (1980)

وكانت تتعامل مع اختلالات النظام الإعلامي العالمي، كان عدد أعضائها 15 عضواً، إضافة إلى رئيسها!

وكانت لجنة “هاتشينز” Hutchins (1947) لدراسة وضع حرية الصحافة في أمريكا مكونة من 13 عضواً.

وتشكَّل الفريق رفيع المستوى المعني بحرية الإعلام وتعدديته (الاتحاد الأوروبي 2011- 2013) من 4 أعضاء فقط من الحكماء والمفكرين الأوربيين (رئيسة جامعة سابقة، سياسي سابق، حقوقي، وصحفي بارز)!

حتى نسبة الحضور التي يذكرها التقرير، وهي 62.2%، تستحق التوقف!

لا أقول ذلك للتقليل من جهد الحاضرين، ولا للوم من غابوا، فالناس مشغولة والظروف قد تكون معقدة.

لكن إذا كان عدد الأعضاء كبيراً، والعضويات متداخلة، ونسبة الحضور بهذا المستوى، ولجنة الصياغة هي التي جمعت و(فلترت) وحرَّرت.

فمن الذي كتب التقرير فعلياً؟

هل هو تقرير اللجنة كلها؟ أم تقرير الأكثر حضوراً؟ أم تقرير لجنة الصياغة؟

أم تقرير من استطاع تمرير لغته إلى النسخة النهائية؟

أم تقرير المؤسسات التي تملك ثقلاً أكبر داخل اللجنة؟
ومن عيوب تشكيل اللجنة أيضاً أنَّها جمعت بين ممثلين لجهات تليفزيونية وإذاعية وصحفية، وبين خبرات أكاديمية ومهنية.

في الظاهر، هذا تنوع، وفي الباطن، قد يكون تضارب مصالح،

وهو بالفعل كذلك! فالذي يمثل مؤسسة خاسرة ليس مجرد خبير في الخسارة، بل صاحب مصلحة في طريقة علاجها، والذي يجلس باسم مؤسسة ستستفيد من إسقاط ديون، أو تطوير بنية تحتية، أو صناديق دعم، أو تدريب، أو دمج، أو استثمار أصول، ليس طرفاً محايداً تماماً في صياغة التوصيات.

لا يعني هذا أنَّه لم يكن من الواجب الاستماع إليهم، بالعكس، كان ذلك ضرورياً. لكنَّ هناك فرقاً بين أن تسمع صاحب المصلحة، وأن تجعله شريكاً في كتابة العلاج الذي قد يمول مصلحته.

إذا كانت اللجنة تقترح إسقاط ضرائب، ودفع أصل تأمينات دون فوائد، وصناديق دعم، واستثمار أصول، وتطوير بنية ماسبيرو، ودمج مؤسسات.

فمن حق القارئ أن يعرف: من من أعضاء اللجنة ينتمي إلى مؤسسات ستستفيد من هذه التوصيات؟

هل أُعلنت تضاربات المصالح؟ هل تنحى أصحاب المصلحة عن مناقشة توصيات تمس مؤسساتهم؟

هل وُجدت جهة تقييم مستقلة؟ هل قُدمت دراسات جدوى محايدة؟

مرة أخرى، لا نشكك في الأشخاص، بل نشكك في التصميم. والتصميم هنا يسمح بأن تتحول اللجنة من لجنة إصلاح إلى مائدة تفاوض بين مؤسسات مأزومة تبحث عن تمويل ونجاة.

والأخطر من ذلك أن الجمهور، الذي يتحدث عنه التقرير كثيراً، يبدو غائباً عن تشكيل اللجنة. يتحدث التقرير عن الثقة مع الجمهور، واحتياجات الجمهور، والتفاعل مع الجمهور، وقياس اتجاهات الجمهور، وبناء علاقة مباشرة مع الجمهور، وإعلام الخدمة العامة الموجه إلى الجمهور.

لكن السؤال: أين كان الجمهور في تشكيل اللجنة ومنهجها؟

هل عُقدت جلسات استماع عامة؟ هل دُعي المشاهدون والقراء والمستمعون؟

هل سُئل الشباب الذين هجروا التلفزيون؟ هل سُئل المواطن الذي لا يصدق النشرة؟

هل سُئل الصحفي المستبعد؟ هل سُئل المذيع الممنوع؟

هل سُئل صانع المحتوى الذي يعمل خارج المنظومة؟

هل سُئل من يشاهد القنوات المعادية لا حباً فيها، بل بحثاً عن صوت مختلف؟

هل سُئل من لا يقرأ الصحف القومية ولا يعرف أسماء رؤساء تحريرها؟ المؤكد أنَّ الجمهور في التقرير كان موضوعاً للدراسة لا طرفاً أصيلاً في الإصلاح.

ومن هنا، وبعد ذلك كله، يبرز السؤال الذي لا مفر منه:

هل كانت اللجنة لجنة سياسات حقيقية، أم مظلة احتواء واسعة؟

العدد الكبير يوحي بالاحتواء، والتنوع المؤسسي يوحي بالاحتواء، وغياب الخلافات المنشورة يوحي بالاحتواء، واللغة التوافقية توحي بالاحتواء، والنتيجة النهائية، بما فيها من خلط بين الحرية والمركزية، وبين الاستقلال والتوجيه، وبين المهنية والضبط، توحي بأن النص كُتب ليحافظ على الجميع داخل الصورة.

ومن هذه الولادة المعيبة يمكن فهم كثير من تناقضات التقرير اللاحقة؛ لماذا يعلن التقرير الحرية ويقترح المركزية؟

لأنَّ اللجنة مُشكَّلة من داخل منطق المركز! لماذا يتحدث عن الاستقلال ويظل التنفيذ في يد الجهات نفسها التي تحتاج إلى مساءلة؟

لأنَّ اللجنة لم تنشأ كآلية مساءلة، بل كآلية ترتيب!

لماذا يعترف بتقييد الحريات ولا يسمي من يقيدها؟

لأنَّ تسمية الفاعل كانت ستأخذ التقرير إلى ما وراء حدود تفويضه السياسي! لماذا يقترح صناديق، ومنصات، وسحباً، وطنية؟

لأنَّ الحلول التقنية والإدارية أكثر أماناً من الحلول السياسية! لماذا يكثر من الحديث عن الذكاء الاصطناعي ولا يتحدث بما يكفي عن الذكاء الأمني والسياسي داخل غرف الأخبار؟ لأنَّ الأول موضة عالمية، والثاني حقيقة محلية محرجة!

هكذا وُلِد التقرير مرتبكاً

لأنَّه جاء من لجنة مرتبكة في أصل تكوينها؛ لجنة تريد أن تكون مستقلة وهي مشكلة بقرار تنفيذي، وتريد أن تكون مهنية وهي محكومة بسقف سياسي، وتريد أن تكون إصلاحية وهي مملوءة بأصحاب المصلحة في بقاء ما تزعم إصلاحه.

وتريد أن تكون شجاعة وهي لا تملك حق تسمية اليد التي تعبث بالمشهد! لذلك لم يكن التقرير بحاجة إلى أن يسقط في التناقض لاحقاً.

لقد وُلِد به؛ ولم تكن اللجنة بحاجة إلى أن تضل الطريق بعد أن بدأت؛ لقد بدأت من الطريق الخطأ.

ولهذا كله كان طبيعياً أن تتمخض اللجنة، بعد كل هذا الضجيج، فتلد تقريراً ميتاً: وثيقة تعرف أسماء الأعراض، وتحفظ مفردات العلاج، لكنها لا تجرؤ على قول اسم المرض!

شارك المقال: