عبده المصري: ما يستحق البقاء فى ذاكره الشعر (1-2)
صارت عادةً أن أخرج من «بيت المهاجرين» في «طلخا»، وأعبر الكوبري لأجلس مقرفصًا عند بائع الجرائد الذي يفرش بضاعته قريبًا من الكوبري، أمامك نيل المنصورة

الشاعر عبده المصري على مقهى من مقاهي مصر
شهادة إبداعية
عبده المصري
(1)
البدايات تبدو غائمة.
شارعٌ تمتد على جانبيه فيلاتٌ تتدلّى منها أشجارُ الياسمين، وأزهارٌ حمراءُ يطيّحها الهواء، فتتناثر على الأسفلت في خطوطٍ طولية، يؤرجحها الهواء فتتحول إلى دوائر، ثم تعاود التجمّع في خطوطٍ طويلة بطول المسافة من شارع شبين الكوم، وتقاطعه مع شارع بنها، حتى بدايات المساكن الاقتصادية.
خطٌّ طويل من اللون الأبيض لزهور الياسمين، التي تتكاثر قريبًا من الجدران القرميدية لفيلات الهيئة، بينما يتناثر اللون الأحمر لزهور البونسيانا على الأسفلت، وتظل رائحة الياسمين عالقة بأنفاسك حتى تصل إلى العمارة رقم (4)، وأنت تصعد أدوارها الأربعة حاملًا الخبز، وطبق الفول، وقرطاس الطعمية الساخن.
المساكن الاقتصادية على اليسار، والسور الأصفر لمصلحة الطرق والكباري ممتد بلا نهاية، يُلقي بظلال أشجار الكافور والكازورينا على الجهة اليمنى من الطريق، ويُلقي عليك تحية الصباح الودودة، لينتهي بمدرسة التجارة بنين، وبعدها صحراء لم تعبرها يومًا.
اعتدنا على ترديد الحكايات عن ملائكة بأثواب بيضاء يصلّون فيها ليلًا، وعفاريت حبيسة تظل تصرخ طول الليل! من جهة معسكر الجيش الإنجليزي المهجور منذ الحرب العالمية الثانية. تلك الملائكة والعفاريت التي لم يشاهدها أحدٌ منا أبدًا…
لا أتذكر على وجه التحديد متى اشترى لي أبى مجله «سمير»، و«ميكي» أو مجلة «المجلة» التى تصدرها جمهوريه ألمانيا الديمقراطية بورقها الصقيل وصورها الملونة لوجوه سعيدة ومبتسمه، وصرت من بعدها أسيرا مشدوها لعاده القراءة فى المنزل فى المدرسة فى القطار فى الحمام، ألتهم كل ما تلتقطه عيني من كلمات مكتوبه،
أخبئ المجلات مرتبه بأعدادها فى درج الكمودينو الذى يتوسط الصالة، وأحرص على اختلاس إحداها وأنا ذاهب إلى المدرسة ثم أعيدها إلى مكانها فى الدرج بعد العودة خلسه، وحتى لا تشاهدني أمي، التى ترى أن تلك المجلات ستكون سببا فى فشلي الدراسي، وتلعن اليوم الذى اشترى لي فيه أبى تلك المجلات، التى جعلت ابنها البكري قليل الكلام، وتظل تصرخ فى وجه أبى الطيب: «ح تضيع مستقبل ابنك يا سيد يا مصري».
الجرح فى رأسي لازال طريا ونازفا، وعصا الغلية تطالني تحت السرير الذى هربت إليه من فوره غضب الأم الخائفة التى اكتشفت أن ابن عمرها وصبرها يضع مجله «ميكي» أسفل كتاب المطالعة اختلس قراءه مغامرة جديدة «لدهب»، و«بطوط» و«ميمى»، و«سوسو»، و«توتو»، و«محظوظ» الذى لم أحبه أبدا، بينما أمي تتسلل من خلفي لتضبطني بالجرم المشهود وجريمة القراءة فيما يضر ولا ينفع، صحيح أنها بكت واحتضنتني طويلا وكبست الجرح بالبن إلا أن أثار الجرح لا زالت غاطسه تحت شعر رأسي الذى تحول من الأسود إلى الأبيض.
هل لذلك علاقه بالشعر؟
(2)
البدايات تبدو غائمة
متى قرأتُ أول قصيدة؟ متى كتبتُ أول كلمةٍ يرفرف في أوصالها الإيقاع؟ هل كانت معارضةً بصورةٍ ما لأغاني السمسمية؟ هل كانت تقليدًا للنماذج الرثّة التي تُقرَّر علينا في كتب المحفوظات، والتي لم أعد أتذكّر منها سوى قصيدة أحمد شوقي: «خرج الثعلب يومًا في ثياب الواعظين»، إحدى القصائد النادرة التي كنت أشعر وقتها أنها تنتمي إلى عالم الشعر.
الطريق الطويل من بيتنا في عرايشية مصر، مرورًا بشارع بنها، والعبور تحت الممرّ، تحت القصف المتواصل لطائراتٍ سوداء نراها قريبة، تكاد تمرّ فوق الرؤوس، ونحن نحتمي بأشجار الكافور والكازورينا، بعد أن تركنا كل شيء خلفنا، حتى تلك المجلات التي نامت في درج الكمودينو تنتظر عودتي.
لم نحمل معنا سوى القليل من الملابس، وديكٍ أصرت خالتي «زهرة» على حمله بعد ذبحه وتنظيفه، مع برطمانٍ صغير لزيتونٍ أخضر كانت قد خلّلته منذ أيامٍ قليلة. كنا نتغامز ونضحك على صاحبة الوجه الحنطي المبتسم، التي أسرّت لي بسرّها الغريب عن خبرةٍ اكتسبتها في الهجرة الأولى من بورسعيد عام 1956؛ فقد عادت لتجد عِشّة الفراخ خاويةً على عروشها، وأسرّت لي أنها أخذت الديك حتى إذا دخل اليهود لا يجدوا ما يأكلونه.
ثم تعود وتسرّ لي، ما بين انفجار القذيفة والصمت القصير الذي يتلو الانفجار: «طب لو جعنا، مش نلاقي حاجة ناكلها؟»، ثم تنظر بطرف عينها إلى الطائرة السوداء القريبة جدًا، حتى تكاد تشاهد قائدها، وتنطلق بالدعاء: «اتهدي بقى… تاك طاعون ياخدك». الغريب أنها أعطت الديك، عن طيب خاطر، لجنودٍ منسحبين في محطة «التل الكبير».
ونحن نقترب من ميدان «عرابي»، ازداد القصف، وانزوينا بين الجدران المحطّمة يدًا بيد، وأمي تلملمنا حولها، يحتضن كلٌّ منّا الآخر.كنا نشاهد، بأعينٍ نصف مفتوحة، شارع «الحرية» يمتلئ بالجثث التي تجري محترقة، وحصانًا أبيض بلا رأس يركض مسرعًا من موقف الحناطير الذي دمّرته القذائف.
كانت الدماء تنزف بغزارة من جسده، حتى توقّف قريبًا من الكتلة البشرية المتكوّمة في مدخل أحد المنازل المنهارة، رافعًا قدميه إلى السماء، وشيئًا فشيئًا تتوقّف القدمان عن الحركة، وينام الحصان الأبيض، مقطوع الرأس، في بركة الدم إلى الأبد.
هل لهذا علاقة بالشعر؟
(3)
البدايات تبدو غائمة
كلّ ما أتذكّره شارع البحر، وضاحية «توريل» الهادئة في المنصورة، والمكتبة التي ظللت أتردّد عليها سنواتٍ طويلة. قرأتُ نجيب محفوظ، وفكري أباظة، وأنيس منصور، وتوفيق الحكيم، ومحمود تيمور، والعقّاد، والمنفلوطي. وكانت هناك مكتبة صغيرة في شارع السكة الجديدة تبيع روايات «أرسين لوبين»، و«أجاثا كريستي»، و«روكامبول»، و«القديس» بنصف الثمن. تستطيع أن تشتري رواية واحدة، ثم تستبدلها بقرش صاغ لتقرأ رواية جديدة. وكم كان الحصول على قرش صاغ شحيحًا في تلك الأيام المترعة بالحزن والمسرّة.
صارت عادةً أن أخرج من «بيت المهاجرين» في «طلخا»، وأعبر الكوبري لأجلس مقرفصًا عند بائع الجرائد الذي يفرش بضاعته قريبًا من الكوبري، أمامك نيل المنصورة، وخلفك مبنى مديرية الأمن والمسرح القومي. أقرأ مجلات «سوبرمان»، و«الوطواط»، و«ميكي»، و«سمير»، دون أن أفتح صفحاتها المطوية، مقابل تعريفة. يمتدّ النيل أمامي على اتساعه، بينما لا أرى سوى تلك الصور الملوّنة والكلمات التي أتخيّل الأبطال ينطقون بها، فتضفي على الصور خيالاتٍ ساحرة. أعود من الطريق ذاته، عابرًا كوبري «طلخا»، ورأسي ممتلئ بهؤلاء الأبطال وحكاياتهم العجيبة.
هل لهذا علاقة بالشعر؟
لا أدري متى ذهبتُ للمرة الأولى إلى السينما: سينما «عدن» و«النصر» في شارع البحر، وسينما «ريكس» في ميت حضر بالمنصورة، أم كانت البداية سينما «مصر»، و«الحرية»، و«الكورسال»، و«ريو الصيفي» في بورسعيد؟ ومتى تعلّمت قدماي التسلّل بخفّة ومهارة أثناء الاستراحة، لأجلس في المقاعد الأمامية قريبًا من الشاشة، فتتلون الحياة بالبهجة؟ أستعيد مشاهد أفلام مثل «سانجام»، و«الزهرة والحجر»، و«ماكست الجبار»، التي لم أتعامل معها يومًا بوصفها أفلامًا، بل كانت — وما زالت — حياةً حقيقية، قادرة على أن تملأ عينيّ بالدموع حتى الآن.
هل كان لصديقي «جمال»، ابن ناظر المعهد الديني، أثرٌ في ذلك؟ مكتبة أبيه، الشيخ محمود، كانت تمتلئ بالكتب ذات الحواف الصفراء، المجلّدة بعناية في مجلداتٍ بنية أنيقة. قرأتُ فيها بعضًا من «المستطرف من كل فن مستظرف»، ووريقاتٍ قليلة من «إحياء علوم الدين» لأبي حامد الغزالي، ورأيت لأول مرة «مختار الصحاح»، و«لسان العرب»، و«البداية والنهاية»، تتيه خلف زجاج المكتبة المغلقة بقفلٍ صغير، لا توجد نسخة أخرى من مفتاحه، يحتفظ به حضرة الناظر ككنزٍ مخفي.
هل لذلك علاقة بالشعر؟
هل كانت أغاني تلك البنات اللواتي يغسلن الأواني والملابس على الترعة المجاورة لبيت المهاجرين؟كلّ ما أتذكّره الآن أنني، أثناء حرب أكتوبر، كتبت كلماتٍ وأرسلتها إلى صحيفة «الأخبار»، وفوجئت بنشرها بعد أيام في باب «أبو نظارة» للصحفي نبيل عصمت.
هل لذلك علاقة بالشعر؟
رابط المقال المختصر:






