إبداع

رواية علي محمد علي الراعي (10)

جلس مع عبدون، ولأول مرة لم تكن الجلسة بين سيد وراعي، بل بين رجلين، كلٌ منهما يقف في مكانه، دون أن ينحني، ودون أن يتقدّم أكثر مما ينبغي

مشاركة:
حجم الخط:

حصريًا لموقع “آخر الكلام”

” هو و عمر”

بعد شهور، جاء عمر، خليفة لأبيه، لا ليحزن، بل ليرى ما تركه الأب خلفه، ليطمئن على الملك، ويقيس ما فيه من نقص أو خلل.

كان حضوره مختلفًا منذ اللحظة الأولى، لم يحمل صمت أبيه الثقيل، ولا نظرته التي تزن كل شيء قبل أن تراه، بل دخل كمن يعرف أنه سيبقى، لا كمن يراقب فقط.

الجلسة الأولى 

جلس مع عبدون، ولأول مرة لم تكن الجلسة بين سيد وراعي، بل بين رجلين، كلٌ منهما يقف في مكانه، دون أن ينحني، ودون أن يتقدّم أكثر مما ينبغي.

كان الفرق واضحًا، ليس في الكلمات، بل في النبرة، في الطريقة التي تُقال بها الأشياء، وفي المسافة التي تُترك بينها.

عمر والنساء 

أدرك عبدون ذلك منذ اللحظة الأولى، فلم ينتظر، بادر بالسؤال، كأنه يختبر ما أمامه لا ما سمعه من قبل: ما رأيك يا سيد عمر في النساء؟

نظر إليه عمر دون تردد، وقال ببساطة لا تحمل حذرًا: هن ألطف خلق الله، ولولاهم ما وُجدت أنا… ولا أنت.
توقفت عين عبدون عنده لحظة، ثم قال: غريبة.

ابتسم عمر ابتسامة خفيفة، وسأله: وما الغريب في ذلك؟

قال عبدون بهدوء: كان لأبيك رأي آخر.

صورة تعبيرية من وحي الرواية
صورة تعبيرية من وحي الرواية

عقدة أبو الفضل من النساء 

هزّ عمر رأسه قليلًا، كمن يعرف الطريق الذي سيُفتح الآن، وقال: معلوم… هذا حديث قديم، لكنه لم يكن رأيًا، كان جرحًا لم يلتئم.

صمت لحظة، ثم أكمل: بعد وفاة أمي، تزوج أبي من فتاة تصغره بسنين، أكرمها، أعطاها أكثر مما كانت تحلم به، فتح لها بيته كما لم يفتحه لأحد… ثم خانته.

رأى الخائنة والخادم 

رفع عينيه قليلًا، كأنه يرى المشهد أمامه، ثم قال بصوت أخفض: لم يسمع… بل رأى، بعينيه.

سكت لحظة، ثم أضاف: كانت مع الخادم.

لم يتحرك عبدون، لم يُبدِ دهشة، كأن الحكاية لا تخصه، أو كأنه يحاول أن يضعها في مكانها داخل ما يعرفه بالفعل، ثم سأل: وماذا فعل؟

أجاب عمر دون أن يغيّر نبرته: لم يتكلم… لم يسأل… أخرج مسدسه، وقتلهما.

محا النساء من الحياة 

عاد الصمت، أثقل من قبل، ليس صمت دهشة، بل صمت فهمٍ يتكوّن.

ثم قال عمر: من بعدها، لم يحرّم النساء على نفسه فقط… بل محا وجودهن من حياته كلها.

ظلّ عبدون ساكنًا، عينه ثابتة، لكنه لم يكن كما كان قبل الجملة الأخيرة، كأن شيئًا ما تحرّك في داخله، فكرة لم تكتمل، أو سؤال لم يُسمح له أن يُطرح من قبل.

لقاءات لم تكن عابرة 

توالت اللقاءات بينه وبين عمر، لم تكن كثيرة، لكنها لم تكن عابرة، كأن كل لقاء يُضاف إلى ما قبله دون أن يُلغيه، حتى صار بينهما شيء لا يُسمّى بسهولة، لا صداقة، ولا تبعية، بل مساحة مفتوحة بين عالمين مختلفين.

كان عمر منفتحًا، حديثه لا يحمل ذلك الثقل الذي اعتاده عبدون، كأن الكلمات عنده لا تُوزن قبل أن تُقال، بل تُقال لتُفهم، لا لتُفرض,

رواية علي محمد علي الراعي (8)

رواية علي محمد علي الراعي (7)

عالم جديد يفتحه عمر 

تحدّث عن أشياء لم تكن موجودة في عالم عبدون، عن مدن بعيدة، عن ناس يعيشون بلا خوف دائم، عن حياة لا تقوم على الطاعة وحدها.
لم يكن عبدون يرد كثيرًا، كان يستمع، لا اقتناعًا، بل اختبارًا، كأنه يزن كل كلمة بما يعرفه، لا بما يسمعه، يتركها تمر، ثم تعود إليه لاحقًا، في وقت لا يتوقعه.

علاقة صداقة تعاطف أم ماذا؟

شيئًا فشيئًا، بدأت تتكوّن بينهما علاقة مختلفة، فيها قدر من التعاطف لم يطلبه أحد، ولم يُعلن عنه، عمر يحاول أن يفتح نافذة، وعبدون لا يغلقها… لكنه لا يمر منها أيضًا.

حاول عمر، بهدوء لا يخلو من إصرار، أن يصحّح بعض ما ترسّخ في ذهن عبدون، لم يهاجم ما زرعه أبوه، بل وضع بجانبه شيئًا آخر، فكرة تقابل فكرة، معنى يزاحم معنى، دون أن يفرض نفسه.

صعوبة ما تركه أبو الفضل في نفس عبدون

لكن عبدون لم يكن صفحة بيضاء، ما بداخله لم يُزرع بسهولة ليُقتلع بسهولة، كان يسمع، ثم يصمت، كأن الصمت عنده ليس رفضًا… ولا قبولًا، بل طريقة أخرى للتفكير.

وفي بعض اللحظات، حين يطول الحديث، كانت عيناه تثبتان على عمر، لا بعداء، ولا بثقة، بل بشيء أقرب إلى الحذر، كأن السؤال الحقيقي لم يكن فيما يُقال، بل فيمن يقوله… ولماذا الآن؟ ومع ذلك، لم يتوقف اللقاء.

الحكاية في مطبخ القصر 

ربما لم يكن دافع عمر نقيًا كما بدا، كان فيه شيء من التكفير عن الذنب، إحساس ثقيل لا يُقال بسهولة، تسلل إليه بعد أن سمع الحكاية كاملة من عبد الصمد(الطباخ)، لا كما تُروى للسادة، بل كما تُحكى في المطبخ، بين نار هادئة ووجوه اعتادت الصمت، عرف البداية، وعرف كيف انتهت، وعرف أن ما يقف أمامه الآن لم يُولد هكذا، بل صُنع… بعناية.

القطيع والراعي 

أما عبدون، فلم يكن ينتظر تصحيحًا، ولا خلاصًا، لكنه كان يسمع، ويتحاور، بدافع قديم ظنّ أنه تخلّص منه، رغبة في الفهم، رغبة لم تُقتل، فقط دُفنت، وها هي تعود، لا كحاجة، بل كإزعاج مُلح.

في أحد اللقاءات، جلسا قرب الحظيرة، القطيع هادئ، لا يتحرك إلا بإشارة خفية، قال عمر وهو ينظر إلى الامتداد: هل تعرف أن القطيع ده ممكن يمشي في اتجاه تاني خالص… لو حد غيرك وقف مكانك؟

لم يلتفت عبدون، قال بهدوء: ممكن… بس مش هيعمل كده، سأل عمر: ليه؟ قال: لأنه اتعلّم يمشي ورا اللي يشوفه… مش ورا اللي يسمعه.

سكت عمر لحظة، ثم قال: طب وإنت… اتعلّمت تمشي ورا إيه؟

لم يجب عبدون، لكنه لم ينهِ الحديث، فقط نقل نظره إلى القطيع، كأن السؤال لم يُرفض… بل تأجّل.

وتستمر الرواية ومعها أحداث جديدة مذهلة 

شارك المقال: