مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

حسن مدبولي يكتب: حسن فتحي والعوضي حين يُستنكَر الاجتهاد

كما دعا فتحي إلى عمارة منسجمة مع البيئة، دعا العوضى إلى أنماط غذاء وعلاج أقرب للطبيعة والتراث وأقل اعتمادًا على مفردات التصنيع المفرط، ومن بينها الأدوية.

مشاركة:
حجم الخط:

المهندس حسن فتحي والمشروع الفكري للبناء 

لم يكن المهندس حسن فتحي مجرد معماري يبحث عن تميّز بصري، بل كان صاحب مشروع فكري يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وبيئته.

فاختياره للطين والطوب اللبِن، واعتماده على نماذج القباب والأقبية، لم يكن حنينًا إلى الماضي بقدر ما كان اعتراضًا عمليًا على نموذج عمراني مستورد يفصل البناء عن المناخ والثقافة والاقتصاد المحلي.

في زمن اندفعت فيه دول ما بعد الاستعمار نحو تقليد العمارة الغربية، فتحوّلت المدن إلى واجهات خرسانية وزجاجية تعلن “الحداثة السطحية الكاذبة ” حتى لو جاءت على حساب ملاءمة العيش نفسها.

المهندس البناء حسن فتحي صاحب مشروع البناء من البيئة
المهندس البناء حسن فتحي صاحب مشروع البناء من البيئة

عمق الفكرة في البناء 

طرح فتحي فكرة بسيطة في ظاهرها، جذرية في جوهرها: البيت ليس منتجًا صناعيًا جاهزًا، بل كيانا يتشكل من البيئة التي ينتمي إليها.

و بهذا المعنى، كان مشروعه نقدًا لنموذج اقتصادي كامل، لا مجرد خيار تقني.

فرؤيته للمادة المستخدمة في البناء ليست محايدة؛ فهو يعتقد أن اختيار الخرسانة بدلا من الطين والمواد المستخرجة من البيئة المحلية,

يعني الانحياز لمنظومة إنتاج كثيفة الطاقة، مركزية، ومكلفة، ترسخ التبعية ، بينما يعيد الطين والطوب اللبن الاعتبار للمعرفة المحلية ويقلّص الإرتباط بالمصالح الخارجية ويحقق نموذجا فريدا مستقلا صحيا بل وممتعا.

مقاومة وانتقاد كبير للفكرة 

لكن هذا الطرح لم يمر بلا مقاومة فوُجّهت إلى فتحي انتقادات متعددة منها التشكيك في متانة البناء بالطين، والاعتراض على الطابع “الريفي” للقباب، والاتهام بالغرور والنزعة الأبوية والادعاء بأنه يعرف ما يناسب الناس أكثر منهم .

وهي اعتراضات تتضمن جانبًا واقعيًا، لكن كارثيتها انهاتحولت إلى أحكام نهائية أغلقت باب النقاش بدلا من احتوائه و تطويره.
وقد تجلّى كل ذلك بوضوح في تجربة قرية القرنة الجديدة، التي أرادها فتحي نموذجًا قابلًا للتعميم.

فواجهت عقبات كؤود جعلها لا تستكمل مسارها وتعثّرت اجتماعيًا وإداريًا, وحدثت فجوة بين التصميم واحتياجات السكان، و ضعف المشاركة السكانية فى عمليات البناء ،حيث استُخدمت كل هذه التعثرات لإدانة الفكرة كلها. 

حسن مدبولي يكتب: بين غزة وطهران

حسن مدبولي يكتب: نداء للوحدة والمواجهة فى فلسطين

بينما الواقع أن المشكلة كانت أعمق من اختيار مادة البناء:

حيث ثبت إنها أزمة علاقة بين الدولة والمجتمع والنخب التابعة والمستفيدة من عدم تطوير الواقع، لفرض حلول مرتبطة بمصالح هيئات وكيانات ضخمة، بدلا من الاعتماد على تصورات تتضمن نزعة تكرس الاستقلالية،
العجيب أن هذه المعركة لم تنتهِ.

تجربة العوضي تجدد الأزمة 

فها هي تتكرر اليوم في مجالات أخرى، منها الجدل حول مشروع “الطيبات” المرتبط باسم الدكتور ضياء العوضي.

الذى يدور حول خيارات الصحة والغذاء، ويُطرح السؤال ذاته: هل يمكن أن تكون بعض الحلول في ما نملكه بالفعل، لا فيما نستورده؟

البيئة تعود من جديد في الفكرة 

كما دعا فتحي إلى عمارة منسجمة مع البيئة، دعا العوضى إلى أنماط غذاء وعلاج أقرب للطبيعة والتراث وأقل اعتمادًا على مفردات التصنيع المفرط، ومن بينها الأدوية.

اللافت أن بنية الاعتراض تتكرر: اتهامات بالرومانسية، والغرور و الرجعية، وبالتبسيط.

على الرغم من وجود نقد جاد لا يمكن تجاهله، يتعلق بقدرة هذه النماذج على التوسع ومواجهة تعقيدات العصر. لكن كل تلك الحملات تبنت مفهوم الرفض المسبق الذي يحوّل الأسئلة المنطقية وغير المنطقيةإلى أحكام، ويغلق المجال أمام التجريب.

التصدي لفكرة الإنسان والبيئة 

أن المقارنة بين فتحي والعوضي كشفت نمطًا مصريا سلبيا متكررًا يتمثل فى التصدى لأي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان وبيئته، ويواجَه أى تجربة جديدة بحذر،وأحيانًا كثيرة بعداء.

خاصة اذا كانت التجربة المطروحة تمس توازنًا قائمًا بين الدولة والسوق والمعرفة,

تمتلك جرأة على طرح سؤال مختلف يدور حول امكانية بناء أنماط عيش أكثر انسجامًا مع البيئة، وأقل كلفة، وأخف تبعية؟

شارك المقال: