ماذا يحدث في أكاديمية الفنون ؟
ليس هذا مجرد خلاف إداري عابر، بل هو "زلزال" يضرب قدسية القواعد الأكاديمية في أعرق منارة فنية بالشرق الأوسط.

صورة تعبيرية للمقال
قلعة الإبداع في مهب الريح
بينما كانت جدران أكاديمية الفنون تضج بصوت الإبداع وتراتيل الجمال، باتت اليوم ترتجف تحت وطأة قرارات تهز أركانها.
ليس هذا مجرد خلاف إداري عابر، بل هو “زلزال” يضرب قدسية القواعد الأكاديمية في أعرق منارة فنية بالشرق الأوسط.
وبصفتي ابناً لهذا الكيان العريق، نشأت بين أروقته وعاصرت قامات ثقافية وفنية لم ولن يجود الزمان بمثلها، أشعر اليوم بغصة وشجن مرير وأنا أرى “بيت الخبرة” الذي علمنا الانضباط والترفع، يتحول إلى ساحة للمساومات والصدامات التي تنال من هيبته وتاريخه التليد.
هل تبيع طهران “طموحها النووي” مقابل 20 مليار دولار؟
هرمز 2026 طوفان النار ومحرقة ثروات الكبار
جراح في قلب “معهد السينما”:
تنفجر الأزمة الحالية من قلب “قسم التصوير” بمعهد السينما، ذلك المعمل الذي خرج عباقرة الصورة في العالم العربي. إن رفض مجلس القسم تنفيذ قرار “قيد استثنائي” لطالب في منتصف العام الدراسي ليس “تمرداً”، بل هو “استماتة” للحفاظ على ما تبقى من نزاهة تعليمية.
لقد وضعنا أساتذتنا الكبار أمام دستور لا يقبل التأويل: المادة (42) من لائحة المعهد، التي تقرر أن القبول يكون قبل بداية العام وبشروط معلنة للجميع.
إن محاولةالالتفاف على هذه النصوص لخلق مسارات “خاصة” لنجل أحد القيادات، هي طعنة في مبدأ تكافؤ الفرص الذي تربينا عليه في هذا المحراب.
سابقة التحقيق الجماعي:
تغليب السلطوية على الحوار الأكاديمي في مشهد يثير الأسى، وبدلاً من احتواء الأزمة بالحكمة الأكاديمية المعهودة، لجأت رئاسة الأكاديمية إلى إجراء صادم بتحويل مجلس قسم ومجلس معهد بكامل هيئتهما إلى التحقيق. هذا التوجه نحو “تكميم الأفواه الأكاديمية” واستخدام لغة التهديد القانوني في مواجهة الرأي الفني، يمثل سابقة خطيرة لم نعهدها من قبل.
إنها محاولة لفرض “السمع والطاعة” داخل مؤسسة قامت أساساً على حرية الفكر وجرأة الرأي، مما ينذر بتفريغ العمل الجامعي من قيمته ورسالته السامية.

سراب “اللقطات الإعلامية”: ضجيج التكريم في زمن الانكسار
بينما يعيش “أبناء البيت” حالة من القلق والوجع على مستقبل مؤسستهم، يبرز مشهد موازي يثير التساؤلات؛ حيث تنشغل رئاسة الأكاديمية بالترويج لتكريمات من جهات تفتقر للثقل والرزانة، وتدبيج مقالات تسرد بطولات أكاديمية ومناصب سابقة لا يحتاجها من يجلس على قمة هذا الهرم.
إن السعي خلف “البروباغاندا” الشخصية وشهادات التقدير الهزيلة في توقيت يشتعل فيه الكيان بالأزمات، يعكس انفصالاً عن الواقع المرير.
فالكرسي الذي جلس عليه يوماً عمالقة لا يحتاج إلى “تلميع” خارجي، بل يحتاج إلى”إنجاز” يحمي حقوق الطلاب ويصون كرامة الأساتذة.
تاريخ الأكاديمية: مدرسة “القدوة” لا مدرسة “الاستثناء”
تأسست أكاديمية الفنونفي عام 1957 (بموجب القانون رقم 78 لسنة 1969 لاحقاً بتنظيمها الحالي) لتكون أول أكاديمية متخصصة في الفنون بالوطن العربي. وضع لبناتها الأوائل عمالقة مثل ثروت عكاشة، وتخرج منها رموز شكلوا وجدان الأمة (من المخرجين العظام، المصورين، الممثلين، والموسيقيين).
لتكون الحارس الأمين على هوية مصر الثقافية، من هنا مرّ ثروت عكاشة برؤيته العصرية، وهنا علمنا صلاح أبو سيف ويوسف شاهين أن السينما هي “علم وانضباط” قبل أن تكون فناً.
جودة التعليم:
كانت قوتنا تكمن في أن “القانون يسري على الجميع”، وأن الاختبارات هي الفيصل الوحيد.
• رموزنا: هؤلاء الذين جعلوا للأكاديمية اسماً يهتز له العالم العربي، لم يصلوا بمحسوبية أو استثناء، بل بجهد وعرق وتحت مظلة لوائح صارمة طبقت على الكبير قبل الصغير.
الخاتمة: نداء لإنقاذ “الهوية” من التآكل
إن الشجن الذي يتملكنا اليوم كخريجين وأبناء لهذا البيت، ينبع من خوفنا على ضياع “القدوة”.
الأكاديمية ليست مجرد مبانٍ، بل هي “تقاليد”.
وإذا ما سقطت التقاليد لصالح الاستثناءات، فقدنا الروح التي تميزنا.
إننا نناشد كل غيور على ثقافة هذا الوطن بالتدخل لوقف هذا التدهور الإداري، وإعادة الاعتبار للمجالس الأكاديمية التي تُحاكم اليوم لأنها “رفضت الخطأ”.
إن تاريخ الأكاديمية أمانة في أعناقنا جميعاً، ولن نسمح بأن تتحول منارة التنوير إلى ساحة لتصفية الحسابات أو فرض سياسة “الأمر الواقع” على حساب القانون.





