آراء و تحليلات
السفير معصوم مرزوق
السفير معصوم مرزوق

دبلوماسي وسفير سابق

معصوم مرزوق يكتب: أين روسيا في معمعة ترامب؟

لكي نفهم أو نقترب من فهم الموقف الروسي الحالي واحتمالاته ، فربما يجدر أن نحفر بعض الشئ في تاريخ علاقة روسيا مع الشرق الأوسط ، ودون أن تأخذنا الرحلة بعيداً ، فسوف أكتفي في الحلقة الحالية بإستعراض للتطور المعاصر علي حافة إنهيار الإتحاد السوفييتي إلي التاريخ الحالي .

مشاركة:
حجم الخط:

1. الدب يترنح !

رغم تعدد التحليلات السياسية حول المواجهات الأخيرة بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل ، فمن الملاحظ ندرة / أو انعدام آي بحث جاد يتناول موقف روسيا من هذه التطورات التي لا تبتعد عن حدودها كثيراً .

ومن جانب آخر ، فأن هناك إحساس عام في بيئة الشرق الأوسط العامة ، بأن روسيا – كعادتها الموروثة منذ زمن الإتحاد السوفييتي – تتاجر بقضايا الشرق الأوسط في سوق التبادل الدولي بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، ولذا فهي تسلم إيران ، كما سبق وسلمت العراق، كبضاعة تتلقي ثمنها في أوكرانيا ، وبحر قزوين .

لكي نفهم أو نقترب من فهم الموقف الروسي الحالي واحتمالاته ، فربما يجدر أن نحفر بعض الشئ في تاريخ علاقة روسيا مع الشرق الأوسط ، ودون أن تأخذنا الرحلة بعيداً ، فسوف أكتفي في الحلقة الحالية بإستعراض للتطور المعاصر علي حافة إنهيار الإتحاد السوفييتي إلي التاريخ الحالي .

قدرات الاتحاد السوفيتي في الثمانينيات 

تحدثنا بعض الوثائق السرية التي تم الكشف عنها ، المدي الذي وصلت إليه تقديرات الولايات المتحدة الأمريكية لقدرات ونفوذ الإتحاد السوفييتي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

فعلي سبيل المثال كان تقييم وزارة الدفاع الأمريكية ( وزارة الحرب حالياً في عهد ترامب ) حول مدي نفوذ السوفييت في الشرق الأوسط والعالم الثالث بوجه عام ، يشير ( في تقرير سري عام ١٩٨٤ / نشر ضمن الوثائق المفرج عنها وفقاً للقانون الأمريكي ) إلي بروز الهيمنة السوفييتية نتيجة لتطور قدرتهم العسكرية إلي درجة تتيح للسوفيت تنفيذ عمليات عسكرية علي مسرح العالم كله ويذهب التقرير إلي أنه ” منذ غزو أفغانستان قبل أربعة أعوام ، أنشأ الإتحاد السوفييتي قواعد عسكرية تقترب بشكل خطير من حقول البترول في منطقة الخليج الفارسي / العربي ، وواصل إمداد السلاح إلي سوريا وليبيا وكوبا ونيكاراجوا .

وقد زاد عدد المستشارين العسكريين السوفييت في سوريا من ألفي فرد إلي سبعة آلاف ( بالطبع كان هذا عام ١٩٨٤ ، وقد زادت الأعداد أضعافاً فيما بعد ) “.

وفي نفس عام كتابة التقرير السابق ، سحبت كل من أمريكا وفرنسا وإيطاليا قواتها من لبنان بعد أن قصفتهم قوات حزب الله بدعم من سوريا وإيران .

معصوم مرزوق يكتب: دخول أمريكا إلي العالم!

معصوم مرزوق يكتب: هدنة قلقة مقلقة

اقصاء السوفيت من مصر وتوطيد علاقتهم بسوريا 

ومن الثابت أنه بعد أن تم إقصاء السوفييت من مصر ، قاموا بتوطيد علاقاتهم مع حافظ الأسد، وأرسلوا السلاح إلي العراق خلال حربه مع إيران ( التي تعد آنذاك حليفة لسوريا !! ) 

بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من توتر في العلاقات عبر الأطلنطي مع حلفائها ، فقد هددت بتوقيع عقوبات بسبب مشروع أنابيب الغاز السوفييتي الذي يتم تنفيذه بقروض ميسرة من البنوك الأوروبية ( وهو المشروع الذي اعتبرته في مقال لي بعد غزو روسيا لأوكرانيا ، أحد أسباب الموقف الأمريكي المتشدد من روسيا ) 

ورغم هذه التقديرات التي توسعت في استعراض مدي تزايد القدرات السوفييتية وهيمنتها علي بعض الأوضاع العالمية في الشرق الأوسط وإفريقيا.
فقد تبين فيما بعد أن تلك التقديرات قد أسرفت في المبالغة ، خاصة عندما بدأ الإتحاد السوفييتي في لملمة إنتشاره الجيوبوليتيكي ، حيث انسحب من أفغانستان ، وخفّض إلي حد كبير معوناته إلي أصدقائه في الشرق الأوسط، إلي أن تمزق أخيراً النسيج الوهمي عندما بدأ جورباتشوف سياساته في ” البيروسترويكا / إعادة البناء  ” الجلاسنوست / الشفافية ” وانهار الإتحاد السوفييتي ومعه الكتلة الشرقية بالكامل، وكأنها لم تكن .

2. الدب يتقدم !

عندما وصل فلاديمير بوتين إلي الحكم في موسكو ، وبدأ بتطبيق سياسات تتبني فكرة ” إستعادة الوزن الروسي في معادلات القوي الدولية ” 

كان الشرق الأوسط أحد أهم تجلياتها، فقد زاد التدخل الروسي في سوريا بشكل غير مسبوق حتي في زمن الإتحاد السوفييتي ، وتحركت موسكو لإعادة بناء علاقات السوفييت القديمة في المنطقة ، وخاصة مع الدول الوازنة مثل مصر وإيران وتركيا وإسرائيل ، بل ومع السعودية ، من خلال مد الروابط العسكرية والإقتصادية، ولم تعد ” الإيديولوجية ” تمثل عائقاً في حركتها ، بل أصبح المعيار الحاكم هو ” المصلحة الروسية ” ، وقد انعكس ذلك في تنوع تلك العلاقات حتي بين أطراف متخاصمة في الشرق الأوسط ، ففي نفس الوقت كانت روسيا تجري إتصالات مع إيران وإسرائيل ، ومع تركيا والأكراد.

علاقات مع دول المنطقة 

وفي ليبيا ( بعد القذافي ) ، حافظت علي شعرة معاوية في العلاقة مع كل من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس ، وحكومة الجنرال خليفة حفتر في بنغازي ، ولم تتأثر علاقاتها مع الجزائر حين بدأت في توطيد العلاقات مع المغرب .

ووصل الأمر في أواخر التسعينات من القرن الماضي إلي أن يدعو وزير خارجية روسيا إفجيني بريماكوف إلي التحالف مع العراق وإيران لمواجهة التحركات الإنفرادية من الولايات المتحدة الأمريكية علي المستوي الدولي.

ليس هذا فحسب ، وإنما تحركت روسيا إلي أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية ( تركيا ) ، كي تتفق معه علي إنشاء أول خط أنابيب للغاز عبر البحرالأسود .

وخلال نفس الفترة توطدت العلاقات مع إسرائيل من خلال اليهود الروس الذين هاجروا إلي إسرائيل ، وهكذا كانت زيارة الرئيس بوتين عام 2005 أول زيارة رسمية يقوم بها زعيم روسي إلي إسرائيل ، ليس هذا فحسب ، بل بدأت روسيا من خلال قنوات خلفية دبلوماسية ومخابراتية الإتصال بدول الخليج العربي ، لتقليل الدعم الذي كان يحصل عليه ثوار الشيشان من هناك.

بوتين في السعودية 

قد كانت زيارة بوتين أيضاً إلي السعودية في فبراير 2007 ، أول زيارة رسمية لزعيم روسي إلي تلك الدولة ، وقد ترتب علي ذلك أيضاً قبول إنضمام روسيا لمنظمة المؤتمر الإسلامي ( التعاون الإسلامي فيما بعد ) كمراقب ، علي أعتبار أن روسيا لها وجه ثقافي إسلامي أيضاً .

وفي عام 2005 كذلك ، وافقت روسيا علي إعفاء سوريا من ما يزيد علي ٧٠٪ من ديونها التي ناهزت ١٠ مليار دولار ، في مقابل عقود شراء أسلحة جديدة ، والحصول علي مزيد من التسهيلات في ميناء طرطوس .

انتقاد الولايات المتحدة 

وبعد شهر العسل مع الولايات المتحدة الأمريكية خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والتعاون مع ما أطلق عليه ” الحرب ضد الإرهاب ” ، فأن بوتين بدأ ينتقد بشدة جنوح أمريكا إلي الإنفرادية ، واعترض علي غزو العراق عام 2003 ، بإعتباره تهديداً خطيراً للإستقرارفي الشرق الأوسط.

في كلمته الشهيرة أمام مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 ، قال بوتين : ” دعونا ننظر إلي الأمور كما هي .. يد تمتد بالصدقة والإحسان ، واليد الأخرى لا تكتفي بالحفاظ علي التخلف ، بل أنها أيضاً تحصد الأرباح لنفسها في نفس الوقت . أن تزايد التوتر الاجتماعي في المناطق الفقيرة يؤدي بلا شك إلي زيادة التطرف ، ويغذي الإرهاب والصراعات المحلية .

وإذا كان ذلك يحدث في منطقة مثل الشرق الأوسط حيث يتزايد الشعور هناك بأن العالم علي اتساعه غير عادل ، فإن مخاطر عدم الاستقرار العالمي تتزايد “.

الدبلوماسية الواقعية 

إلا أن ذلك لم يمنع روسيا من ممارسة “الدبلوماسية الواقعية ” ضمن حسابات المكسب والخسارة في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية ، فعلي سبيل المثال قامت روسيا في يونيو 2010 بدعم القرار رقم 1929 بتوقيع العقوبات علي إيران بسبب برنامجها النووي ، كما أنها جمدت تسليم صفقة الصواريخ المضادة للطائرات إس 300

وفي فترة الرئيس أوباما ، تعاون الرئيس الروسي آنذاك “ميدفيدف” مع الإدارة الأمريكية ، ومؤخراً كانت روسيا أحد الموقعين علي خطة العمل الشاملة المشتركة Joint Cooperation Plan of Action(JCPOA ) التي نتجت عن التفاوض بين إيران وبين الغرب بشأن برنامجها النووي .

وعند شروق الربيع العربي في شتاء 2011، اعتبرته موسكو إمتداداً لسياسات حقبة بوش فيما يتعلق بتغيير أنظمة الحكم ( كما حدث في العراق ) ، وقد كان من اللافت في مارس 2011 إنتقاد رئيس الوزراء فلاديمير بوتين ، لرئيس الدولة ميدفيدف ، بسبب عدم معارضته لقرار مجلس الأمن للتدخل الفرنسي والبريطاني ، والمدعوم أمريكياً في ليبيا ، حيث اعتبره بوتين في مؤتمر للعمال في أحد المصانع الحربية ” قراراً معيباً ، ويمثل دعوة من القرون الوسطي للحرب الصليبية ” .

في المقال القادم نتناول تطورات الدور الروسي علي المسرح السوري ، وعلاقاته المتشابكة مع إيران وما أطلق عليه محور المقاومة 

شارك المقال: