قراءة بريطانية للحرب على إيران
الحروب، كما يشير، تُقاس في نهاياتها بقدرتها على تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية ملموسة، وهو ما لم يتحقق هنا، حيث انتهت الجولة الأولى من الصراع دون إنجاز استراتيجي واضح يبرر الكلفة البشرية والمادية الضخمة.

صورة لترامب في أحد المؤتمرات الصحفية
قراءة سير لورانس فريدمان
أشهر الخبراء العسكريين البريطانيين للحرب على إيران
تبدو مفاوضات إسلام أباد لحظة كاشفة أكثر منها محطة تفاوضية عادية، إذ يرى أن فشلها لا يعكس مجرد تعثر تقني في مسار دبلوماسي، بل يكشف عن فجوة عميقة بين حجم التكاليف التي تكبدتها الولايات المتحدة وإسرائيل وبين محدودية العائد السياسي المحقق.
حدود القوة العسكرية في تغيير الأنظمة
فالحروب، كما يشير، تُقاس في نهاياتها بقدرتها على تحويل القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية ملموسة، وهو ما لم يتحقق هنا، حيث انتهت الجولة الأولى من الصراع دون إنجاز استراتيجي واضح يبرر الكلفة البشرية والمادية الضخمة.
ويذهب فريدمان إلى أن بقاء النظام الإيراني في السلطة، رغم ما تعرض له من ضربات عسكرية قاسية، يمثل دليلاً صارخاً على حدود القوة العسكرية في تحقيق أهداف تغيير الأنظمة.
إضعاف الدولة لا يعني إسقاطها
فالتاريخ الحديث، من العراق إلى أفغانستان، يؤكد أن إضعاف الدولة لا يعني بالضرورة إسقاطها، بل قد يؤدي أحياناً إلى تعزيز تماسكها الداخلي في مواجهة التهديد الخارجي.
وفي الحالة الإيرانية، بدا النظام قادراً على امتصاص الصدمة، والحفاظ على أدواته الأساسية في السيطرة، بما يعكس فشلاً في تقدير طبيعة الدولة المستهدفة وقدرتها على التكيف.
هندسة الولاءات: كيف يوظّف الجيش الإسرائيلي الأقليات بين حلف الدم وفرّق تسد؟
ترامب يدرس ضربات عسكرية محدودة ضد إيران والسيطرة على مضيق هرمز
لا تزال القضية النووية بلا حل
كما يبرز التحليل أن القضية النووية، التي شكلت المبرر المركزي للحرب، ظلت دون حل، وهو ما يكشف خللاً جوهرياً في تصميم الاستراتيجية الأمريكية.
فالحرب، التي كان يُفترض أن تفرض شروطاً جديدة على طهران، انتهت إلى إعادة إنتاج نقطة البداية تقريباً، مع تعقيد المشهد أكثر من ذي قبل.
الإنجاز العسكري قد يتحول إلى عبء
وهنا تتجلى المفارقة: استخدام القوة العسكرية دون تصور سياسي واضح لما بعد الضربة يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يتحول الإنجاز العسكري إلى عبء تفاوضي بدلاً من أن يكون ورقة ضغط.
ويولي فريدمان أهمية خاصة لمضيق هرمز باعتباره مركز الثقل الحقيقي في الصراع، حيث استطاعت إيران الاحتفاظ بسيطرتها الفعلية على هذا الشريان الحيوي، مانحة نفسها أداة تأثير استراتيجية تتجاوز ميدان المعركة المباشر.
المضيق أداة سياسية تعيد تشكيل القوة
فالمضيق لم يكن مجرد ساحة جغرافية، بل أداة سياسية واقتصادية أعادت تشكيل موازين القوة، وأظهرت أن السيطرة على نقاط الاختناق العالمية يمكن أن تعوض جزئياً عن التفوق العسكري للخصم.
ومن زاوية أوسع، يربط فريدمان بين الحرب والاضطراب الذي أصاب الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الصدمة التي تعرضت لها أسواق الطاقة والتجارة الدولية تعكس الطبيعة المترابطة للنظام العالمي المعاصر.
الحروب الإقليمية تمتد أثارها للعالم
فالحروب الإقليمية لم تعد محصورة في نطاقها الجغرافي، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأسره، ما يجعل من أي قرار عسكري مغامرة ذات تداعيات تتجاوز حسابات الربح والخسارة التقليدية.
شك الحلفاء تجاة القيادة الأمريكية
ويشير أيضاً إلى أن الحلفاء الأوروبيين ودول الخليج خرجوا من هذه الحرب في حالة من الشك العميق تجاه القيادة الأمريكية، بعد أن وجدوا أنفسهم أمام نتائج لم يشاركوا في صنعها.
فغياب التنسيق المسبق، وتحميل الحلفاء تبعات القرار، أدى إلى تآكل الثقة، وهو ما قد تكون له انعكاسات طويلة المدى على بنية التحالفات الغربية، التي تشكلت تاريخياً على أساس التشاور والالتزام المتبادل.
التقليل من شأن الخصم خطأ متكرر في الحروب
وفي تحليله لأخطاء الحرب، يعيد فريدمان التأكيد على النمط الكلاسيكي المتمثل في التقليل من شأن الخصم، وهو خطأ يتكرر في معظم الحروب التي تبدأ بثقة مفرطة.
فالتقديرات الأولية التي افترضت هشاشة النظام الإيراني لم تأخذ في الاعتبار قدرته على التكيف، ولا تعقيد البيئة الإقليمية التي يعمل فيها، ما أدى إلى فجوة بين التوقعات والواقع.
وهم الحرب القصيرة
ويرتبط بذلك وهم “الحرب القصيرة”، الذي شكل أحد الأعمدة النفسية للاستراتيجية الأمريكية، حيث ساد الاعتقاد بإمكانية تحقيق نصر سريع وحاسم.
إلا أن هذا الوهم، كما يوضح فريدمان، يتجاهل الطبيعة التراكمية للصراعات الحديثة، التي تتسم بالاستنزاف والتعقيد، ما يجعل الحسم السريع استثناءً نادراً لا قاعدة.
قرار البدء بالحرب أحادي لكن نهايته ليست كذلك
ويؤكد أن الحروب بطبيعتها أسهل في البدء منها في الإنهاء، لأن قرار البدء يمكن أن يُتخذ بإرادة أحادية، بينما يتطلب إنهاؤها توافقاً معقداً بين أطراف متعددة.
وفي غياب استراتيجية خروج واضحة، تتحول الحرب إلى حالة مفتوحة، يصعب السيطرة على مسارها أو التنبؤ بنتائجها.
التركيز على تدمير القوة العسكرية دون تحقيق هدف
وينتقد فريدمان التركيز المفرط على تدمير قدرات العدو العسكرية، دون ربط ذلك بتحقيق أهداف سياسية محددة.
فالقوة العسكرية، في غياب إطار سياسي، تصبح أداة بلا اتجاه، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم تُستخدم ضمن تصور استراتيجي متكامل.
كما يحذر من مخاطر إصدار إنذارات نهائية دون امتلاك القدرة على تنفيذها، لأن ذلك يقوض المصداقية ويضع صانع القرار أمام خيارات محدودة.
خيارات محدودة أمام ترامب
فإما التراجع، بما يحمله من كلفة سياسية، أو التصعيد، بما يحمله من مخاطر غير محسوبة.
وفي السياق نفسه، يرى أن إعلان وقف إطلاق النار دون اتفاق واضح على مضمونه يعكس ارتباكاً في إدارة الصراع، ويخلق حالة من الغموض تسمح لكل طرف بتفسير الاتفاق وفق مصالحه، ما يهدد استمراريته.
الحكم على النتائج بتحقيق الأهداف أ
ويشدد على أن الحكم النهائي على أي حرب يتم بناءً على الأهداف التي أُعلنت عند بدايتها، وليس على السرديات التي تُبنى لاحقاً لتبرير نتائجها.
فالفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية هي المعيار الحقيقي للنجاح أو الفشل.
شخصية ترامب واسلوبه
وفي قلب هذا التحليل، يضع فريدمان شخصية دونالد ترامب، معتبراً أن أسلوبه في التفكير واتخاذ القرار كان عاملاً حاسماً في مسار الحرب.
فهو، بحسب فريدمان، لا ينسجم مع النماذج التقليدية لصنع القرار العقلاني، بل يعتمد على حدس شخصي متقلب يفتقر إلى الاتساق.
أسلوب الترهيب قد يفلح مرة ولا يفلح مرات
ويصف ترامب بأنه يستخدم الترهيب كأداة رئيسية في سياسته، وهو ما قد ينجح في بعض الحالات، لكنه يفشل عندما يواجه خصوماً مستعدين لتحمل الضغوط. وفي هذه الحالة، يتحول التصعيد إلى دائرة مغلقة لا تنتج حلولاً.
كما يبرز ضعف قدرة ترامب على بناء التحالفات، نتيجة تعامله مع الحلفاء من منطلق الهيمنة لا الشراكة، ما يؤدي إلى تآكل الدعم الدولي في اللحظات الحرجة.
ترامب فرغ منظومة الأمن القومي
ويشير فريدمان إلى أن تفريغ منظومة الأمن القومي من الخبرات والكفاءات أدى إلى إضعاف عملية صنع القرار، حيث أصبحت تعتمد على دائرة ضيقة من المستشارين، بعضهم يفتقر إلى الخبرة الكافية، ما زاد من احتمالات الخطأ.
قرار الحرب تحت تأثير نتنياهو
وفي تحليل خلفيات الحرب، يؤكد أن قرارها تأثر بشكل كبير بطرح بنيامين نتنياهو، ما يعكس تأثير الحلفاء الإقليميين على القرار الأمريكي، خاصة عندما تتقاطع مصالحهم مع توجهات القيادة في واشنطن.
وفي النهاية، يخلص فريدمان إلى أن النتيجة الأوسع للحرب قد لا تكون في ميدان المعركة، بل في بنية النظام الدولي، حيث أدى الأداء الأمريكي إلى تآكل الثقة في قيادته، وفتح المجال أمام قوى أخرى للبحث عن بدائل، ما قد يشكل بداية مرحلة جديدة تتسم بتراجع الدور الأمريكي، لا بسبب نقص في القوة، بل بسبب سوء استخدامها.
عن صفحة الكاتب الصحفي بالأهرام: عزت إبراهيم





