رواية علي محمد علي الراعي (6)
وقف عبدون، لم يرفع صوته، لم يتحرّك، انتظر أن تتراجع، لم تفعل، كانت تشرب بسرعة، كما لو كانت تعرف أن الوقت قصير، شعر الصبي بشيء غريب:

غلاف رواية الراعي للكاتب علي محمد علي
حصريا آخر الكلام
في الصباح الرابع
لاحظ أن الأغنام لا تقترب من الماء دفعة واحدة كما علّمها، بل تتفرّق، كل واحدة تأتي منفردة، تشرب قليلًا، ثم تبتعد، لم يتدخّل، اعتبرها علامة فهم.
في اليوم التالي
لاحظ أن الكبش نفسه لم يعد يتقدّم مباشرة، بل يدور حول العريشة، يقترب حين يبتعد الصبي، ويتراجع حين يقترب.
ابتسم عبدون، ظنّ أن القاعدة بدأت تُثمر.
لكن في المساء، حدث ما لم يكن في الحسبان، وجد النعجة الصغيرة تشرب من الحوض قبل الوقت الذي حدّده، لم تكن وحدها، كانت محاطة بثلاث أخريات تحجبنها بأجسادهن.
وقف عبدون، لم يرفع صوته، لم يتحرّك، انتظر أن تتراجع، لم تفعل، كانت تشرب بسرعة، كما لو كانت تعرف أن الوقت قصير، شعر الصبي بشيء غريب:
أن القاعدة تُطبَّق عليه هو لا عليهم، تقدّم خطوة، تحرّكت الأغنام معًا، ليس هروبًا… إعادة تموضع، تقدّم خطوة أخرى، رفعت النعجة رأسها، نظرت إليه، ثم عادت للشرب.
في تلك اللحظة فهم عبدون لا كفكرة بل كوجع:
أن القاعدة لم تصنع طاعة، بل صنعت ذكاءً مضادًا، جلس على الأرض، تركهم يشربون.
في الليل…
لم يستطع النوم، ظلّ يفكّر: هل أخطأ في التوقيت؟ أم في التقدير؟ أم في القاعدة نفسها؟
وفي الصباح…
حدث ما هو أخطر، وجد القطيع قد سبقَه، الماء منقوص، الأثر واضح، لم يكن غاضبًا، كان مهزومًا بهدوء، قال بصوت خافت، كأنه يخاطب نفسه:
– هم فاهمين أكتر مما تصوّرت، ثم سكت.
ولأول مرة شعر أن القاعدة لم تعد تحميه، بل تكشفه، وأن من يضع نظامًا قد يكون أول من يُختبَر به، رفع رأسه نحو الصحراء، كأنّه ينتظر زيارة، أو إشارة، أو خطأ أكبر يعيد له الإحساس بالسيطرة، لكن لم يأتِ شيء، إلا القطيع، وهو يمضي في يومه كما لو أن القاعدة لم تكن سوى اقتراح.
جاء أبو الفضل بيه أبكر من المعتاد، لم يُطلق بوق السيارة هذه المرة، كأنّه أراد أن يرى قبل أن يُرى.
كان عبدون عند الحوض، ينظر إلى الماء المنقوص ولا يفعل شيئًا.
نزل السيد ببطء، وقف قليلًا يتأمّل حركة القطيع، لم يسأل، رأى الانتظار في الأجساد، والتقدّم المحسوب، والتراجع الذي لا يبدو خوفًا، قال أخيرًا، بنبرة محايدة:
– كويس… رائع.
لم يفهم عبدون الكلمة فورًا.
رفع رأسه.
– النظام باين، ثم أكمل : الدنيا حين تترك لنفسها تعم الفوضى، ولما تتشدّ زيادة تخرب، الوسط…
ـــ وأشار بيده إشارة واسعةـــ ” نعمة”.
لم يقل الصبي شيئًا، انتظر، جلس السيد على الكرسي، أخرج مفكرة صغيرة، قلّب صفحاتها دون أن يكتب:
– إنت عملت إيه؟ سأل، وكأنه يسأل عن الطقس.
تردّد عبدون، ثم قال:
– لم أمنع … سكت، نظّمت فقط.
أومأ السيد، كأنه كان يعرف الإجابة.
– أيوه، هذا بالضبط ما كنت سوف أعلمك إياه اليوم.
رفع عبدون رأسه بسرعة، لم يعترض، لكن عينيه ظلّتا معلّقتين بالكلمة: كنت.
تابع السيد:
– في ناس تفتكر الدين منع، وده غلط، الدين ترتيب، تقديم وتأخير، وقت لكل حاجة، نظر إلى الصبي نظرة ثابتة:
– وإنت فهمت ده لوحدك… بس الفهم لوحده ما يكفّيش، لازم يكون ليه أصل.
لم يسأل عبدون عن الأصل، كان يعرف الإجابة قبل أن تُقال.
قال السيد:
– الأصل هنا، وضع يده على صدره، وأنا أنقله لك، لا أريدك أن تفتكر إنك ابتكرت حاجة من فراغ.
خفض الصبي رأسه.
قال السيد وهو ينهض:
– القاعدة دي هتكمّل، بس باسمي، عشان ما تتلخبطش الأمور.
لم يفهم عبدون معنى اللخبطة، لكنّه شعر بشيء يُسحب من تحته، بلا صوت.
أشار السيد إلى المؤن الجديدة:
– دي مكافأة، مش على الفكرة… على الالتزام، اقترب من الجمل، ربّت على عنقه، ثم قال للصبي:
– تعال.
اقترب عبدون.
– شوف، الجمل لا يعرف من الذي فكّر، يعرف فقط من يمسك اللجام، هكذا الدنيا، أمسك اللجام، ثم سلّمه لعبدون للحظة قصيرة، سحبها سريعًا، كأنه يعلّم درسًا لا يحتاج شرحًا.
– خليك فاهم، قال وهو يصعد إلى السيارة: اللي بيخلّيك قوي مش الفكرة… إنما مصدرها.
تحرّكت السيارة، وتركت خلفها غبارًا خفيفًا.
وقف عبدون وحده، نظر إلى القطيع، لم ينظر إليه، شعر أن القاعدة ما زالت قائمة، لكنها لم تعد له، وللمرة الأولى فهم أن الطاعة قد تُسرق حتى قبل أن تُمارَس، ظلّ واقفًا، يمسك الهواء بيده، كمن أُعيد إليه شيء لم يكن يعرف أنه فقده.
رواية علي محمد علي: الراعي (2)

في تلك الليلة
لم يُخرج عبدون العشاء، لم يكن جائعًا تمامًا، ولا شبعانًا، كان في المنتصف، والمتوسط – كما تعلّم – فضيلة، جلس قرب البئر، نظر إلى الدلو المبلّل، ثم أبعده قليلًا عن متناول يده، قال في نفسه:
الوقت ما زال، لم يكن هناك وقت محدّد، لكن القاعدة لا تحتاج ساعة، حين عطش، قال:
– الصبر ترتيب
وحين لسعته معدته، قال:
– الحرمان تهذيب.
لم يسمع صوت السيد، ولا الشبح، ولا الله، سمع صوته هو… وهو يكفي.
في الصباح
خرج إلى القطيع متعبًا، رأسه خفيف، خطواته أبطأ، لاحظ أن الأغنام شربت قبله، وأكلت قبله، ونامت قبله، لم يغضب، شعر بشيء يشبه الرضا، كأن القاعدة صارت عادلة لأنها لم تستثنه.
حين جلس في الظل لم يجلس طويلًا، قال:
– الراحة تُفسد الانتظار، وقف حين مالت الشمس، لم يدخل العريشة، قال:
– الليل يأتي بنفسه.
جاء الليل فعلًا، لكنه جاء أثقل، تمدّد عبدون على الرمل، السماء فوقه، والبرد يزحف ببطء، ارتعش.
لم يلتف بالبطانية، قال:
– الجسد يتعوّد.
وفي لحظة لم يعرف هل نام أم لا، رأى نفسه واقفًا أمام القطيع، لا يحمل عصا، ولا كلمة، كانت الحيوانات تنظر إليه، لا بخوف، ولا بتحدٍّ، بل ببرود.
قال لهم، أو قال لنفسه:
– انتظروا.
لم ينتظروا، استيقظ مع الفجر، جسده متيبّس، فمه جاف، ذهب إلى البئر أخيرًا، شرب طويلًا، حتى عاد الماء إلى رأسه، جلس بعدها على الأرض، وابتسم ابتسامة صغيرة، باهتة، قال بصوت خافت:
– اشتغلت.
لم يعرف إن كانت القاعدة اشتغلت، أم هو الذي بدأ يختفي داخلها، وفي مكان ما بين العطش والامتثال
وُلدت عبادة جديدة، لا تحتاج شاهدًا، ولا وعدًا، ولا حتى معنى، فقط تحتاج من يطيع نفسه حتى النهاية.
في ذلك اليوم لم يحدث شيء يُذكر، ومع ذلك كان كل شيء يحدث، إذ لاحظ عبدون أن واحدًا من صغار القطيع، حملٌ لم يكتمل صوفه بعد، خرج عن انتظام الحركة التي فرضها الصبي، لم ينتظر، لم يتحايل، لم يلتف حول القاعدة كما تعلّم الآخرون، بل اندفع نحو الحوض مباشرة.
بخطوات قصيرة متعثرة، يريد أن يشرب، لا يعرف التوقيت، ولم يكن العطش يحتمل التأجيل، فتجمّد عبدون في مكانه.
شعر بالقاعدة ترتفع أمامه كجدار لا نافذة فيه، تقدّم خطوة ثم توقّف، قال في نفسه إن النظام لا يُكسر من أجل واحد، وإن الاستثناء بداية الفوضى.
لكن الجسد الصغير كان يرتعش، وكانت الأرجل النحيلة تنثني، وكان الماء قريبًا بما يكفي ليكون قاسيًا، اقترب أكثر، رفع يده كما يفعل دائمًا، غير أن الحمل سقط على ركبتيه قبل أن يكتمل المنع، لم يصدر صوتًا، فقط مال رأسه جانبًا، لحظة صمت قصيرة مرّت بين القطيع والصبي.
ثم تحرّك الجميع دفعة واحدة، لا هروبًا ولا عصيانًا، بل التفافًا بطيئًا، كأنهم يعترفون بشيء لا يعرفون اسمه، أو يطلقون صافرة إنذار له.
جلس عبدون على الأرض دون أن يقرّر الجلوس، مدّ يده إلى الماء أخيرًا وسقاه، لم يشعر بالراحة، ولم يشعر بالذنب، شعر فقط أن القاعدة انكسرت حيث لا ينبغي لها أن تنكسر، وأنها حين طُبّقت بلا تمييز صارت أثقل من أن تُحمل، وحين رفع رأسه رأى القطيع يعود إلى حركته المعتادة، لا شاكرًا ولا غاضبًا، بينما بقي هو وحده يفكّر إن كان الخطأ في الرحمة أم في النظام، ولم يجد إجابة تصلح للبقاء.
دخل السيد عند الغروب دون إعلان، كأن الصحراء هي التي بعثته لا قدماه، وكانت المؤن تسبق صوته؛ أكياس ثقيلة تُرمى قرب الخيمة، جلد ماء ممتلئ أكثر مما يلزم، سكاكين تلمع بلا سبب.
حين رآه عبدون شعر أن الاستثناء الذي ارتكبه صار مرئيًا، لا لأن أحدًا أخبر، بل لأن النظام نفسه يشي بذلك.
جلس السيد على حجر منخفض، ترك الصبي واقفًا، وسأله عن اليوم بصوت لا يسأل، فحكى عبدون ما لا يُحكى، حكى ترتيبًا مكسورًا دون أن ينطق بالكسر.
قال إن القطيع أطاع ثم عاد، وإن الحمل شرب ثم نهض، وإن القاعدة بقيت لكنها صارت أثقل.
ابتسم السيد، ابتسامة من يعرف النتيجة قبل التجربة، وقال إن القواعد لا تُصنع للضعفاء بل ليبقوا أحياء داخلها، وإن الاستثناء إن لم يُسمَّ قاعدةً جديدة صار لعنة، ثم شرع ينسج منطقه ببطء؛ قال إن الرحمة إن لم تُقنّن صارت فوضى، وإن الفوضى تُنهي القطيع، وإن القطيع إن هلك هلك الراعي معه، وإن الراعي الحقيقي لا يرى الفرد بل يرى المسار.
وحين سأل عبدون عن الحمل قال السيد إن الحمل سيقوى أو يموت، وكلاهما نافع للنظام، ثم أشار إلى المؤن وقال إن الوفرة اختبار مثل الجوع، وإن من يملك أكثر يملك حق التوجيه.
ثم نهض فجأة وطلب من الصبي أن يتدرّب على ركوب الجمال، لا الآن بل كل يوم، لأن من يعلو الظهر يرى أبعد ويأمر أهدأ، وحين سقط عبدون في أول محاولة وضحك القطيع ضحكة قصيرة لا تُسمع.
قال السيد إن السقوط علامة قبول، وإن الجمل لا يمنح ظهره إلا لمن يعرف الألم، ثم تركه يتعلّم وحده.
ومع الغبار الذي ابتلعه الصبي فهم أن القاعدة الجديدة وُلدت دون نص، وأنه صار مطالبًا بأن يطيعها قبل أن يفهمها.





