آراء و تحليلات

د. محمود عبد اللطيف يكتب: تفتيت المنطقة بالتطبيع!

محاولة لتشريح الدور الإماراتي الجديد الذي تجاوز حدود “التطبيع الرسمي” إلى “التحالف الأمني والعسكري والثقافي”، في سياق إقليمي تعاني فيه الأمة العربية من أعمق أزماتها التاريخية.

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة تحليلية في مشروع التفكيك الإسرائيلي-الإماراتي

ليس غريبًا أن تختار دولة بحجم الإمارات أن تراهن على تحالف استراتيجي مع كيان قائم على الاحتلال والعدوان.

لكن الغريب أن تفعل ذلك تحت غطاء “السلام” و”التسامح”، بينما يتحول كل منفذ من منافذها إلى نافذة لاختراق الجسد العربي.

فما يجري على أرض الواقع لا يحتمل التأويل؛ إنه مشروع ممنهج لتفتيت المنطقة، يعيد إنتاج سايكس-بيكو بصيغة معاصرة، هذه المرة بأدوات عربية-إسرائيلية مشتركة.

هذا المقال ليس مجرد رأي، بل هو محاولة لتشريح الدور الإماراتي الجديد الذي تجاوز حدود “التطبيع الرسمي” إلى “التحالف الأمني والعسكري والثقافي”، في سياق إقليمي تعاني فيه الأمة العربية من أعمق أزماتها التاريخية.

مصطفى السعيد يكتب: سيناريو “الجحيم للجميع” بعد ساعات

السلطة تتكلم.. فمتى يتكلم  المواطن؟

محمود عبد اللطيف يكتب: أما السيادة أو الفوضى

أولًا: من “اتحاد القوى” إلى “وكيل التفكيك”

عند تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، كان شعارها “اتحاد الإمارات”، وجاءت ولادتها في سياق مقاومة المشاريع التوسعية الإقليمية. لكن ما يحدث اليوم يحمل سخرية القدر:

الدولة التي قامت على مبدأ الاتحاد أصبحت رأس حربة في مشروع إقليمي يهدف إلى تفكيك ما تبقى من مقومات الوحدة العربية.

لقد تحولت أبوظبي من لاعب إقليمي يبحث عن توازنات إلى شريك في إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة تحت مظلة واشنطن وتل أبيب.

فلم تعد الإمارات مجرد موقع متقدم للقواعد الأمريكية، بل باتت قاعدة خلفية لأنشطة استخباراتية إسرائيلية واسعة، تستهدف في المقام الأول ضرب محور المقاومة، وفي الدرجة التالية تفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي للدول العربية عبر بوابة الانقسامات الطائفية.

ثانيًا: قراءة في اتفاقيات أبراهام – صفقة القرن بنسخة معدلة

عندما وُقِّعت “اتفاقيات أبراهام” في سبتمبر 2020، قُدِّمت للرأي العام العربي على أنها “سلام الشجعان” و”فتح صفحة جديدة”.

لكن الوقائع تكشف أنها كانت الغطاء الذي سمح لإسرائيل باختراق البوابة الخلفية للعالم العربي دون أن تقدم أي تنازل حقيقي للفلسطينيين.

فلم يتوقف الاستيطان، ولم يُرفع الحصار عن غزة، ولم تتراجع إسرائيل عن مخطط الضم.

بدلاً من ذلك، حصلت إسرائيل على ما كانت تحلم به:

اعتراف رسمي من أكبر دولة عربية خليجية، وفتح الأجواء والموانئ، وانتقال العلاقات من السرية إلى العلنية، وفتح المجال لتدفق الصفقات العسكرية والأمنية.

الإمارات لم تتنازل فقط عن “ثوابت” الأمة، بل حوّلت التطبيع إلى نموذج يُصدر إلى دول عربية أخرى، من البحرين إلى السودان إلى المغرب، في مسلسل منسق لتفكيك الإجماع العربي حول القضية المركزية.

ثالثًا: الجانب العسكري والأمني – حصان طروادة بعتاد إسرائيلي

الملف العسكري هو الأكثر خطورة في هذا التحالف.

فمنذ التطبيع، تدفقت الصفقات الدفاعية بين البلدين، وكُشف عن وجود مكاتب اتصال أمني مباشر.

بل وُثِّق استخدام أراضٍ إماراتية لشن عمليات استخباراتية ضد أهداف إقليمية بالتنسيق مع الموساد.

تقارير استخباراتية غربية أشارت إلى أن الإمارات أصبحت مركزًا لوجستيًا لعمليات إسرائيلية في اليمن والصومال وشرق أفريقيا.

كما أن التعاون الصناعي العسكري بلغ مستويات غير مسبوقة، حيث دخلت شركات إسرائيلية في شراكات مع مجمعات صناعية إماراتية في مجالات الطائرات المسيّرة، والدفاع السيبراني، وأنظمة الإنذار المبكر.

هذا التعاون يعني أن إسرائيل باتت تملك نفوذًا فعليًا على أنظمة دفاعية إماراتية.

وهو ما يُترجم في النهاية إلى توافق في الاستراتيجيات الأمنية ضد أي طرف يهدد المصالح المشتركة، سواء كان إيران أو المقاومة أو حتى قوى إقليمية أخرى.

رابعًا: التفكيك عبر “الاقتصاد” و”الذكاء الاصطناعي”

لا يقتصر المشروع على الجانب العسكري. فالإمارات تروّج لنموذج “السلام الاقتصادي” القائم على فكرة أن التعاون مع إسرائيل سيجلب التكنولوجيا والاستثمارات.

لكن هذا النموذج يحمل في جوهره تصورًا عن المنطقة:

دول غنية بالمال تعتمد على التكنولوجيا الإسرائيلية في الأمن السيبراني، والزراعة، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، مقابل تخلٍّ تدريجي عن أي دور سياسي مؤثر في القضايا الكبرى.

هذا النموذج يحوّل الدول العربية إلى مستهلكة للتقنيات الإسرائيلية بدلاً من أن تكون منتجة لسيادتها، ويرسخ ثقافة التبعية التكنولوجية التي تعني تبعية استراتيجية.

كما أنه يعيد إنتاج الانقسام بين دول الخليج وبقية المنطقة، حيث تُقدَّم الإمارات كنموذج “الدولة الناجحة” التي هجرت “أيديولوجيا الماضي” في محاولة لخلق قطيعة مع الجيل المؤمن بأن الصراع مع إسرائيل هو صراع وجود وليس مجرد نزاع حدودي.

خامسًا: المشروع الإماراتي في اليمن وليبيا والسودان – من التدخل إلى التفكيك

ما يحدث في اليمن ليس مجرد تدخل إقليمي في حرب أهلية، بل هو جزء من مشروع تقسيمي واضح.

الإمارات لعبت دورًا محوريًا في انفصال المجلس الانتقالي الجنوبي عن الشرعية اليمنية، وأقامت قواعد عسكرية في جزيرة سقطرى وساحل حضرموت، وأدارت الميناء والمطار في عدن وكأنها دولة احتلال.

هذا الدور تزامن مع وجود استخباراتي إسرائيلي في المناطق الخاضعة للنفوذ الإماراتي، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الوحدة اليمنية.

في ليبيا، دعمت الإمارات أطرافًا في الصراع بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية التي تريد ليبيا ضعيفة ومقسّمة بعيدًا عن أي دور مؤثر.

في السودان، كان الدور الإماراتي حاسمًا في تمرير اتفاق التطبيع مع إسرائيل عبر بوابة “التعويض الاقتصادي”، في لحظة كانت فيها البلاد تمر بمرحلة انتقالية هشة.

هذه النماذج تكشف عن خريطة واحدة: تفكيك الدول العربية الكبيرة إلى كانتونات ضعيفة، يسهل السيطرة عليها، وتتحول إلى ساحات مفتوحة للنفوذ الإسرائيلي والإماراتي المشترك.

سادسًا: القضية الفلسطينية – التصفية بالوكالة

ربما تكون القضية الفلسطينية هي الجرح الأكثر نزفًا في هذا الملف.

فالدور الإماراتي لم يقتصر على تجاوز حقوق الفلسطينيين، بل تجاوز إلى العمل على تصفية القضية عبر بوابة “التطبيع الاقتصادي” و”التعايش”.

الإمارات قدّمت نموذجًا للعالم العربي مفاده أن “السلام” مع إسرائيل ممكن دون مقابل، مما شجّع دولًا أخرى على اللحاق بالركب دون أن تقدم إسرائيل أي تنازل حقيقي.

والأخطر من ذلك، أن أبوظبي مارست ضغوطًا على السلطة الفلسطينية لوقف مساعداتها المالية الشهرية لأسر الشهداء والأسرى، في محاولة لفرض رؤيتها الخاصة “بتعديل الخطاب الفلسطيني”

كما استضافت شخصيات إسرائيلية رفيعة المستوى في منصات ثقافية وسياسية لتقديم صورة “طبيعية” عن الكيان، في جهد منهجي لتجريد القضية الفلسطينية من قدسيتها الأخلاقية والسياسية.

سابعًا: قراءة استشرافية – إلى أين تتجه المنطقة؟

السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه: هل ما يجري هو مشروع قصير المدى يرتبط بمرحلة سياسية أم أنه استراتيجية بعيدة المدى لإعادة تشكيل المنطقة؟

المؤشرات تشير إلى أن الإمارات تراهن على تحول جيوسياسي دائم، تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، هدفه إقصاء أي مشروع عربي بديل (سواء كان قوميًا أو مقاومًا)، وإحلال نظام إقليمي جديد قائم على التحالفات الطائفية والاقتصادية، بعيدًا عن لغة السيادة والوحدة.

هذا التحول، إن اكتمل، يعني أن العالم العربي سيدخل مرحلة من الانقسام الممنهج، حيث تصبح الدول مجرد كيانات إدارية تخدم مصالح التحالفات الخارجية، وتتضاءل فيها فكرة “القومية العربية” أو حتى “المصلحة العربية المشتركة”.

وفي النهاية: هل من يقظة عربية؟

لا يمكن إنكار أن الإمارات نجحت في ترسيخ نموذجها كأحد الأقطاب الإقليمية الفاعلة، لكن الثمن الذي تدفعه الأمة العربية كبير.

فتحول أبوظبي إلى “حصان طروادة” لإسرائيل ليس مجرد خيار سياسي قابل للمراجعة، بل هو تحول استراتيجي يعيد تعريف معنى الانتماء العربي.

يبقى الأمل معقودًا على وعي شعوب المنطقة، وعلى القوى التي لا تزال تؤمن بأن السيادة الحقيقية تبدأ من فلسطين.

وأن التفكيك ليس قدرًا محتومًا، بل هو مشروع يمكن إفشاله إذا استعادت الأمة ثقتها في ثوابتها.

أما إذا استمر المشهد على ما هو عليه، فقد نجد أنفسنا أمام واقع جديد لا يحمل أي من مقومات النهضة، بل يعيد إنتاج التبعية بأبهى حلة.

فهل آن الأوان لمراجعة الخيارات قبل فوات الأوان.

شارك المقال: