أحمد سراج يكتب: لقاء على عتبات الرحيل
معلم ترك أباه في مرض الموت واعدًا إياه بالعودة، بعد بعثة قصيرة للغاية لتعلم طرق التدريس في جامعة "بالتيمور" خرج بجسده وروحه معلقة بمدينته الأثيرة

غلاف رواية بنات بالتيمور للكاتب محمد ناصف
قراءة في رواية (بنات بالتيمور)
ليس هناك لقاء مباشر بينهما ولو أنهما عاشا في بلدهما الصغيرة ما التقيا، ولو التقيا لافترقا لاختلاف المشارب.
لكن الحياة تجمعهما في أبعد مكان، وتمارس معهما هوايتها.
هروب إلى أمريكا في رواية محمد ناصف
هذا ما تناقشه رواية “بنات بالتيمور للكاتب محمد ناصف.
بين رجل ترك مدينته ووطنه كله خائفًا يترقب ببناته الثلاثة وابنه الوحيد.
ليستقر في أمنع جهة من يد سلطة عارضها ذات يوم.
لم يفكر في العودة إلى وطنه رغم تغير الحكام؛ لأنه قرأ ما قرأه عفيفي مطر:
“الدولة غول للأبد”
بين معلم ترك أباه في مرض الموت واعدًا إياه بالعودة، بعد بعثة قصيرة للغاية لتعلم طرق التدريس في جامعة “بالتيمور” خرج بجسده وروحه معلقة بمدينته الأثيرة.
ماذا أخفى الإمام في جمهورية لأفلاطون؟
اغتصاب الرجال والنساء والأحلام في الرواية السعودية
مكاشفة لإعادة البناء.. الفارس يعلق الجرس
استفرار في أمريكا بتقاليد المحلة الكبري
“فاروق” الذي استقر في أمريكا يدرك فداحة الثمن الذي يدفعه كل لحظة في أنه أخذ بناته إلى أرض غريبة بتقاليدَ مختلفةٍ يحاول أن يقاومها.
فيعزل بناته عن المجتمع المحيط؛ وهو كمن يمسك الأسد من قرنيه فالحرية عنده للبنات في حدود ضيقة.
فيما يبقى في تصرفاته الكثير من قناعات الرجل الشرقي عند التعامل مع ابنه “رضوان”؛ فلا يضيق عليه تضييقه على بناته.
تقاسمه زوجه “سنية” الهموم جميعها؛ الغربة، وكبر البنات، والخوف من الاختلافات والفوارق، وتلفت انتباهه في هدوء إلى حاجة ابنهما للحزم ذاته.

حسن البطل الثاني
في الجهة البعيدة حسن معلم اللغة الإنجليزية المستقر في المحلة دون حلم بمغادرتها حتى إلى العاصمة.
متعلق بوالده المرض والحامل نصيبه من الميراث في تحمل أخيه الأصغر، ورعاية أمه الصابرة، والاجتهاد من أجل تهيئة حياة عادية يبدو الوصول إليها حلمًا بعيدًا للغاية.
فاروق الذي سافر هربًا من اعتقال محتمل بعد احتدام الصراع بين السلطة وبين أفكاره، مقررًا ألا يعود إلى بلده مهما جرى.
يواجة فاروق مشاكله بتقاليد أب مصري
يواجه مشكلاته في بالتيمور بأمريكا بعقلية الآباء المصريين في المحلة الكبرى بمصر.
فلا بد أن تتزوج بناته، وما يؤرقه هو تخطي كبراهن سن الثلاثين، ورغم أنه هرب إلى بلاد الحلم والوعد، فإنه ينتظر القادم من بلاده بلاد اليأس والهزيمة.

يتحقق الجزء الأول من الحلم.
فيعبر حسن إلى بالتيمور، ويلتقي بسناء فاروق في الجامعة ويعرف من طريقة اللبس أنهما من المحلة، ويصدق حدسه، ويبدو أن الأمور تسير في اتجاه تحقيق الأحلام..
لكن لماذا لم يكتمل الحلم؟
تقع الرواية في 272 وتدور أحداثها بين مكانين رئيسين.
بالتيمور في أمريكا والمحلة الكبرى في مصر.
ويبدو الانتصار لمصر واضحًا فبالتيمور وتحديدًا مقاطعة كولومبيا التي تبعد حوالي 32 كيلو متر وتحديدًا حيث يقطن فاروق وأسرته هي منفى اضطراري لمعارض سياسي لم تغادره صورة وطنه وتقاليده للحظة، لدرجة أن بناته التزمن بهذه التقاليد جوهرًا ومظهرًا.
لقاء بين طريقين
إن انتقلنا للبطل الثاني لوجدنا أنه يعرف أنها محطة عابرة سيعود بعدها لوطنه دون أن يحمل منها سوى الزاد العلمي الذي سيساعده في عمله.
اللقاء يجري في نهايات القرن العشرين، مع إعادة تطبيق مشروع البعثات التعليمية الذي كان يهدف لربط المعلمين المصريين بأهم طرق التدريس الحديثة.
لهذا يسافر حسن متغلبًا على عدة صعوبات عرقلت الكثيرين، وحين يقابل عقبة شديدة الصعوبة وهي إحساسه بأن أباه سيموت، يحلها له والده الذي يتماسك ويتحامل حتى يأمر ابنه على الحقيقة.
لا يغادر الرجلان وطنهما، وعلى الحقيقة كل منهما يقدِّر موقف الآخر
فلا فاروق ينقم على حسن عدم خطبة ابنته، ولا حسن يرى في فاروق الرجل الجبان الذي ترك وطنه واضطر إلى التذرع لتزويج بناته، بأسبابٍ لم يكن ليقبلها لو كان في بلده، ولا أن يزوجها إحداهن من رجل كان متزوجًا.
مواجهة في نهاية الرواية
آثر الراوي ألا يجمع بين البطلين الأساسيين إلا في النهاية.
وأن يكونا محددين متواجهين؛ كأنهما خصمان في معركة عادلة وشريفة.
يلتقيان ينفصلان كما قال جابر أبو حسين: “انفصلوا لا غالب ولا مغلوب ولا واحد ضرب ضربة صابت”
يكمل كل منهما طريقه فيعود أحدهما إلى بلده ليخدمها بعلمها.
بينما يبقى الثاني الذي أصر الراوي على ألا يتحدث عن نشاطه السياسي لكيلا يأخذ القارئ موقفًا منه.
أربعون فصلاً وللرقم دلالة الاكتمال والحكمة الناتجة عن تجربة مريرة.
أسماء تم اختيارها بعناية شديدة:
ففاروق الذي يدل على أنه ولد في عصر الملكية حيث كان المصريون مولعين بتسمية أبنائهم بأسماء الحكام، إضافة إلى دلالة الاسم على الحدة والصرامة.
أما حسن الذي يستدعي إلى الأذهان الجمال والوضاءة وحب أهله لآل البيت ولا ننسى هنا الدلالة الشعبية.






