قابلته عندما وجدت ذات يوم رجلا اسمر يأتي للسؤال عن غرفة اختي الصغري في المستشفي، وقد ترك اسفل وسادتها ظرف صغير، ثم جاء ابي وبحث عن هذا الرجل،
محمد حسنين هيكل أهم مفكر صحفي وسياسي مصري في مائة عام
مشاركة:
حجم الخط:
لا أعرف حتي الآن السبب في كراهيتنا للاستاذ هيكل – رحمه الله – هل لأنه كان صديق مقرب من الكثير من صناع القرار في هذا الوطن في أحد وأهم وأسخن فترات حياة الوطن، أم لآن اصدقائه هم الرؤساء والزعماء على مستوي العالم اجمع، أم لأنه كان أحد أهم رؤساء التحرير لجريدة الأهرام، وهو الذي جعل منها أحد أشهر الصحف على مستوي العالم، أم لأنه إنسان “شيك” يرتدي أفخر البدل والتى تتناسق دائما مع الكرافت، وبالطبع لن ننسي هنا السيجار الذي يمسكه بيده أو يضعه في فمه.
مما يزيد صوره هكيل في مخيلتنا هيبة وعظيمة وشموخ وحسدا ايضا.
لا أعرف حقيقة السر في هذه الكراهية، سواء المعلنة والتى بها شيء من تكرار الكلام، وكأن الذي يردد بغبغان من أجل الكراهية فقط، أو إن هذه الكراهية نابعة من حسد كبير لهذا الرجل ولتاريخه ولمواقفه ولقدراته ايضا. فمن منا لم يتمني أن يجلس في كنف الزعيم جمال عبد الناصر ويتحدث معه بحريته، ويكون سفيره في كل مكان، وصابح الاراء سواء الصائبة او الخائبة، من منا لم يحفظ تلك الكلمات التى قالها الزعيم في خطابه الشهير للتنحي ابان نكسة يوينو.
من منا استطاع ان يتحدث أو حتي يدردش دردشة عابرة مع نهرو أو تيتو، ايام مجد عدم الانحياز، ومن منا استطاع ان يجلس مع السادات ويتحدث بحريه ثم يناصبه العداء كما ناصبه الجميع، منى منا كان بيته هدفا لزيارة اي رئيس او مسئول عربي او غربي، ومن منا امده الله بكل هذه القدرات او الافكار او المفاتيح التى وضعها في كتبه. من منا نحن الكتاب البسطاء، استطاع كتاب له او مقال له ان يتحدث فيه الشرق او الغرب، ومن منا يوقع عقد نشر كتابه قبل ان يكتبه|، ومن منا استطاع بكتابته ان يفتح عقول كثير من البشر، ومن منا استطاع ان يجعل من الكتابة السياسية كل هذا الزخم والابداع الادبي. فعل هيكل كل هذا، كتب، اسلوبه السلسل الذي حفظناه، والحقائق الجافة يضعها ويصوغها في قالب ادبي دون اي انشاء، لنتعلم ان الكتابة فن وترتيب وافكار واسلوب، ولنتعلم كيف نطرح الفكرة، وكيف نعبر عن الشخصية، وكيف نشعل العقل الخامل، وكيف تكون قادرة على صناعة جدل كبير. هذه هي ابداعات الاستاذ، بعيدا عن ابدعاته وقدراته الصحفية الاخري.
فعل هيكل كل ذلك، لذا كرهناه، ولم نحبه، مع إن أي مكتبة تتشرف بأن نضع فيها كتاب من تأليف هيكل، أولا لان صاحبه لن يستطيع ان يدفع ثمنه، لذا فهو كتاب نادر، وكتب هيكل ليس من الكتب التى تجدها مثلا عند بائعي الكتب على الرصيف، ولن تجدها ايضا في سور الازبكية، وقد رأيت كثير من الكتاب، يحاولون جاهدين البحث عن كتاب لهيكل ليس لانه غير موجود، كلا، بل كي يزين مكتبته او عندما يتحدث يقول لك: هل عندك خريف الغضب، او لديك العروش والجيوش.
هالة هيكل استطاع هيكل ان يخلق حول نفسه هالة من الحسد والكراهية هي في الاساس اعجاب وحب كبير، اعجاب وحب بما يفعله وفعله، واعجاب بما استفاد منه في تاريخه، واعجاب بقدراته على طرح اي موضوع شائك في عالم السياسة او الغرف المغلقة لاصحاب القرار في حياتنا، واتذكر هنا عندما كان يصدر كتابه سنوات الغليان او حرب السويس في الاهرام وكيف كنا نحتفظ كل اسبوع بحلقة منه، الى ان اصبح كتابا، واتذكر هنا ايضا – مسلسل ” محفوظ عجب” وكان الجميع حينها يتحدث بأن الشخصية هي لهيكل والبعض قال لاحمد بهاء الدين او مصطفي امين. لا اريد هنا الكلام في الهواء الطلق، الرجل رحل، ولم احاول ان اكتب عنه في حياته مع ان بعض رؤساء الصحف طلبوا ذلك واعتذرت، كما طلب من أبي ذلك، ولم يكتب عنه حرفا، حتي في ظل الازمة الشهيرة في استاذنه بالانصراف، في عام 2022 تقريبا، كتب مستجاب مثلما كتب الجميع يطالبونه بالبقاء. لقد التقيت بهذا الرجل الصعيدي الشهم، مرتين في حياتي، وهذا حقه، ولن اخجل من ذكر ذلك، قابلته عندما وجدت ذات يوم رجلا اسمر يأتي للسؤال عن غرفة اختي الصغري في المستشفي، وقد ترك اسفل وسادتها ظرف صغير، ثم جاء ابي وبحث عن هذا الرجل، ليتضح انه سائق الاستاذ هيكل، وقد جاء بشيك بعشرة الاف جنيه للمساهمة في علاج اختي المرتفع التكاليف جدا، فجلس ابي لا يعرف ماذا يفعل، وقد اخرج الشيك ورقم هاتف هيكل وتحدث معه ليشكره، ثم ذهبت مع السائق لاجد هيكل في سيارته المرسيدس القديمة، جالسا، طلبت منه الصعود، تعلل مبتسما بألم في قدميه، وقال لي اي شيء تطلبه اختك اووالدك انا تحت امركم، شكرته وانصرف في كل هدوء وبساطة.
لقاء مع هيكل
وقد كان صوته يأتي كل فترة للاطمئنان على احوال الاسرة، وكانت تلك المكالمات تفرح ابي ومع ذلك لم يكتب ابي عنه حرفا، نعم كتب عن هيكل وعن السعدني وعن اخرون، الا انه لم يكتب حرفا عن هيكل. والمرة الثانية التى التقيت بها مع الاستاذ ، كانت بعد رحيل والدي، وبحثي عن عمل، واغلاق كثير من الاستاذة الاجلاء الباب في وجهي بكل حب، وفي تلك الفترة كنت شبة عاجز تماما، ابحث عن اي شيء للنجاة وللخروج من تلك الدائرة، فارسلت للاستاذ رسالة، اني ابحث عن عمل واريد ان اعمل في اعداد البرامج أو أي عمل يراه. وانتظرت فترة طويلة من الزمن، لدرجة اني قلت انه لم يستلم خطابي، وذات يوم اجد اتصالا هاتفيا من مديرة مكتبه، تطلب مني ان أأتي لانه تم تحديد موعد مع الاستاذ، فرحت جدا جدا، ويوم اللقاء، تأخرت عشرة دقائق وانا في الطريق، لاجد مكالمة اخري من مديرة مكتبه بأنني تأخرت، ذهبت للاستاذ في مكتبة في العمارة الشهيرة على كونيش النيل واسمها ” حياتي”
وقد سكنها الكثير من المشاهير ايضا، واسفل شقته يقع المركز الثقافي الصهيوني، وهي الشقة التى قبض عليه فيها اثناء عام 1981 وقبل اغتيال السادات بايام، كنت ذاهبا وانا ابحث بين كل حرف قرأته له عن التاريخ الحقيقي فيما يذكر، وانا في دهشة اني اقبل هذا الرجل، الذي كان اسمه ثاني اسم في قوائم المقبوض عليهم بعد خالد محي الدين رحمه الله، وبعد لحظات اصبحت في حضرة الاستاذ، نهض مرحبا، وقبلني، ضغط علي يده وانا اسلم فقال لي : براحه علي شوية انا مش قد حد من آل مستجاب، ابتسمت وضحك هو، ثم بدء في الحديث عن ابي، يتحدث عنه باجلال واحترام، وكأن ابي هو الكبير وهو طفلا صغير، وكأن ابي شخصا اخر، يزداد ارتفاعا وطولا وعمقا في التاريخ.
ويقول لي: لو يوجد بعض الاشخاص مثل مستجاب يحبون هذا الوطن، لتغيرنا للاحسن، لن استطيع ان افهمك ماذا فعل ابيك لهذا الوطن، وكيف حب هذا الوطن، ابوك شخص نادر رحمه الله، وفي نهاية المقابلة، اعطاني رقم هاتف عمرو كفافي كمدير البرامج حينها لقناة دريم للعمل. هكذا كان هيكل بالنسبة لي، شخص قديم جدا، يعرف كل شيء، ويعلم كل شيء، ويري كل شيء، وكان جالس في بيته سواء على شاطيء النيل او في برقاش، يرتب الاحدث ويقطع الاخبار ويدون الاسرار ويحلل الشخصيات والمواقف.
الإستاذ
يعمل في صمت الى ان ينجز ما عليه انجازه، يعمل دون هواده ودون راحة على مشروعاته وكتابته، يحلل الاحداث ويقرأ الاشخاص، ويشم ما بين الاصابع، يتحدث لك عن العقلية العربية سواء شعوب او قادة او عسكريون، وكيف يفكر وكيف تصيغ القرارات وتصنع المؤامرات، اتذكر له ذات يوم وهو على غلاف مجلة العربي الكويتية، وقد كتب عليها الاستاذ، فقط، فعندما نطلق تلك الكلمة، نتذكر هيكل فورا، من استطاع ان يجذب للاهرام كل هؤلاء الكتّاب العظام، وان يصبح للاهرام كتّاب مثلما تفعل الصحف العظمي، وبعيدا عن وظائف اخري وبعيدا عن ارهاقات طلب العيش. تدخل مبني الاهرام، تتذكر هيكل وتري صوره وهو في قاعة التحرير وتجد له صورا مع شخصيات عظيمة لهذا الوطن وللامة العربية. حتي عندما تم حرقه مكتبته بقرية بقرقاش ايام حكم الاخوان، كانت كارثة كبيرة خوفا على مكتبته العظيمة، جميعنا حب الاستاذ احببناه لدرجة كراهيتنا له، وكرهناه لانه عمر في الحياة كل هذه السنوات، وان يحصل على كل هذا الاحترام والاعتزاز، وان يستطيع ان يصبح كلامه او رأيه عو الاساس في اي قرار من تاريخ الوطن الغالي، حتي نصائحه سواء صائبة ان لا ، يجب ان نسمعها، ويجب ان يمر علي بيته اي رئيس جائ لمصر، لان هيكل لديه الكثير من صور المشهد العربي والعالمي. نعم نكره، ولا نطيقه، ونطلق عليه الاهانات والنكات، ولكن بيننا وبين انفسنا نحترمه ونجله ونهابه ونحسده ايضا، نحب ان نضع على سيرته او تاريخه التراب والاوساخ، ونتذكر ابنه او علاقاته المالية، لا يعنيني هذا الان، كل ما يعنين هذا الرجل – محمد حسنين هيكل – العظيم والجميل والمفكر والكاتب الصعيدي – لانه من قرية من قري ديروط – اي انه من بلدتنا، لذا كان يقول لمستجاب انت من ديروط، فيرد مستجاب نحن عمد ديروط اما انت، فلا تعلم عنها شيئا، وسوف نكتفي بأن نعلم ان جذورك من ديروط فقط، فيضحك الاثنان رحمهما الله. حقا، ان الاشجار تموت واقفه كما قال امل دنقل وهو ينعي يحيي الطاهر عبدالله، ولكن سوف اخبركم ان الاشجار تموت بكثير من الكراهية، وسنظل نكرهك ونحسدك ونهيل على سيرتك وتاريخك التراب، ثم نقف منبهرين ومشدهوين وخائيبين ايضا، لاننا لن نستطيع ان نفعل مثلما فعلت عليك رحمه الله