ترجمات

فورين بوليسي: الخسائر الاستراتيجية لترامب في الحرب

من خلال التهديد بتدمير محطات الطاقة، والبنية التحتية المدنية، وحتى حضارة بأكملها، ساهم ترامب في تطبيع جرائم الحرب كتكتيك عسكري وأداة تفاوض دبلوماسي، حتى من دون تنفيذ هذه التهديدات.

مشاركة:
حجم الخط:

يعتبر مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس في إدارة بايدن-هاريس، فيليب إتش. غوردون، ونائبته، ريبيكا ليسنر، في هذا المقال الذي نشره موقع “فورين بوليسي – Foreign Policy” وترجمه موقع الخنادق الالكتروني، أن تداعيات الحرب الأمريكية على إيران ستستمر طويلاً بعد توقف القتال.

ووفقاً لهما، فإن هناك ارتدادات استراتيجية بعيدة المدى ستنجم عن هذا الصراع. فالحروب قد تشكّل منعطفات حاسمة في التاريخ—زلازل جيوسياسية تسرّع التحوّلات العالمية، وتخلق وقائع جديدة، وتستمر أصداؤها طويلاً بعد انتهاء القتال.

وحرب إيران هي بالضبط أحد هذه الزلازل، إذ سيعيش العالم، ومعه الولايات المتحدة الأمريكية، تحت وطأة تداعياتها الاستراتيجية لسنوات مقبلة.

مشيرين الى أن هذه الحرب وجّهت ضربة قد تكون قاتلة للنظام الدولي الذي تقوده أمريكا، والذي كان أصلاً في حالة احتضار، لأن الأخيرة باتت اليوم التهديد الرئيسي للنظام الذي كانت تقوده يوماً.

النص المترجم:  

الهدنة الهشة 

حتى مع صمود وقف إطلاق النار الهش إلى حدّ كبير، ومع جدولة استئناف المحادثات بين الأطراف، فإن الكلفة الفورية للحرب في إيران باتت واضحة بالفعل.

فقد ارتفعت أسعار النفط والغاز بشكل حاد، ويحذّر صندوق النقد الدولي من احتمال حدوث ركود عالمي.

خسائر الطرفين في حرب ال40 يوم 

كما تعرّض الجيش الإيراني لضربات مدمّرة، إلى جانب أضرار مادية واسعة وخسائر في أرواح المدنيين. وفي المقابل، اكتشفت طهران طرقاً جديدة لتهديد تدفّقات الطاقة الحيوية.

أمّا الولايات المتحدة، فقد تكبّدت مقتل 13 عنصراً من قواتها، إضافة إلى أكثر من 380 إصابة، واستنزفت مخزوناتها العسكرية، كما تراجعت شعبية الرئيس دونالد ترامب.

هذه النتائج قصيرة المدى جميعها مهمة، لكن على المدى الطويل قد تبدو ضئيلة مقارنة بالارتدادات الاستراتيجية بعيدة المدى التي ستنجم عن هذا الصراع.

فالحروب قد تشكّل منعطفات حاسمة في التاريخ—زلازل جيوسياسية تسرّع التحوّلات العالمية، وتخلق وقائع جديدة، وتستمر أصداؤها طويلاً بعد انتهاء القتال.

وحرب إيران هي بالضبط أحد هذه الزلازل، إذ سيعيش العالم، ومعه الولايات المتحدة، تحت وطأة تداعياتها الاستراتيجية لسنوات مقبلة.

معصوم مرزوق يكتب: العجز عن مجرد الثرثرة

قراءة في عشرية الحظر وتداعيات الانفجار الكبير

د. أيمن خالد يكتب: أمريكا وإيران خيارات الحرب والدبلوماسية

ضربة إيرانية قاتلة لنظام أمريكا الدولي 

لقد وجّهت حرب إيران ضربة قد تكون قاتلة للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي كان أصلاً في حالة احتضار.

فالولايات المتحدة باتت اليوم التهديد الرئيسي للنظام الذي كانت تقوده يوماً—وهو نظام بُني على تحالفات تقودها واشنطن وعلى مبادئ استقرار مثل عدم الاعتداء، والسيادة، وحرية الملاحة.

ومن خلال خوض حرب وقائية من دون أساس قانوني معقول—لا في القانون الداخلي ولا الدولي—ساهمت هذه الحرب في تطبيع العدوان كوسيلة لتسوية النزاعات بين الدول.

وهذا ليس سوى البداية.

فمن خلال التهديد بتدمير محطات الطاقة، والبنية التحتية المدنية، وحتى حضارة بأكملها، ساهم ترامب في تطبيع جرائم الحرب كتكتيك عسكري وأداة تفاوض دبلوماسي، حتى من دون تنفيذ هذه التهديدات.

كما ساهم أيضاً في تطبيع تسليح نقاط الاختناق الجغرافية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، عبر فرض حصار على مضيق هرمز.

أحياء المباديء التي تخلى عنها ترامب

قد يسعى رئيس مستقبلي إلى إحياء المبادئ التي تخلّى عنها ترامب—من خلال حشد العالم لمعارضة العدوان الصيني على تايوان، ودعم أوكرانيا وإدانة جرائم الحرب الروسية هناك، أو الدفاع عن حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي.

فقدان المصداقية الأمريكية بعد الحرب 

لكن الضرر قد وقع بالفعل. فحتى بعد انحسار الصراع مع إيران، سيصبح من الأصعب بكثير على الولايات المتحدة أن تتحرّك بمصداقية دفاعاً عن النظام الذي طالما أشرفت عليه.

ولن تكون الولايات المتحدة قادرة أيضاً على الاعتماد على حلفائها كما في السابق، بعد حرب وجّهت ضربة قاسية لأسس تحالفات واشنطن العالمية المتداعية.

حلف الأطلسي وتوتر العلاقات 

فقد كان حلف شمال الأطلسي (الناتو) يعاني أصلاً من أزمة بسبب تهديد ترامب بضم غرينلاند في وقت سابق من هذا العام، إلى جانب توترات أخرى.

إلا أن حرب إيران قد تُعتبر تتويجاً للانفصال بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، الذين لم تتم استشارتهم بشأن نزاع عارضه معظمهم بشدة.

تهديد ترامب للناتو

وقد وصف ترامب القادة الأوروبيين بـ”الجبناء”، وهدّد بسحب الولايات المتحدة من الناتو بعد رفض بعض الدول الأعضاء تقديم قوات بحرية لفتح مضيق هرمز بالقوة، وقيام دول أخرى بفرض قيود محدودة على استخدام الولايات المتحدة لقواعدها في أوروبا لقصف إيران.

وسواء نفّذ ترامب هذا التهديد أم لا، فإن مجرد إطلاقه يساهم في تقويض التزام الدفاع المشترك داخل الحلف، ومن المرجح أن يسرّع توجّه أوروبا نحو الاستقلال الدفاعي، وربما النووي أيضاً.

تداعيات كبيرة للحرب على تحالفات أمريكا 

كما سيكون للحرب تداعيات كبرى على تحالفات الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

فعلى الرغم من الحديث المتكرر عن أولوية هذه المنطقة—وخاصة في مواجهة الصين—فإن حرب إيران جاءت بعكس ذلك تماماً.

إذ إن شن حملة قصف مستمرة ضد إيران، والدفاع عن الحلفاء الإقليميين في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، والتعامل مع إغلاق مضيق هرمز، والاستعداد لعمليات برية محتملة.

تحويل كميات سلاح هائلة للمنطقة 

كل ذلك اضطر ترامب إلى تحويل كميات هائلة من الموارد العسكرية المحدودة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط.

إن الانخراط الأمريكي المتجدد في الشرق الأوسط يستهلك الاهتمام والموارد التي كان يُفترض توجيهها إلى المحيطين الهندي والهادئ، في حين أن العبء الذي فرضته الحرب على الجيش الأمريكي قد أضعف جاهزيته لمواجهة محتملة مع الصين.

كما استنزفت الحرب مخزونات الولايات المتحدة من الصواريخ وأنظمة الدفاع الصاروخي اللازمة للدفاع عن تايوان وكوريا الجنوبية أو اليابان، وأدّت إلى تأخير تسليم الأسلحة إلى شركائها الآسيويين الرئيسيين.

أزمة طاقة حادة 

ترافق هذه التطورات مع أزمة طاقة حادة نجمت عن حرب اختارتها واشنطن، ما يدفع حلفاءها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى التساؤل عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن مصالحهم—وعن أمنهم إذا لزم الأمر.

ونتيجة لذلك، قد يتجه هؤلاء الحلفاء إلى الابتعاد عن الولايات المتحدة، أو ممالأة الصين، أو كلا الأمرين معاً.

اضرار الشراكة الأمريكية الإسرائيلية 

وكان الضرر أشدّ على الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

فحتى قبل الحرب، كانت المواقف الأمريكية تجاه إسرائيل تتجه نحو السلبية بشكل متزايد، مدفوعةً بالنتائج الكارثية للحرب في غزة وبالتوجّه اليميني المتطرف للحكومة الإسرائيلية.

إلا أن الدور المتصوَّر لإسرائيل في إشعال ما يعتبره معظم الأمريكيين حرباً غير ضرورية ومكلفة ضد إيران قد سرّع هذا التحوّل بشكل كبير، سواء لدى الديمقراطيين أو الجمهوريين، بما في ذلك أنصار حركة “ماغا”.

وبحسب استطلاعات “بيو”، فإن نحو 60% من الأمريكيين باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، كما أظهر استطلاع لـ”إن بي سي نيوز” في نيسان/أبريل أن 74% من الأمريكيين الشباب يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين.

احتمال بإنهاء المساعدات الأمريكية لإسرائيل

أما الدعوات التي كانت تُعدّ سابقاً مثيرة للجدل لحجب الدعم العسكري الأمريكي عن إسرائيل.

فقد أصبحت اليوم أمراً شائعاً—بما في ذلك مشروع قانون في الكونغرس الأسبوع الماضي يهدف إلى منع نقل أنواع معينة من القنابل إلى إسرائيل، وقد حظي بدعم غير مسبوق من 36 عضواً في مجلس الشيوخ، أي بزيادة 12 عضواً عمّا حصل عليه مشروع مشابه قبل حرب إيران.

وبات احتمال إنهاء الولايات المتحدة مساعداتها الأمنية لإسرائيل بالكامل أمراً واقعياً للغاية.

وإذا كانت حرب إيران ستسرّع جهود حلفاء الولايات المتحدة لتقليل المخاطر وتنويع خياراتهم بعيداً عن واشنطن، فإنها ستقرّب أيضاً بين خصوم الولايات المتحدة.

دعم صيني روسي لإيران 

فاستغلالاً لفرصة إضعاف خصمهم الأمريكي، يُقال إن روسيا والصين قدمتا دعماً دبلوماسياً ومعلومات استخباراتية—بما في ذلك صور استهداف—لطهران، بل وقدّمت روسيا أيضاً أسلحة.

إيران تدعم الشركاء 

وفي المقابل، واصلت إيران دعم شركائها الاستراتيجيين الرئيسيين، فزوّدت روسيا بطائرات مسيّرة لحربها في أوكرانيا، وقدّمت للصين نفطاً بأسعار مخفّضة، ونقلت لكليهما خبرات في كيفية مواجهة الجيش الأمريكي.

وإذا كان أحد الأهداف الأساسية لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي في السنوات الأخيرة هو إحباط تشكّل “محور خصوم” يضم الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، فإن حرب إيران تبدو وكأنها حققت العكس تماماً.

كما أن الفشل الاستراتيجي لواشنطن في إيران سيعزّز دور الصين كقوة عالمية. فليس فقط أن الولايات المتحدة أظهرت أنها لا تزال عرضة للتورّط في الشرق الأوسط، بل إن حاجة ترامب إلى استقرار الاقتصاد العالمي تعزّز موقع بكين قبيل قمته المرتقبة مع الرئيس شي جين بينغ الشهر المقبل.

الصين المستفيد الأكبر 

وهذا يزيد من احتمال أن أي اتفاق بشأن التجارة أو التكنولوجيا المتقدمة أو حتى سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان قد يصبّ في مصلحة الصين.

كما أن الحاجة العالمية المتزايدة إلى بدائل للوقود الأحفوري ستعزّز الطلب على التقنيات النظيفة، وهو مجال تهيمن عليه الصين عالمياً.

مكاسب روسيا 

أما روسيا، فقد حققت مكاسب أيضاً بطرق قد تغيّر المسار الاستراتيجي للحرب في أوكرانيا. فقبل حرب إيران، كانت روسيا تحرز تقدماً محدوداً على الأرض، وتعاني من ضغوط اقتصادية شديدة—مع عجز في ميزانية الربع الأول من عام 2026 بلغ نحو 60 مليار دولار—إضافة إلى عشرات آلاف الخسائر البشرية شهرياً.

لكن الحرب رفعت أسعار النفط بنحو 50%، ما وفر لموسكو عائدات ضخمة تُقدّر بمئات ملايين الدولارات يومياً، وقد تستمر لأشهر أو حتى سنوات.

خطوات بائسة للتخفيف من ارتفاع أسعار النفط 

وقد أدى ارتفاع أسعار النفط إلى دفع واشنطن نحو خطوات يائسة للتخفيف من الضغط، فقررت في آذار/مارس تعليق العقوبات على شراء النفط الروسي، وقد تواصل تعليقها إلى أجل غير مسمى إذا بقيت الأسعار مرتفعة.

كما أدت الحرب إلى تحويل موارد نادرة من أنظمة الدفاع الصاروخي بعيداً عن أوكرانيا، ما جعل مدنها وبنيتها التحتية أكثر عرضة للهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وأعاد إلى موسكو الأمل في تحقيق النصر.

ومع ذلك، فإن الحرب في إيران لم تنتهِ بعد. فالفجوات بين الطرفين لا تزال كبيرة بشأن الملف النووي، ومستقبل مضيق هرمز، وبرنامج إيران للصواريخ الباليستية، ودعمها لحلفائها الإقليميين.

كما أن كلا الطرفين يمتلك القدرة على استئناف الحرب في أي وقت. لكن سواء استؤنف القتال أو تم التوصل إلى اتفاق غداً، فإن حرب إيران قد أطلقت بالفعل قوى هائلة، وستظل آثارها الاستراتيجية تتردد في أنحاء العالم لسنوات طويلة بعد انتهاء الحرب التي أطلقتها.

المصدر: فورين بوليسي – foreign policy

الكاتب: غرفة التحرير

شارك المقال: