تقرير: (ميزان) الحرف في ملتقى الخط العربي بالشارقة
أدرجت منظمة اليونسكو عام 2021 «الخط العربي، المعارف والمهارات والممارسات» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، ضمن ملف شاركت فيه الإمارات وخمس عشرة دولة عربية أخرى.
ملتقى الخط العربي يفتتح فعاليات صباح الأربعاء بالشارقة
عملا تجمع مدارس الخط العربي في الدورة الثانية عشرة
تفتح الشارقة في السابع من أكتوبر أبواب الدورة الثانية عشرة من ملتقى الشارقة للخط تحت شعار «ميزان»، برعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
على مدى أكثر من خمسة أسابيع، تتوزع أعمال 272 فنانا من دول عربية وأجنبية على عدد من المواقع الثقافية في الإمارة، ضمن دورة تضم 681 عملا فنيا و93 فعالية، وتستمر حتى 15 نوفمبر المقبل.
تكشف هذه الأرقام عن حجم الدورة الجديدة، وتوضح المسافة التي قطعها الملتقى منذ انطلاقه عام 2004.
يضم البرنامج 26 معرضا و61 ورشة فنية وثلاث محاضرات، إلى جانب ندوة دولية وفعاليات أخرى تشارك فيها أكثر من عشرين مؤسسة ثقافية وأكاديمية وفنية.
ويتنقل الجمهور بين ساحة الخط، ومتحف الشارقة للفنون، وبيت الحكمة، وجامعة الفنون في الشارقة، ومركز 1971 للتصاميم، ومتحف الشارقة للخط، وبيوت الخطاطين، ومواقع أخرى في الإمارة.
هذا الانتشار يمنح الزائر أكثر من مدخل إلى عالم الخط
قد يبدأ بلوحة تستند إلى القواعد الراسخة في الثلث أو النسخ، ثم ينتقل إلى تجربة حروفية، أو إلى عمل تركيبي يستخدم الحرف مادة بصرية.
وفي مكان آخر يجد ورشة تشرح له كيف يضبط الخطاط نسب الحروف بالنقطة. هكذا يتوزع الخط على أماكن مختلفة، وتظهر معه طرائق متعددة في التعامل مع الحرف، من المدرسة التقليدية إلى أكثر التجارب المعاصرة جرأة.
لماذا ميزان؟
اختارت اللجنة المنظمة كلمة «ميزان» عنوانا للدورة، وهي كلمة تمس جوهر صناعة الخط العربي.
فالنقطة، على صغرها، تؤدي وظيفة دقيقة في المدرسة الخطية التقليدية، بها يقاس طول الحرف وعرضه ونسبته إلى غيره.
يتسع مفهوم الميزان بعد ذلك ليشمل توزيع الكتلة والفراغ، والعلاقة بين الكتابة والزخرفة، وصولا إلى التكوين الكامل للوحة.
لهذا يترك عنوان الدورة مساحة واسعة أمام الفنانين المشاركين.
بعضهم يأتي من تقاليد صارمة تعلم فيها أن انحناءة صغيرة قد تخل بنسبة الحرف، وبعضهم يدفع الكتابة نحو الحروفيات والتجهيزات الفنية والجداريات.
وبين التجربتين يظل التوازن حاضرا؛ توازن بين القاعدة والحرية، وبين ذاكرة الحرف وما يستطيع الفنان أن يضيفه إليه.

ويكشف البرنامج نفسه هذا التنوع.
فالأعمال الـ681 تشمل لوحات بالخط الأصيل والزخرفة الإسلامية، إلى جانب الحروفيات والتجهيزات والجداريات والتجارب الحديثة والمعاصرة.
ويشارك فنانون من الإمارات والسعودية والكويت وعمان والبحرين ومصر والمغرب والعراق وسوريا ولبنان والأردن وليبيا واليمن وتونس، إضافة إلى إيطاليا والسويد والصين وكندا وباكستان والهند وماليزيا وألمانيا وتركيا وإندونيسيا وطاجكستان.
تضع هذه الخريطة الحرف العربي أمام خبرات شديدة الاختلاف.
يأتي إليه فنان تربى داخل مدارس الخط، ويقترب منه آخر عبر الفن المعاصر أو التصميم أو التشكيل. لكل واحد منهما تجربته، لكن الحرف يظل نقطة اللقاء.
459 عملا أمام لجنة الفرز
بدأت الدورة قبل افتتاح القاعات بوقت طويل. فقد استقبل المعرض العام للمسابقة 459 عملا قدمها 182 خطاطا وفنانا من أنحاء العالم.
وبعد الفرز اختير 297 عملا تخص 145 فنانا، توزعت بين الاتجاه الأصيل والخطوط الحديثة والمعاصرة والزخرفة.
وضمت لجنة الفرز فاطمة الحمادي من الإمارات، ومأمون يغمور من سوريا، ومنذر الدليمي من العراق، ونور الدين شاطر من المغرب، وياسر العشري من مصر.
وتكشف هذه المرحلة عن طبيعة التحدي أمام لجنة تنظر إلى أعمال تنتمي إلى مسارات فنية مختلفة.
فاللوحة التقليدية تخضع لقواعد دقيقة في رسم الحروف وتناسبها وتركيبها، بينما تتحرك التجارب المعاصرة في فضاء أوسع من الخامات والأساليب. ويجتمع المساران داخل الملتقى، مع بقاء الخصوصية الفنية لكل منهما.
وتؤكد الجوائز هذا التنوع، تبلغ قيمة الجائزة الكبرى 15 ألف دولار، وتخصص ثلاث جوائز للاتجاه الأصيل بقيمة ثمانية آلاف دولار لكل واحدة، وثلاث أخرى بالقيمة نفسها للفنون الخطية الحديثة والمعاصرة، إضافة إلى جائزة لجنة التحكيم الخاصة بالخطاط الإماراتي وقيمتها ثمانية آلاف دولار.
الأرقام هنا ليست تفصيلا تنظيميا فحسب؛ فوجود مئات الأعمال القادمة من بيئات ومدارس مختلفة يضع أمام الجمهور صورة واسعة لما وصل إليه الخط اليوم، ويتيح مقارنة مباشرة بين من يحرس القاعدة ومن يختبر حدودها.
حين يتعلم الجمهور الحرف
جزء مهم من الملتقى يحدث بعيدا عن لحظة الوقوف أمام اللوحة.
فالبرنامج يخصص 61 ورشة فنية لتقنيات الخط وأنواعه وممارساته، إلى جانب عروض مرئية تقدم تجارب مختلفة.
وفي هذه الورش يقترب الزائر من أدوات الصنعة نفسها؛ القلم، والنقطة، وتركيب الحروف، وضبط المسافات، والعلاقة بين حركة اليد وشكل السطر.
تكتسب هذه الورش أهميتها من طبيعة الخط نفسه. فهو فن ينتقل بالتعلم الطويل والممارسة.
وقد أدرجت منظمة اليونسكو عام 2021 «الخط العربي، المعارف والمهارات والممارسات» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، ضمن ملف شاركت فيه الإمارات وخمس عشرة دولة عربية أخرى.
يشير هذا التسجيل إلى جانب مهم في بقاء الخط. فحفظ اللوحات القديمة يصون جزءا من تاريخه، بينما تحتاج المهارة نفسها إلى من يتعلمها ويمارسها وينقلها إلى جيل آخر.
وقد تتغير الخامات، وينتقل الحرف من الورق إلى الشاشة أو الجدار أو العمل التركيبي، لكن اليد التي تعرف نسبه وقواعده تظل في قلب هذه الرحلة.
لهذا تبدو الورشة الصغيرة، التي يجلس فيها متدرب أمام خطاط يتابع حركة قلمه، جزءا أصيلا من الملتقى، لا نشاطا مكملا لمعارضه.
الحرف بين الأصالة والعالم
يخصص الملتقى مساحة للنقاش النظري أيضا.
وإلى جانب ثلاث محاضرات تتناول قضايا الخط وتحولاته، يستضيف بيت الحكمة الندوة الدولية «الخط العربي بين الأصالة والريادة العالمية»، بمشاركة باحثين وأكاديميين وفنانين من العالم العربي وخارجه.
كما يستقبل الملتقى مئة ضيف من الخطاطين والمحاضرين ومشرفي الورش والإعلاميين.
عنوان الندوة يلامس قضية يعيشها الخط العربي اليوم.
فلهذا الفن تاريخ طويل من القواعد والمدارس، لكنه يتحرك الآن داخل عالم بصري سريع التغير. نراه في الكتب والشاشات وواجهات المباني وأعمال التصميم والفنون المعاصرة، ويعمل عليه فنانون لا تنتمي لغتهم الأم إلى العربية.
في هذه المساحة تتجاور أسئلة الحفاظ على المدرسة القديمة مع محاولات البحث عن إمكانات جديدة للحرف.
وتقدم المعارض المصاحبة صورا مختلفة لهذه العلاقة.
يعود معرض «الحلية الشريفة» إلى تقليد خطي عريق، بينما يبحث معرض «ميزان» في مرونة الحرف وإمكاناته التشكيلية، ويستعيد معرض «الرواد» تجارب من صلب التراث الخطي.
ويستضيف بيت الحكمة معرض «بميزان… من النقطة إلى المعنى» الذي يتتبع تكوين الحرف منذ وحدته الأولى حتى دخوله في علاقات أكثر تعقيدا مع الكلمة والفراغ والتشكيل.
تسمح هذه المعارض للجمهور بأن يرى المسافة التي تحرك فيها الخط من أصوله إلى تجاربه الأحدث، من غير أن تصبح الحداثة قطيعة مع الماضي أو يتحول التراث إلى مساحة مغلقة.
ثلاثة أسماء في واجهة التكريم
تحتفي الدورة الجديدة بثلاث تجارب عربية امتدت في اتجاهات مختلفة. يكرم الملتقى الخطاط الإماراتي علي الحمادي، والأكاديمي المغربي بلعيد حميدي، والخطاط والفنان التشكيلي المصري خليفة الشيمي، وتقام لكل منهم تجربة عرض شخصية في ساحة الخط طوال أيام الملتقى.
للحمادي تجربة ارتبطت بالدقة الهندسية والتكوينات الخطية.
أما بلعيد حميدي فاشتغل طويلا على الخط المغربي الأندلسي، إلى جانب نشاطه الأكاديمي والتعليمي والتحكيمي.
ويتحرك خليفة الشيمي، الذي يقيم في الإمارات منذ سبعينيات القرن الماضي، بين الخط الأصيل والعمل التشكيلي والحروفي.
تمنح الأسماء الثلاثة التكريم معناه.
فالمتلقي لا يقف أمام مدرسة واحدة أو مسيرة متشابهة، وإنما أمام تجارب تشكلت في بيئات مختلفة، وجمعتها سنوات طويلة من العمل مع الحرف العربي.
ويأتي هذا الاحتفاء ضمن تاريخ يمتد لأكثر من عشرين عاما.
فقد تأسس الملتقى عام 2004، وتعاقبت دوراته بمشاركات عربية ودولية متزايدة. وفي الدورة العاشرة عام 2022 عرض 231 فنانا 718 عملا، بينما ضمت الدورة الحادية عشرة عام 2024 نحو 611 عملا لـ261 فنانا، إلى جانب 94 فعالية.
وتوضح مقارنة هذه الأرقام أن الملتقى احتفظ خلال دوراته بحضور دولي واسع، فيما ظلت دائرة المشاركة تتجدد بين أسماء راسخة وفنانين يدخلون التجربة للمرة الأولى.
بعد أن تغلق القاعات
في الخامس عشر من نوفمبر ستنتهي الدورة الثانية عشرة، وتغادر الأعمال أماكنها بعد أكثر من خمسة أسابيع من المعارض والورش واللقاءات. لكن بعض ما يحدث خلالها سيواصل طريقه خارج القاعات.
قد يعود فنان إلى بلده محملا بفكرة التقطها من تجربة مغايرة، أو يبدأ طالب علاقته بالخط من ورشة حضرها في الشارقة، أو يعيد باحث النظر في صلة الحرف القديم بالفنون الجديدة.
وربما تكفي لحظة واحدة أمام لوحة جيدة كي ينتبه زائر إلى أن ما يراه في السطر لم تصنعه اليد وحدها؛ وراءه معرفة بالنسب والفراغ والإيقاع تراكمت عبر قرون.
وهنا يصبح اسم الدورة، «ميزان»، أكثر من عنوان، فالحرف العربي عاش طويلا لأنه عرف كيف يحفظ قواعده من دون أن يتوقف عندها، وانتقل بين الأزمنة والبلدان والأدوات من غير أن يفقد جذره.
وفي الشارقة، تجتمع هذا العام 681 تجربة لتختبر ذلك الميزان من جديد؛ بين ما ورثه الخطاطون، وما تستطيع أيديهم أن تضيفه إلى الحرف
شاركنا برأيك