تقرير: تركيا تدخل مرحلة تاريخية في ملف الأكراد بقانون جديد
حصل التشريع على 468 صوتًا من أصل 600 نائب، مستفيدًا من دعم حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب المؤيد للأكراد.

صورة تعبيرية للتقرير
قانون جديد لإنهاء صراع حزب العمال يفتح الباب أمام مكاسب سياسية واقتصادية
أقر البرلمان التركي في 10 أغسطس قانونًا تاريخيًا يضع إطارًا قانونيًا لتفكيك حزب العمال الكردستاني وإعادة دمج جزء من أعضائه في المجتمع.
في واحدة من أهم الخطوات التي اتخذتها أنقرة لإنهاء صراع مسلح امتد لأكثر من أربعة عقود.
وحصل التشريع على 468 صوتًا من أصل 600 نائب، مستفيدًا من دعم حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب المؤيد للأكراد.
ويعد هذا التوافق الواسع استثنائيًا في ملف تسبب لعقود في انقسامات حادة داخل السياسة التركية.
مريض السكري هل يجب أن يدفع ثمن القرار؟
ترتيبات مشروطة بدلًا من عفو شامل
القانون لا يمثل عفوًا عامًا مفتوحًا، بل يقدم ترتيبات مشروطة، فبعض أعضاء الحزب الذين لم يتورطوا في جرائم محددة سيتمكنون من الاستفادة من حماية قانونية أو تعليق أحكام السجن أو تأجيل التحقيقات والمحاكمات.
ويمكن تأجيل بعض الإجراءات لمدة خمس أو عشر سنوات وفقًا لطبيعة الاتهامات، ثم إسقاطها إذا لم يرتكب المستفيد جرائم مرتبطة بالإرهاب خلال تلك المدة.
ويستبعد القانون المدانين بالقتل العمد وبعض أصحاب أحكام السجن المؤبد، ولذلك لا يشمل زعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان بصيغته الحالية.
تسليم السلاح شرط أساسي لدخول القانون حيز التنفيذ
كما أن دخول القانون حيز التطبيق مشروط بتأكيد مجلس الأمن القومي التركي أن حزب العمال الكردستاني أنهى وجوده التنظيمي وسلم جميع أسلحته.
وبعد نشر القرار في الجريدة الرسمية، ستكون أمام الراغبين في الاستفادة من الترتيبات القانونية مهلة ستة أشهر للتقدم.
ويعود المسار الحالي إلى دعوة أوجلان في فبراير 2025 الحزب إلى نزع السلاح وإنهاء نشاطه المسلح، أعقبها إعلان الحزب في مايو من العام نفسه إنهاء الكفاح المسلح وحل تنظيمه، ثم مراسم رمزية لإحراق الأسلحة في شمال العراق.
المطالب الكردية الأوسع ما تزال دون حل
لكن التشريع لا يغلق القضية الكردية بالكامل، فهو لا يعالج مطالب أوسع تتعلق بالحقوق السياسية والثقافية للأكراد أو تعديل قوانين مكافحة الإرهاب أو الوضع المستقبلي لأوجلان.
كما وصف الحزب القانون بأنه بداية مهمة لكنه لا يزال يعاني نواقص جوهرية، وطالب بإصلاحات ديمقراطية أوسع وضمان حرية العمل السياسي للمقاتلين السابقين بعد عودتهم.
ومن هنا يمكن القول إن نجاح المشروع سيعتمد على قدرة أنقرة على الانتقال من معالجة مسألة السلاح إلى معالجة الجذور السياسية والاجتماعية للصراع.
حسابات أردوغان والانتخابات حاضرة في المشهد
داخليًا، يحمل المسار حسابات سياسية مهمة للرئيس رجب طيب أردوغان.
فالتقارب مع حزب DEM المؤيد للأكراد يمكن أن يمنح أردوغان مساحة جديدة للتحالفات البرلمانية، خصوصًا مع استمرار النقاش حول مستقبله بعد انتهاء الحد الدستوري لفترات الرئاسة.
ويمكن لأردوغان الترشح مجددًا إذا دعا البرلمان إلى انتخابات مبكرة خلال ولايته الحالية، ما يدفع بعض أحزاب المعارضة إلى التشكيك في دوافع المبادرة.
وفي المقابل، يرى مؤيدو القانون أن اختزال السلام في حسابات الانتخابات يتجاهل فرصة إنهاء حرب أودت بحياة عشرات الآلاف منذ عام 1984.
السلام قد يفتح باب التنمية في جنوب شرق تركيا
أما اقتصاديًا، فقد ترك النزاع عبئًا ضخمًا على المناطق ذات الأغلبية الكردية في جنوب شرق تركيا.
وكانت الحكومة التركية قد أعلنت في نهاية 2024 خطة تنمية إقليمية بقيمة نحو 14 مليار دولار تستهدف تقليص الفجوة الاقتصادية بين جنوب شرق البلاد وبقية المناطق.
وإذا أصبح وقف الصراع دائمًا، فإن تحسن الوضع الأمني يمكن أن يزيد جدوى الاستثمار في الصناعة والزراعة والسياحة والطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى خفض النفقات الأمنية المرتبطة بعمليات مستمرة منذ عقود.
ومن ثم قد يكون للسلام عائد اقتصادي يتجاوز بكثير قضية إعادة دمج المقاتلين نفسها.
انعكاسات مباشرة على سوريا والعراق
إقليميًا، يمتد تأثير الاتفاق إلى العراق وسوريا. فجزء كبير من عناصر حزب العمال يوجد في شمال العراق، وقد يسهم نجاح العملية في تعزيز العلاقات التركية العراقية.
وفي سوريا، قد يسهل تفكيك الحزب جهود دمشق لدمج المناطق التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية ضمن هياكل الدولة الجديدة.
وبالتالي فالتسوية التركية ليست ملفًا محليًا فقط، وإنما يمكن أن تعيد ترتيب جانب من العلاقات الأمنية والسياسية في المثلث التركي العراقي السوري.
نجاح تاريخي محتمل أو عودة إلى سيناريو 2015
في النهاية، يمثل القانون الجديد أقوى محاولة منذ سنوات لتحويل إعلان حزب العمال التخلي عن الكفاح المسلح إلى واقع قانوني وسياسي. لكنه لا يزال بداية مسار وليس نهايته.
الاختبار الحقيقي سيكون في التحقق الفعلي من تسليم الأسلحة، إعادة دمج الآلاف من الأعضاء، معالجة المخاوف الأمنية، ثم الاتفاق على الحقوق السياسية والثقافية والقانونية التي بقيت خارج النص الحالي.
وإذا نجحت هذه المراحل، فقد تحقق تركيا مكسبًا مزدوجًا:
إنهاء أحد أطول نزاعاتها الداخلية وفتح جنوب شرق البلاد أمام دورة أوسع من الاستقرار والاستثمار والتنمية.
أما انهيار الثقة بين الأطراف، فقد يعيد تكرار تجربة محاولات السلام السابقة، وأبرزها المسار الذي انهار عام 2015.






