محمد كامل خضري يكتب: الشيخ طه!
الجيران يتبركون به رغم أنه لايتكلم إلا بعض همهمات كهمهمات طفل رضيع أو إنسان بدائى ،أنجب عم عبد الوهاب وزوجته إبنهما الشيخ طه على كبر"ولدة عواجيز "

صورة تعبيرية (وسائل التواصل)
فى حينا القديم فى ذلك الزمن البعيد حيث البسطاء والبشر يعيشون على هامش الحياة معظمهم من أصول ريفية جذبتهم بيئة العمل فى السد العالى براتب نصف شهرى (بالمدة)
حيث الراتب كل أسبوعين فى سابقة لم يكن يعرفها الفلاح المصرى الذى كان ينتظر حصاد القمح وجنى القطن للحصول على المال.
تأجيل مفاوضات سويسرا يضع التفاهم الأمريكي الإيراني أمام اختبار جديد
نقاد ومبدعون يحاورون مشروع سعد القرش
كنت أعود من المدرسة متسكعا مرورا ببيت مدبولى
الذى رأيته ذات مرة ووقفت أتفرج كما الناس وهو يتشنج متمدداً على الأرض ويتمرغ فى التراب ويرفص برجليه ويديه ويرغى ويزبد وتخرج الرغاوى من فمه.
الناس حوله ملمومة تحاول أن تسيطر عليه ويقولون أنه كان قاعد على المصطبة فى أمان الله فجأة حدث ماحدث ،فأجد من يقول حد يكبر له فى ودانه ياأخوانا.
وواحد يقول…آدان…آدان…وواحد يقول حد يقرأ له تبارك أو حد يجيب شوية مية علشان نفوقه.
وواحد يقول حد يجيب بصلة نكسرها ونشممه ويستمر الحال هكذا لبعض الوقت حتى إذا خارت قواه وإرتخت عضلاته بدأ فى الإنتباه والفوقان وهو مترب الثياب والوجه وهو فى حالة ذهول مما يرى حوله من تجمع للرجال والنسوان والعيال!
كان لنا جار إسمه عم عبدالوهاب البنا
لديه نصف دستة من البنين وبنت كبيرة متزوجة وأصغر الأولاد طه كنا نسميه الشيخ طه ويعتبره الجميع ولى من أولياء الله الصالحين.
كان لسانه طول النهار مدلدل وخشمه مفتوح طول الوقت والريالة لاتنقطع عن السيلان ويداه منثنيتان طول الوقت.
الجيران يتبركون به رغم أنه لايتكلم إلا بعض همهمات كهمهمات طفل رضيع أو إنسان بدائى ،أنجب عم عبد الوهاب وزوجته إبنهما الشيخ طه على كبر”ولدة عواجيز “!
من ذكرياتى فى ذلك الحى
أن من كان إبنها الرضيع يتأخر فى المشى تنصحها النسوة بأن عليها ندراً يجب أن توفيه فتسمع للنصيحة وتأتى بصحن فتة كبير تملأه برز بلبن تأتى به ساخنا وهو مغطى وإبنها الكسيح مربوط من رجليه بخوص نخيل ومعقود حجر ثوبه.
تنتظر خروج المصلين من صلاة الجمعة ومع تكرار الحالة أسبوعياً مع آخرين كنا نحن الأطفال بقرون إستشعارنا قد رصدنا ذلك فكنا نصلى فى مدخل المسجد.
فإذا نطق الإمام التسليمة الأخيرة هرعنا إلى ذلك الطفل وثباً نتسابق لفك وثاقه ورباط حجره لنغنم مابه من حلوى وفول سودانى.
ونثب إلى صحن الرز أبولبن غير مبالين بالبخار الذى يتصاعد منه ونحن نغرس أكفنا فى الصحن وندبها فى أفواهنا مسرعين إلى غَرْفة أخرى..
هكذا يتم الأمر غير مبالين بالحرقة التى فى الجوف ولا ببعض مايكون قد تساقط على أذرعنا وأقفيتنا من الرز الساخن إثر الزحام والتدافع.
هكذا تكون أم الكسيح قد وفت بالندر والذى لو أطعمته لطفلها على مدار الأيام لوقف على رجليه وأخدها جرى!
رغم أنى أحب الهندسة وعلوم الرياضيات
لكن العلوم الطبية من العلوم المهمة لحياتنا اليومية وصحتنا العامة قد أفادتنى دراستى لها كثيرا فى حياتى اليومية.
وعرفت أن ماكان يعانى منه مدبولى هو نوبة صرع وأن هناك نوبة صغرى بسيطة لها أعراضها ونوبة صرع كبرى قد تودى بحياة صاحبها ويسميها الناس الآن كهربة زيادة فى المخ وهى بالفعل كذلك.
إذا ليس هناك عفريت كان لابس صاحبنا مدبولى ولاجنى
أما الشيخ طه فهو طفل كان يعانى من إعاقة عقلية تنشأ بسبب زواج الأقارب أو تناول دواء أو شئ ما غير مسموح خلال شهور الحمل الأولى.
أو نتيجة الإنجاب فى سن متأخرة فتحدث حالة تشوه للجنين ينشأ عنها أصحاب الإعاقة.
فيأتى المولود ليس سيفا من سيوف الله ولا ولى من أوليائه يُتبرك به ولكنه طفل معاق يستحق الشفقة والرفق وكان الله فى عون أهله.
أما أم الكسيح فإبنها كان يعانى من سوء تغذية ولين عظام فأصبح كسيحا لايقدر على المشى !
هذه كل الحكاية
العلم يفسر لنا مانجهل ولايُفسر المجهول الجهلاء بجهل جديد، العلم نور.
إن لم تحصل بسببه على وظيفة فيكفى أنه ينير المناطق المظلمة فى حياتك.
كانت حكاياتى هذه مسرحها تلك البلاد فى ذلك الزمن أما فى زمننا هذا فقد يكون إختفى فيها ضحايا الجهل ولكن ظهر فيها جهلاء جدد هم ضحايا أنصاف المتعلمين على صفحات السوشيال ميديا أو النصابين من المستريحين الجدد.
لذا معركة التنوير بالعلم يجب أن تستمر وسحقاً لشعار يعمل إيه العلم فى وطن ضايع وتبت يدا من أطلقه!





