(ياظالمني) قصة قصيرة لمنى شماخ
الصيف الماضي قرر أن تكون هذه هي السنة الأخيرة التي يقضيها بعيدا عن أبنائه ،لاأذكر كم مرة اتخذ فيها هذا القرار ..حتما سيعود، ولكن كيف

الكاتبة منى شماخ و بعض إصدارتها في معرض الكتاب
السادسة صباحا..عليّ أن أوقظ الأولاد
بدأت بميس التي تنام إلى جواري ، اعتادت ذلك منذ سفر أبيها إلى الخليج منذ..
ياااه لم أعد أتذكر، أكثر من عشر سنوات، لم تكن ميس أتمت عامها الأول، عمر كان 3 سنوات ، أما شريف فكان يبدأ خطواته الأولى إلى المدرسة.
الصيف الماضي قرر أن تكون هذه هي السنة الأخيرة التي يقضيها بعيدا عن أبنائه ،لاأذكر كم مرة اتخذ فيها هذا القرار ..حتما سيعود، ولكن كيف؟
في كل مرة يقضي اجازته بحثا عن عمل يحفظ لنا حياة كريمة ثم يتبدد حلمه ويرحل .
أفقت من شرودي على نداء عمر وشريف : ماما ..حنتأخر
انطلقت مسرعة أعد السندويتشات للإفطار والمدرسة..اليوم لدي موعد هام في جمعية حقوق المرأة، سألقي كلمة عن الظلم الواقع على المرأة في مجتمعنا..
فتحت الراديو أستمع إلى أخبار الصباح ، ربما أجد مايساعدني في كتابة الكلمة :
“انهيار عقار مكون من 5 طوابق، ووفاة أكثر من 9 أفراد ، وجاري رفع الأنقاض والبحث عن المفقودين..
قبل أن أستكمل تفاصيل الخبرسمعت ضجيجا آتيا من المنور:
صوت رجالي أجش يكيل الشتائم والتهديدات ..بكاء أطفال يمتزج به صوت امرأة تدعو بهلاك الظالم ،وتنذره بانتقام الله :
– حسبي الله ونعم الوكيل ،أشوف فيك يوم يا ظالم يامفتري.
لاشك أنه البواب يتشاجر مع زوجته، سأذكر ذلك في كلمتي وأؤكد على وحشية الرجال في التعامل مع زوجاتهم خاصة هؤلاء الذين لم يحصلوا على قدر كاف من التعليم .
أتممت عمل السندويتشات بسرعة ..كل شئ جاهز الآن ..نزل الأولاد وانطلقت إلى الشرفة أطمئن على ركوبهم أتوبيس المدرسة وأكمل متابعة أحداث المشاجرة التي انتقلت إلى الشارع .
الصوت الأجش لم يكن صوت البواب لكنه صوت “هاني” جارنا الذي نصب نفسه مديرا لشؤون العمارة، كان يوبخ حسين البواب لأنه أهمل غسيل سيارته واهتم بسيارة الساكن الجديد، ثم أصدرحكمه بأن يترك “حسين” عمله في العمارة وهدده بأنه “حيلبسه قضيه” لو لم يستجب، كانت زوجة حسين هي صاحبة الدعوات الممتزجة ببكاء الأطفال.
باقي من الزمن 5 ساعات على اجتماع الجمعية ..
مازال أمامي وقت ..فلن أفعل شيئا سوى الكتابة.
دق جرس الباب..كانت أم سعيد: امرأة في العقد الخمسين تعاونني في أعمال المنزل ….
كانت في حالة ثورة -على غير عادتها- لاشك انها تعرضت لظلم ذكوري .
– مالك يا أم سعيد؟ مين زعلك؟
– مرات ابني ولدت امبارح ، وقال إيه عايزة تسمي الواد على اسم أبوها، وابني كان حيوافقها، لولا وقفت له ، وقلت له لا حتبقى ابني ولا أعرفك.
عايزة تمشي كلامها عليه، ياخسارة تربيتي ، ماهو أنا ماخلفتش راجل .
طول عمرنا عارفين إن الست ، تفتح بقها تاكل وتشرب وبس، مش عايزة يبقى لها كلمة في البيت كمان، مالها هي تسمي ولا متسميش هو احنا ناقصينها؟!!
مش كفاية قعدوا أبو السعيد من الشغل ، سرحوه هو وكل اللي معاه، حيبيعوا المصنع اللي قضوا عمرهم كله شغالين فيه .
تركتها لأرد على الهاتف: صديقتي أميرة تؤكد على موعدنا في العاشرة للذهاب إلى مدرسة الأولاد وتذكرني بالشكوى التي وعدت بتقديمها معها بشأن مدرسة العربي التي صفعت ابنتها.
لم تكن الحادثة الأولى، الأسبوع الماضي كادت تذهب بعين طالبة أخرى عندما ألقت بالكشكول في وجهها.
أخذت صديقتي تتحدث عن عنف المدرسين، وتذكر الحالات المشابهة التي نتج عنها عاهات مستديمة لأطفال أبرياء، وذكرتني بحادثة المدرسة التي قصت شعر طالبة ..
لم يكن لدي من الوقت ما يسمح بمشاركة صديقتي قراءة أخبار الحوادث تلك، خصوصا اني لم أجد بينها ما يرتبط بموضوع محاضرتي.
دق جرس الباب ليقدم لي فرصة ذهبية لإنهاء المكالمة.
– صباح النور ، أهلا وسهلا
كانت تلك عبارات الترحاب التي قابلت بها جارتي (زوجة أ.هاني صاحب الصوت الأجش) وفي الحقيقة لم تكن تحمل شعورا بالترحاب بقدر ماتحمل حب استطلاع ممتزج بغيظ من تلك الزيارة المفاجئة في وقت غير مناسب تماما ومن جاره لم تربطني بها مودة سابقة.
طلبت من أم سعيد فنجانين قهوة (على أمل ان تعتذر جارتي بأنها مستعجلة)،لكنها لم تفعل!
– آسفة اني جيت من غير ميعاد ، لكن عايزة أطلب منك حاجة وعارفة انك أكيد مش حترفضي.
أنا: – تحت أمرك
هي:- جوزي، استغنوا عنه، رفدوه يعني، شركة السياحة اللي اشتغل فيها 20 سنة استغنت عنه علشان تخفض نفقاتها، شفتي ظلم أكتر من كده ؟ مش يراعوا إن عنده أسرة ووراه التزامات؟ هو قطع العيش حاجة سهله كده؟ بقى له شهر قاعد في البيت يلف حوالين نفسه ، دورعلى شغل في كل مكان، لكن انتي عارفه حال البلد، فياريت لو الباشمهندس يشوف له حاجة في الخليج.
شربنا القهوة ووعدتها بأن أكلم “الباشمهندس”.
أميرة صديقتي على الهاتف مرة اخرى،هذه المرة كان صوتها حزينا، أخبرتني بعدولها عن تقديم الشكوى ضد المعلمة ، شعرت بارتياح لتخلصي من هذه المهمة ، لم أرغب في معرفة السبب، لكنها أخبرتني به:
– المدرسة مع أخوها في المستشفى لأنه حاول الانتحار بعد ما اترفض في اختبارات السلك الدبلوماسي لأنه “غير لائق اجتماعيا”.
لم أجد ما أقوله، ولم تنتظر أميره ردي..
سأنزل الآن ، ربما تكون الجمعية مكانا أفضل للكتابة
الزحام المعتاد ..السيارة لا تكاد تتحرك .. يمكنني التفكير فيما سأقوله عن حقوق المرأة ،سأبدأ بحقها في التعليم، للفتاة الحق في ..قطع حبل أفكاري ذلك الطفل الذي يتجه نحو سيارتي وفي يده عقود فل يشير بها لي لأشتري بعضا منها..اقترب مني محاولا وضع أحدها داخل السيارة ،لسوء حظه تحركت السيارات فانطلقت مسرعة لأتجنبه ..ولحسن حظي كانت سرعتي كافية لأتفادى نظراته النارية وأتخطى بقية رفاقه الذين انتشروا بين السيارات في محاولات فاشلة لبيع ما يحملونه من عقود الفل.
سرت عدة أمتار لأتوقف مرة أخرى ،على جانب الطريق أكوام من القمامة يظهر في وسطها شبح انسان يقلب فيها ..بدت على وجهه السعادة وهو يفتح لفافة من الورق ويلتهم ما بداخلها من طعام ..اقتربت أكثر لم أتبين ملامحه ولم أعرف جنسه، أو سنه !!!!
وصلت الجمعية وبدأت كتابة محاضرتي عن الظلم الواقع على ..
ظهرأمامي وجه الطفل بائع الفل .. البواب وأسرته.. جارنا وزوجته.. مدرسة أبنائي وأخيها..
أبو سعيد وعمال المصنع..سكان العمارة المنهارة..شبح الانسان الذي يبحث عن طعام وسط القمامة.
رابط المقال المختصر:





