مقالات
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

محمد فرحات يكتب: سيزيف المصري إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول (8-8)

جاءت الفرصة لطلب المغفرة من الشعب، فانقض الهلباوي على القاهرة مدافعًا عن الورداني، يصول ويجول، ويبدأ من دنشواي قائلًا:

مشاركة:
حجم الخط:

الخروج عن السياقات المألوفة ومنطقها الصارم، وأيضًا التخلي عن قيم الطبقة التي انتمى إليها، واللهاث وراء قيم أخرى لطبقة جديدة، كانت من أسباب مأساة الهلباوي وسقوطه المدوي؛ ليمثل بحق دور البطل التراجيدي في التاريخ المصري الحديث.

والمأساة دائمًا قادمة من الداخل؛ صراع القيم الطبقية وبناء هرم الأولويات، لتطفو سريعًا في صورة القرارات، ليتخفى القدر مرتديًا زي الصدفة، قابضًا على خنجره المسموم للانقضاض على المصائر.

سيزيف جديد يصعد للقمة، لتنقض به صخرة الاختيار إلى السفح بلا هوادة، يُكبل بقيد سرمدي أبدًا. الهلباوي يحاول التبرير والتكفير عن خطيئته، وهذا الشعب الطيب لا يريد النسيان ولا الغفران.

محمد فرحات يكتب: مشانق دنشواي المضادة “إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول” (7) 

محمد فرحات يكتب: إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول (6)

“جلاد دنشواي” اللقب الذي طارد صاحبه

سقط الهلباوي سقوطًا مدويًا، وأطلق عليه الشيخ عبد العزيز جاويش، محرر جريدة الحزب الوطني “اللواء”، لقب “جلاد دنشواي”

وحينما أراد حسين باشا رشدي، وزير الأوقاف، مقابلته لمشورة قانونية، صاح السائق:

“هي وصلت يا باشا إنك تروح بيت الهلباوي؟! أنا ما أروحش ولو قطعت رأسي!”

كسدت أحوال الهلباوي كمحامٍ، فأغلق مكتبه، وعاش بين ضيعاته وأملاكه بالبحيرة، يعاني الندم والحسرة. عُرض عليه منصب مستشار بمحكمة الاستئناف، ولكن قبوله كان سيؤكد ما اتُّهم به من قبض ثمن مرافعته ضد الفلاحين، فرفض المنصب.

اغتيال بطرس غالي فرصة البحث عن الغفران

وفي عام 1910 يطلق شاب رصاصاته الست أمام وزارة الحقانية، فتصيب رصاصتان رقبة بطرس غالي باشا، رئيس الوزراء، الذي نطق قبل أربع سنوات بحكمه على فلاحي دنشواي، فترديه قتيلًا.

وكانت أول حادثة اغتيال سياسي في مصر. وكان إبراهيم الورداني، الصيدلي دارس الصيدلة والكيمياء في سويسرا وإنجلترا، وعضو الحزب الوطني، ومؤسس منظمة سرية تتبنى مبادئ الأناركية، أول مرتكب لجريمة اغتيال سياسي في مصر.

وكان من أول دوافعه أن بطرس غالي كان رئيسًا للمحكمة المخصوصة التي حكمت على فلاحي دنشواي.
ليصحو الهلباوي على غناء الفلاحات في عزبته بالبحيرة:

“يا ميت صباح الفل على الورداني”

جاءت الفرصة لطلب المغفرة من الشعب، فانقض الهلباوي على القاهرة مدافعًا عن الورداني، يصول ويجول، ويبدأ من دنشواي قائلًا:

“إحدى الفواجع الكبرى التي رُزئت بها مصر كانت بلا قانون، بلا نصوص، وكانت مخالفة صريحة للعدالة البشرية”
ويقول:
“إن المصريين كرهوا جميعًا هذه المحكمة واحتقروا كل من شارك فيها، كقاضٍ أو مدعٍ عمومي”

ثم أخذ في الاعتذار وطلب المغفرة:

“لسنا هنا في مقام التوجع ولا الدفاع عن أنفسنا، ومع ذلك فإننا نستطيع أن نؤكد أننا احتُقرنا من الشعب، كما احتُقر أي قاتل أو مرتكب إثم، دون أن يقدر مواطنونا الظروف التي تصرفنا فيها.

إننا جئنا هنا للدفاع عن الورداني، ومن أجل هذا وجب علينا أن نتنكر لذواتنا… وأن نغفر كل ما وجهه إلينا مواطنونا. اللهم إنا نستغفر مواطنينا عما وقعنا فيه من أخطاء”

طلب الهلباوي العفو والمغفرة من شعبه، وكُسرت رقبة الورداني بحبل شانقيه.

واستحوذ سعد زغلول على وزارة الحقانية (العدل) في التشكيل الوزاري الجديد عام 1910 برئاسة محمد سعيد باشا، الذي خلف بطرس باشا غالي.

ومات شقيقه فتحي زغلول، عضو محكمة دنشواي، على فراشه، ولم يغفر الشعب الطيب للهلباوي، وتتسع الهوة بين فرسي الرهان إلى الأبد.

الشعب لا ينسى ولا يغفر

نسي الشعب كل شيء ولم ينس سقطة الهلباوي؛ لأن الشعب لم يعشق، وعلى مدار التاريخ إلى اليوم، محاميًا كعشقه الهلباوي قبل سقطته، لأن من أحب بقوة ضرب بقوة أيضًا.

لم يقنط الهلباوي من مغفرة شعبه، وظل يدافع عن المتهمين في القضايا الوطنية، دافع عن محمد بك فريد، ودافع عن الصحفيين ضد قانون المطبوعات المكبل للحريات، ودافع عن مغتالي السير لي ستاك، سردار السودان، ودافع عن من حاولوا اغتيال اللورد كتشنر، المفوض العام البريطاني.

وفي بداية كل مرافعة يطلب المغفرة:

“أديت واجبي كمحامٍ في قضية دنشواي، نظرت للأوراق، كما أني الآن أقوم بواجبي كمحامٍ وأنظر للأوراق. نعم أخطأت في تقدير الموقف، ولكن أما من نظرة عطف وعفو…؟”

كلما اقترب من القمة أعادوه إلى السفح

تقف له سادية الشعب المحب، المفجوع في محبته، بالمرصاد. يؤسس مع لطفي باشا السيد حزب الأمة، ويتصدى للخطابة، وتنصت الجماهير لروعة منطقه. تعود الثقة للمعذب ويعلو بحجره حتى يصل لقمة الجبل، تحدثه نفسه بآمال العفو، فينبت شاب من أطباق الأرض ليطير حمامة “رمز مذبحة دنشواي” في صوان الاجتماع الجماهيري ويهتف:

“يسقط جلاد دنشواي!”

ليصبح الهلباوي هدفًا لثمار الطماطم المعطوبة والبيض الفاسد، ويسقط سيزيف من شاهق القمة إلى قاع السفح المظلم.

استبعاد الهلباوي من الوفد قبل ولادته، “لايؤتمن” جرح لايندمل

تتملك الهلباوي روح القنوط واليأس، تموت زوجته، ويهجره ابنه الوحيد. وفي خريف عام 1918، حينما لاحت بشائر نصر الحلفاء.

اجتمع كل من الهلباوي وسعد زغلول ولطفي السيد، وناقشوا فكرة تشكيل وفد يطالب باستقلال مصر بعد انتهاء الحرب، وتم عرض أسماء الوفد المصري لمؤتمر الصلح بفرساي على مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون. وكان الاجتماع بقصر الأمير عمر طوسون.

يقول الهلباوي في مذكراته، والحسرات تتقاطر من كلماته:

“قُدم كشف لسمو الأمير وفيه اسمي، فلم يصادف قبولًا من سموه، محتجًا بأن الذي قام بالدفاع في قضية دنشواي خدمة للإنجليز لا يؤتمن على أن يكون بين القائمين بخدمة
الأمة ضد الإنجليز!”

يتبرع بكل ما يملك للوفد

يُنفى سعد باشا زغلول، ومحمد باشا محمود، وإسماعيل باشا صدقي، وحمد باشا الباسل إلى مالطة، وتشتعل الثورة في كافة أرجاء المحروسة مطالبة بالاستقلال.

يتبرع الهلباوي بخمسمائة جنيه للجنة الوفد، وهي كل ما يملك من سيولة وقتها، ويترجاه علي باشا شعراوي، وكيل الوفد، بالاحتفاظ لنفسه ببعض المال، لعلمه بما يعانيه من أزمة
مالية، فيرفض ويصر على التبرع بكل المبلغ.

أول إضراب للمحامين

وينظم الهلباوي أول إضراب بنقابة المحامين، فتنتشر حركة الإضرابات بعد ذلك في شتى هيئات مصر الرسمية والأهلية، بما في ذلك المحاكم والمصالح الحكومية والسكك الحديدية، أسوة بإضراب المحامين بقيادته.

الثورة تهتف لسعد… وتهتف ضده

تشتعل الحناجر وتموج المظاهرات في كل مدن مصر وقراها، مرددة اسم سعد زغلول ومصر. هو القدر يا هلباوي، ماذا كان عليك لو انتظرت هذا القطار البائس؟ أكانوا يهتفون باسمك أنت؟!
يكتب الهلباوي في مذكراته:
“اجتمع جميع أعضاء لجنة الوفد المركزية في بيت الأمة، وقد كنا نحو السبعين عضوًا، وذهبنا إلى دار البطريركية بالدرب الواسع لتقديم واجب المعايدة لإخواننا الأقباط.

كان ركبنا مكونًا من نحو ثلاثين عربة تجري متتابعة، وكانت الشبيبة من طلبة وصناع على جانبي الطريق تحيي هذا المشهد الرائع، الذي هو صورة من صور الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط… إلا عربتي، فكانت تحيتها نداء بسقوطي ونعتي بالخيانة الوطنية”

الانحياز إلى عدلي يكن

ينسحب الهلباوي من لجنة الوفد المركزية، ويشتد الخلاف بين عدلي باشا يكن وسعد باشا زغلول، لتنقسم الأمة إلى سعديين وعدليين، وينحاز الهلباوي لعدلي يكن، ويؤسس معه حزب الأحرار الدستوريين عام 1922.

النهاية

وفي عام 1930، يصبح شيخًا سبعينيًا مهدّمًا، هرمًا، مفلسًا تمامًا، يُحجز على أطيانه، وتُرفع عليه دعوى طرد من منزله، الذي لم يعد يملك سواه.

يدخل الهلباوي قاعة المحكمة مستندًا على أحد تلامذته، يترافع مرافعته الأخيرة، والدموع لا تغادر عينيه الواهنتين، يخاطب عطف وعدالة المحكمة متوسلًا:

“انهزمت في كل بقعة من أرض، وكانت المحكمة ساحة انتصاري دائمًا، وإذا طُردت من داري فلن يُكتب عليّ التشرد، فالمحكمة داري التي بنيتها بسني شبابي وجهادي”

ليبكي القضاة وكل من حضر الجلسة، ويحكم له بالبقاء في منزله منتفعًا به حتى آخر عمره.
لا يكف الهلباوي عن طلب العفو والمغفرة، وتظل قسوة الشعب لغزًا عسيرًا على الفهم.

يموت البطل التراجيدي أخيرًا عام 1940، وهو ابن الثالثة والثمانين.

ماذا تبقى من الهلباوي

وتظل صورته كأول نقيب للمحامين (ديسمبر 1912) على طابع هيئة البريد المصري التذكاري، ويصيح كمسري أتوبيس خط النيل منبهًا ركابه في الرواح والغدو: “الجراج… محطة الهلباوي”.
وقصيدة شعر لحافظ إبراهيم يهجو فيها الهلباوي:
لا جرى النيل في نواحيك يا مصر
ولا جادك الحيا حيث جادا
أنت أنبت ذلك النبت يا مصر
فأضحى عليك شوكًا قتادًا
إيه يا قدرة القضاء ويا من
ساد في غفلة من الزمان وشادا
أنت جلادنا فلا تنس أنا
قد لبسنا على يديك الحدادا

شارك المقال: