محمد الروبي يكتب: ماذا لو وجدتُ الباب؟ ذلك هو السؤال
نحن أيضًا نعيش، كما عاش ترومان طوال الفيلم، وسط أشياء شديدة الشبه بالأشياء.

الباب
في كثير من الأحيان، أتوقف أمام حدثٍ ما يمر بي، أو موقفٍ أجد نفسي داخله، وأتأمله طويلًا، ثم أسأل نفسي، بشيء من القلق:
هل أنا ترومان؟
و”ترومان” الذي أقصده هو بطل فيلم The Truman Show، ذلك الرجل الذي يعيش حياة تبدو عادية تمامًا.
يستيقظ في الصباح، يحيي جيرانه، يذهب إلى عمله، يعود إلى بيته، يلتقي زوجته وصديقه، ويعيش أيامه داخل مدينة هادئة جميلة، لا يبدو فيها شيء يستحق الريبة.
المدينة مدينة، والبيت بيت، والزوجة زوجة، والصديق صديق، والسماء سماء.
لكن الصدمة تأتيه من حيث لا يحتسب، فيكتشف أن المدينة التي يعيش فيها ليست، في حقيقتها، سوى ديكور هائل.
الجيران ممثلون، والزوجة ممثلة، والصديق ممثل.
حتى السماء التي ينظر إليها كل صباح لم تكن سماء، بل سقفًا ضخمًا يخفي خلفه الكاميرات.
والأكثر قسوة أن الفيلم لا يجعل العالم الذي يعيش فيه ترومان قبيحًا أو مشوهًا.
على العكس.
إنه عالم جميل، مرتب، آمن. شوارعه نظيفة، وبيوته أنيقة، وجيرانه يبتسمون دائمًا.
محمد الروبي يكتب: رغم الوجع للحروب فضائل
ثم، فجأة، يبدأ كل شيء في الانزياح.
العالم الذي كان ثابتًا في مكانه يفقد يقينه.
والحياة التي بدت واضحة تمامًا تبدأ في كشف شقوقها.
وهنا تكمن، في رأيي، إحدى أعظم أفكار الفيلم.
فالكذبة لا تنجح إلا حين تشبه الحقيقة إلى الحد الذي يصبح معه التمييز بينهما صعبًا.
والحقيقة أن هذه هي النقطة التي تجعل الفيلم يعود إليّ، مع مواقف بعينها تكشف لي زيف ما كنت أظن.
فنحن أيضًا نعيش، كما عاش ترومان طوال الفيلم، وسط أشياء شديدة الشبه بالأشياء.
لدينا حب يشبه الحب، وصداقة تشبه الصداقة، وغضب يشبه الغضب، وحزن يشبه الحزن.
ربما كان الفارق بيننا وبين ترومان أنه لم يكن يعرف أن هناك كاميرات تراقبه.
أما نحن، فنعرف.
بل نحمل الكاميرات بأيدينا.
نعرف أننا مراقَبون، ونشارك في صناعة العرض.
نعيش اللحظة، ثم نخرج منها قليلًا لنصورها.
نضحك، ثم نبحث عن الصورة التي بدا فيها ضحكنا أجمل.
نسافر، ثم نقضي جزءًا من الرحلة في إثبات أننا سافرنا.
نحب، ثم نبحث عن الكلمات التي تجعل الآخرين يرون حبنا.
وكأن الشيء لا يصبح حقيقيًا إلا إذا شاهده أحد.

وربما لهذا لم نكن تمامًا مثل ترومان.
ففينا بعض من ترومان، وبعض من الرجل الذي صنع عالم ترومان وأخرجه وتحكم فيه من وراء الكاميرات.
نحن نعيش حياتنا، ثم نخرج منها قليلًا لنقف خلف الكاميرا ونشاهد أنفسنا.
نعيش المشهد، ثم نعيد إخراجه.
وهكذا صار سؤالي الأكبر:
إلى أي حد نعيش حياتنا فعلًا؟
هل هذه رغباتنا حقًا، أم أنها صُنعت في مكان ما ثم وُضعت داخلنا؟
هل هذه اختياراتنا، أم أننا نسلك الطرق التي جُهزت لنا سلفًا؟
هل نحب لأننا نحب، أم لأننا تعلمنا شكل الحب؟
هل نحزن لأننا حزانى، أم لأننا نعرف كيف يبدو الحزن؟
كان ترومان يكتشف عالمه تدريجيًا.
تفصيل صغير لا يستقيم.
كلمة تقال في غير موضعها.
شخص يعرف عنه ما لا ينبغي أن يعرفه.
ومع كل علامة، يبدأ الشك.
والشك، في الفيلم، هو بداية الحرية.
ففي لحظة من أجمل لحظات الفيلم وأكثرها حزنًا، يصطدم قاربه بالجدار، ليكتشف أن الأفق لم يكن أفقًا، وأن السماء لم تكن سماء، وأن العالم الذي عاش فيه طوال عمره كانت له نهاية.
ثم يجد الباب.
بابًا صغيرًا.
خلفه العالم الحقيقي.
عالم لا يعرف عنه شيئًا.
قد يكون قاسيًا.
وقد يكون مؤلمًا.
وقد يكون أقل جمالًا من ذلك العالم المرتب الذي عاش فيه.
لكنه كان حقيقيًا.
وربما هذا هو الفرق بين ترومان وبيننا.
ففي نهاية عالمه كان هناك باب.
وحين وجده، خرج منه ليواجه، بشجاعة، واقعًا لا يعرف عنه شيئًا.
أما نحن، فلا نعرف دائمًا أين تنتهي الجدران.
ولا نعرف أين أخفوا الباب.
والأكثر حزنًا أننا، حتى لو وجدنا الباب، قد لا نمتلك الشجاعة الكافية للخروج منه.
وهكذا، كلما وجدت نفسي أمام اختبار أربكني، وكلما بدا الواقع لي أكثر غرابة مما ينبغي، يعود إليّ الفيلم من مكان بعيد.
ويعود معه السؤال الذي لا أعرف إن كنت أريد حقًا أن أجد له إجابة:
هل، إذا وجدتُ الباب، أمتلك الشجاعة، كما امتلكها ترومان، لأن أخرج؟






