ماسبيرو أزمات لا تنتهي وحقوق ضائعة وإعلام غائب (1-4)
في فبراير 2022 وبعد احتجاج العشرات من العاملين في ماسبيرو من مختلف القطاعات، أصدر المحتجون بيانًا طالبوا فيه، بضرورة إعادة جدولة ديون ماسبيرو، لدى بنك الاستثمار القومي

معاشات ماسبيرو والبحث عن الحقوق الغائبة
إعداد: منى عبيد
تواجه الهيئة الوطنية للإعلام «ماسبيرو» عاصفةً من الأزمات المالية والإدارية، بعد سنواتٍ طويلة من تراكم الديون والخسائر، التي ألقت بظلالها على حياة العاملين داخله؛ رواتب تتأخر، علاوات تتجمد، ومكافآت نهاية خدمة تتحول إلى حلم مؤجل، وأعمارٌ تفنى على أمل الاستقرار الوظيفي يومًا ما، ووعود للإصلاح دون أن تترك أثرًا ملموسًا على الأرض.
ماسبيرو، الذي وُلد منارةً للصوت والصورة، صار اليوم كشيخٍ يحمل ذاكرة وطنٍ كاملة فوق كتفيه؛ إدارة أرهقها الترهل، وديون تراكمت كالغبار فوق أرشيفٍ عتيق، وزمنٌ رقميٌّ يركض في الخارج بلا التفات، فيما يحاول المبنى العتيق أن يلتقط أنفاسه قبل أن يفوته الإيقاع.
لم تعد الحكاية أرقامًا في تقارير رسمية، بل صارت وجوهًا متعبة وأسرًا تنتظر، وقلقًا يوميًّا يسكن مكاتب كانت يومًا تصنع البهجة. هنا، في هذا المبنى المطل على النيل، لا يدور الصراع فقط حول مستقبل مؤسسة، بل حول كرامة العاملين فيها، وحقهم في ألا يدفعوا وحدهم ثمن زمنٍ تغيّر كل شيء فيه.

ملف الديون.. أزمات متراكبة
اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري «ماسبيرو»، الذي تحول لاحقًا إلى الهيئة الوطنية للإعلام منذ عام 2016، واجه خلال السنوات الماضية، أزمات مالية متفاقمة، انعكست على وضعه المالي والإداري، تراكمت الديون والخسائر التشغيلية، مما أثر بشكل مباشر على قدرة المؤسسة على تحديث بنيتها التحتية، ومواكبة التطورات في قطاع الإعلام.
الأزمة المالية الحالية، ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى ما يقرب من 25 عامًا، ولعدة عوامل بدأت مع الألفية الثالثة، إذ شهدت إيرادات الإعلانات، تراجعًا ملحوظًا، نتيجة ظهور القنوات الفضائية الخاصة، وتنوع خيارات المشاهدة أمام الجمهور، مما أدى إلى انخفاض كبير في إيرادات القنوات الحكومية. كما انخفضت نسب مشاهدة هذه القنوات بشكل لافت، وهو ما انعكس مباشرة على الإيرادات.
من جهة أخرى، بلغ عدد العاملين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون، نحو 31 ألف موظف، وفقًا لتصريحات حسين زين، الرئيس السابق للهيئة الوطنية للإعلام، في أكتوبر 2022، ما أدى إلى ارتفاع المصروفات التشغيلية بشكل كبير، فضلًا عن بند الأجور، الذي شكل عبئًا إضافيًا على ميزانية الهيئة، خاصة في ظل عدم وجود خطط واضحة لتقليل النفقات أو إعادة هيكلة العمالة بشكل فعّال.
بحسب بيان رسمي للهيئة الوطنية للإعلام، صادر في 20 يناير 2021، بلغ إجمالي الديون المتراكمة على ماسبيرو نحو 42.6 مليار جنيه، والذي جاء في أغلبها فوائد متراكمة على القروض القديمة من بنك الاستثمار القومي، في حين شكل أصل القروض الجزء الأصغر منها.
مخصصات ماسبيرو
جاء البيان ردًا على ما ورد في بيان أسامة هيكل، وزير الدولة للإعلام آنذاك، أمام البرلمان في 19 يناير 2021، بشأن ديون «ماسبيرو» المتراكبة، والأزمات المالية التي يمر بها، وأوضحت الهيئة، أن المخصص المالي الشهري من وزارة المالية 220 مليون جنيه منذ 2013 لم يزيد، ويُستخدم فقط للأجور والبنود الأساسية، دون تغطية زيادات التأمينات أو المعاشات أو العلاوات، ورغم ذلك، تدعم الهيئة هذه الالتزامات بنحو 40 مليون جنيه شهريًا من مواردها الذاتية.
وأكدت الهيئة حينها، أنها لم تقترض من بنك الاستثمار القومي منذ إنشائها، وأن الديون الحالية ترجع لاتحاد الإذاعة والتليفزيون سابقًا، وتبلغ نحو 42.6 مليار جنيه شاملة الفوائد، وتعمل الهيئة على تسوية هذه الديون عبر جدولة مقابل أصول وأراضٍ غير مستغلة، ولا يزال الاتفاق قيد التنفيذ.
وأرجعت الهيئة الوطنية للإعلام، أسباب الخسائر إلى عدة عوامل منها: ارتفاع حجم العمالة، انخفاض إيرادات الإعلانات، والمنافسة الشديدة من القنوات الخاصة، وصعوبات في تطوير البنية التحتية والتحديث التكنولوجي.
وتشير تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات للعام المالي 2022/2023 إلى أن الهيئة الوطنية للإعلام، تكبدت خسائر تشغيلية بلغت 10.6 مليار جنيه، أي ما يمثل نسبة كبيرة من إجمالي خسائر الهيئات الحكومية في نفس الفترة، مما يجعل الهيئة من أكبر الجهات الحكومية الخاسرة ماليًا.
تأثيرات الأزمة متعددة، فإلى جانب الضغط المالي على الموازنة العامة للدولة، هناك تأثير إداري على القدرة على جذب المواهب واستثمار التكنولوجيا، وأيضًا تأثير على المشهد الإعلامي الحكومي من حيث ضعف المنافسة مع الإعلام الخاص أو الرقمي.
في فبراير 2022 وبعد احتجاج العشرات من العاملين في ماسبيرو من مختلف القطاعات، أصدر المحتجون بيانًا طالبوا فيه، بضرورة إعادة جدولة ديون ماسبيرو، لدى بنك الاستثمار القومي، مع تعديل نصوص لائحة الموارد البشرية، التي صدرت في21 أبريل عام 2021 لمخالفة نصوصها للقوانين والحقوق الدستورية وعوارها القانوني في عدم الحصول على موافقة التنظيم والإدارة ووزارة المالية بشأنهما.




