مات الفتوة الغلبان: الشاعر سمير عبد الباقي
عمره ما كان ابو الهول ولا أراجوز ولا طابور خامس في الميدان، ولا عمره وقف على أبواب المكاتب اللى عايش فيها ولاد خالتي مهلبية

صورة للشاعر المصري سمير عبد الباقي (وسائل تواصل)
بقلم: محمد محمد مستجاب
يوجد في مصر الحبيبة شاعر فتوة، من ميت سلسيل دقهلية، عمره يجي سبعة تلاف سنة ويومين، شايل على كتافه الحرية، مش شعار إنما قضية.
في إيده عصا، شمروخ، شومة، بندقية، وشلته كلهم تعبانين وعرقانين وعريانين وحفيانين وجنود تفتح أبواب المدن العصية.
حالف ليبني ليهم هرم بس مايكنش مقبرة، ومش بالكلام ولا بالأشعار ولا بالأحجار.
أنما بالأحلام المستحيلة الابية اللي حالف لتكون يقين.
عمره ما كان ابو الهول ولا أراجوز ولا طابور خامس في الميدان، ولا عمره وقف على أبواب المكاتب اللى عايش فيها ولاد خالتي مهلبية.
والقضية عند سمير عبد الباقي إنه أخد الحرية زوجة وأم وخاله وبنت وعمه.
مع انها دائمًا محبوسة في قصور ولاد الحرامية.
لكن صاحب الشمروخ، العجوز الشاب الشائخ العيل، حالف يمين طلاق ليردها، ليخلعها من غرف نومهم المكيفة، غرف نوم فيها ستاير حمراء وخضراء تمنع أشعة شمسه أن تصل إليهم.
لكن صوته وصلهم، صوته خرم طبلة ودانهم،
“لم يا عم سمير عُمالك، لم عيالك، لم الشحاتين في سلالم المترو وبياعين الفلايتات في الاتوبيسات، وانزل ميدان قلبك المفتوح ماحدش يقدر يقفله، شارك واصرخ.
أنا النبوت، انا الشمروخ، انا يسوع ويوسف ويوحنا أنا الشهيد الحي.
انا اللى دايمًا عروقي النيل وعطشان، أنا اللى بدور مكن العقول والمخ تعبان، انا اللى بسحب ميه القلوب لباقي الجسد التعبان.
أنا اللى عمري مليون سنة، لسه عيل صغير، لسه بحب بنت بضفيرة.
انا اللى ها أبني لها خص، عشة، واخدها في مركب ساعة غروب وابوسها تحت كوبري القناطر بوسة مسروقه لخد زي السمسمية، واحقق الأمنية، وساعتها يرفع رأسه للسماء، يلقي ايد ربه ممدودة بحبال النجاة والحرية.
يا مصر فيكي شاعر حالف ليغزلك فستان من كل خيوط الشمس.
حالف ليعلق كردان في عنقك من كل تراب جبالك.
مالوش قاموس غير نفوس البشر، مالوش معجم غير وشوش وأديم البشر والشوارع اللى فيها ريحة الطرشي والممبار والحبهان والبن المستكوفي.
هو شاعر ياما حاول يسرقوا شمروخوه، يكسروه، عشان كدة اعتقلوه كتير:
أول مرة خمس سينين كانت احلى سنينه الثورية، وكان ساعتها عيل عنده يا دوب عشرين سنة وكام شهر.
وليه يا عم سمير، قال لاصداره جريدة باسم صوت الفلاحين وكان شعارها الأرض والديمقراطية والاستقلال الوطني.
وفي المعتقل ما سكتش، كتب
الثوري بقلمه وشنبه وعيونه وشعره الابيض، الرافض دائمًا أي مهادنات أو ألعاب سياسية بهلوانية.
سمير عبد الباقي يكتب في جميع الاوقات والازمات.
فنحمد الله أن حبر قلمه لم يجف
لذا صنع من دواوينه العديدة نهر متدفق يشرب منه ويرتوي الشغيلة والعرقانين والتعبانين والمعذبين والمحرومين على أرض هذا الوطن.
شاعر لا يدخل في مغامرات لغوية ولا يرهق من يقرأه أو يسمعه.
إنما هو واضح مثل نظرات عينيه، قلبه بسيط وابيض لا يدخل فيه شر.
لذا جاءت كلماته بدون مناورات واستعراض عضلات الشعراء.
ومع أن الكثيرين يلوموه على هذا، ألا انه مصمم على بساطته وطهارته.
لذا كانت كلمات واضحة وقوية تستطيع أن تعالج الجسد المريض، وأن تفك الكلابشات الظالمة.
ترفع الرأس المنحي وتجبر الخاطر المكسور، وتسقي الورد البلدي من نرجس وريحان للغلابة العريانين، وتزيح اشواك التين والخبث والسلطة الغاشمة عن صدورهم.
كتب سمير عبد الباقي بالفصحي والعامية
وهو الشاعر الوحيد الذي كتب للجميع، للكبار والاطفال وللعمال والفلاحين ولمكن المصانع وللشروق وللموت وللصعايدة الشغيلة والشقينين، وللبوابين السمر اللى بيشربوا معسل وشيشة.
لذا كانت كلماته مغروزه في الروح وتخربش العقول وتصرخ في وجه الفرعون.
سمير عبد الباقي الذي يحمل بداخله قلب هو رسول السعادة والابتسام للرقاب المخنوقة، للامة الشائخة العجوزة الشابة المترهلة.
يصبح شعره كالأساطير ويصبح ككلمات ساذجة في دفتر بنت بضفيرة خجلة من أول كلمة حب.
سمير عبد الباقي قلبه هو أكبر لغز، يسكب منه أشعاره وفتوحاته ونضاله الوطني.
في لحظات تشعر انه عظيم وحكيم وبعد شوية تجده مجنون، مهبوش، مهموم.
ومع ذلك لم يرحه الشعر ولم يملأ جيوبه بالقروش مع إنه دائمًا يقوم بحشوهم ورق من دواوينه لذا تعتقد انه ثري وغني.
سمير عبد الباقي الذي غلب حماره في شرح معني الحرية لناس لم تفهم بعد معني الحياة، أو سبب مجيئها لهذه الدنيا.
انه قنديل وشمعه لهم وسط جبال الكحل والتخلف والجهامة.
وهو من عشاق القاهرة وشوارعها وناسها وتاريخها وكنائسها ومساجدها ومتاحفها ومقاهيها فيقول
: باشم ريحة القاهرة باوداني
وأحس حرقة عشقها في لساني
مدينة ساكنة جسمي جلد وعضم
ست المدن: طعم وحضور إنساني، مسممه لى .. جتتي ووجداني.
سمير عبد الباقي أبو حضن واسع استقبل به المهجرين من بورسعيد أيام العدوان الثلاثي.
تدرب على المقاومة الشعبية معهم.
أنه يمارس الكفاح مثل الآكل والشرب.
ولان جدران السجون والمعتقلات لا تستطيع أن تصبح زنزانة للروح والقلب، فقد نضجت موهبته خلالهما.
ولم يكتفي بالشعر فقط بل انه خلال الاعتقال قام بالاشتراك في التمثيل والاخراج والديكور لمسرحيات:
اختام البلد، عيلة الدوغرى، حلاق بغداد، موت بائع جوال، البرجوازى الصغير، قيصر وكيلوباترا،بيت الدمية.
كما شارك في تجهيز وتقديم عروض لخيال الظل والعرائس مع الفنان الكاتب صلاح حافظ للأطفال.
كما أنه مولع بالحكايات والتراث ويستقي منه الكثير من اشعاره.
فلا نستطيع أن ننسي ملحق مجلة صباح الخير الشهير (حكايات صباح الخير)، والذي كتب فيه أكثر من 12 حكاية، منها حكاية سقا – نهر الدموع – وعذراء الربيع ووجه القمر وغيرها من الحكايات.
لقد لعب سمير عبد الباقي الكثير في تكوين وجداننا وذلك من خلال مجلة سمير الشهيرة للاطفال.
بعد أن كانت مجرد مجلة تنقل المواد والرسومات الاجنبية، جعل منها مجلة أطفال مصرية لتلعب دورها في تعريب الوجدان وتحرير ادب الأطفال من سيطرة مفاهيم الغرب على صحافة الأطفال.
سمير عبد الباقي يمارس الشعر على الورق وفي الحياة.
مؤمن بما يكتبه أشد الايمان وان كان هذا – دائمًا يؤدي به إلى التهلكة.
في أعقاب هزيمة 1967، أنتقل للعمل بمدينة السويس رغبة في المشاركة في المقاومة الشعبية والتصدى للهزيمة.
كانت مقاومته ليس بالرصاص فقط بل أيضًا بالكلمات.
أصدر مع آخرين جريدتين هما ( المقاومة الشعبية ) بالتعاون مع اسماعيل فريد وجمال ربيع قائدى المقاومة الشعبية ( الرسمية ) للسويس ولبور توفيق.
وجريدة ( السويس الثقافية ) التي صدرت بالتعاون مع قصر الثقافة.
ويعتبر هذه الفترة التي عمل فيها تحت قيادة قائد المقاومة الشعبية الشيخ حافظ سلامة والكابتن غزالى من اجمل ايام عمره.
واستطيع أن اجزم أن الكابتن غزالى في حينها لم يكن يكتب الشعر وانه بدأ كتابته من خلال احتكاكه بسمير عبد الباقي.
لكن تظل فترة إعتقاله خلال عام 1977 بسبب أحداث يناير من أسعد ايام حياته أيضا.
لأنه كتب خلالها ديوان شعر بالفصحى نشرت معظم قصائده في كل أنحاء لوطن العربى وكان له صدى كبير ومنها
احزان ناصريه من عام الردة، رسائل إلى ليلى العامرية، رسائل غير شخصية، يكبر الأطفال فجأة، وغيرها.
كما كتب مسرحية سهرة ضاحكة لقتل السندباد الحمال.
اتم روايته هكذا تكلمت الأحجار ، وترجم كتابا عن الاساطير الافريقية وكتب عددا من قصائد العامية .
سمير عبد الباقي زوجته ورقة بيضاء، يقوم بتحبيلها بالقصة والحكاية والرواية للصغار والكبار والحكاية الشعرية للأطفال والمقال النقدي والمسرحي.
حفيد وصديق وابن لكل:
من بيرم التونسي وعبد الحميد الديب وفؤاد حداد وفؤاد قاعود وسيد حجاب وصلاح جاهين وعبد الرحيم منصور.
أنه الروح والجسد الحي والشمروخ والضاحك والباكي على أحوال أهل بلده.
فمثل هذا الشاعر يجب أن نفتخر به.
كي نصرخ دائمًا:
أن هذا الوطن ما يزال فيه شاعر فتوة ويستطيع أن يقول تلك الخماسية:
بقر في هيئة بشر وحمير افندية.. ساقوا الهبل في السياسة قضية بقضية .. على الشاشات يحلفوا أن الحكاية بجد.. ولا حد على باله أن الغلطة فنية.. مفتي بدبورة على ( جندورمة ) حرامية!
الان يجب أن نودعه بما يليق به ويليق بالشعر وبالحرية وبهذا الوطن الغالي.
له الرحمة والمغفرة






