مقالات
قطب العربي
قطب العربي

كاتب صحفي

لماذا يبيح الغرب لنفسه امتلاك السلاح النووي ويحرم غيره؟

في ظل الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي وجد الاتحاد السوفيتي نفسه مضطرا لامتلاك نفس السلاح من باب التوازن التسليحي مع غريمه الأكبر الولايات المتحد فتمكن في العام 1949 من امتلاكه،

مشاركة:
حجم الخط:

في منتصف يوليو 1945، وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية أجرت الولايات المتحدة الأمريكية أول تجربة نووية (ترنتي)، واستخدمت هذا السلاح النووي لأول مرة في التاريخ بعد ثلاثة أسابيع فقط، وتحديدا في السادس من أغسطس من نفس العام، حين ألقت قنبلة على مدينة هيروشيما اليابانية، وبعد 3 أيام ألقت قنبلتها الثانية على مدينة نجازاكي، وقد وضعت هاتان القنبلتان نهاية لتلك الحرب العالمية التي استمرت 6 سنوات، بعد أن قتلت القنبلتان 200 ألف ياباني بما يشكل 98% من مجموع سكان المدينتين المنكوبتين، بخلاف تسميم المياه الجوفية في التربة حتى الآن.
كان من المفترض أن تدفع تلك النتيجة الكارثية العالم لتحريم وتجريم السلاح النووي، لكنها على العكس من ذلك فتحت باب السباق الدولي لامتلاك هذا السلاح الفتاك، وفي ظل الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي وجد الاتحاد السوفيتي نفسه مضطرا لامتلاك نفس السلاح من باب التوازن التسليحي مع غريمه الأكبر الولايات المتحد فتمكن في العام 1949 من امتلاكه، ثم حرصت الدولتان الاستعماريتان القديمتان بريطانيا وفرنسا على امتلاك تلك الأسلحة وكان لهما ذلك في 1952، و1960، ثم حازت الصين هذا السلاح في العام 1964، وأصبحت هذه الدول توصف بالنادي النووي، وهي التي احتكرت حق النقض(الفيتو) في مجلس الأمن، لتصبح هي مجلس إدارة العالم.

 حاول هذا النادي النووي إغلاق أبوابه في وجه أي أعضاء جدد، فلجأ إلى شرعنة ذلك من خلال معاهدة دولية بدأ النقاش حولها 1965 وأقرتها الأمم المتحدة عام 1970، لكن ذلك لم يمنع دولا أخرى من حيازة السلاح النووي حيث امتلكته الهند عام 1974، واضطرت باكستان لامتلاكه عام 1998 بهدف تحقيق التوزان مع الهند، كما امتلكته كوريا الشمالية الدولة الفقيرة في 2006 لتستطيع مجابهة غريمتها كوريا الجنوبية المدعومة من الغرب، ناهيك عن امتلاك إسرائيل لأكثر من 250 رأسا نوويا دون إعلان رسمي، وحسب بعض التقارير فإن هناك الآن ما يزيد عن 35 دولة تمتلك اسلحة نووية أو تقنيات نووية متطورة.

لا تبدي العواصم الغربية أي مخاوف من المشروع النووي الإسرائيلي، بل تقاوم أي مساعي لإلزام إسرائيل بالتوقيع على معاهدات الحظر النووي، لكنها في الوقت نفسه تبذل كل جهدها حتى لو وصل الأمر إلى الغزو العسكري لمنع أي دولة إسلامية من امتلاك هذا السلاح، صحيح أن باكستان نجحت في اختراق هذا الحصار، لكن الظرف الإقليمي والدولي، وكذا قدرتها على إخفاء وحماية برنامجها وعلمائها لفترة طويلة ساعدها في اختراق الحصار، والقدرة على إجراء التفجير النووي عام 1998 لتفرض أمرا واقعا على العالم كله، ولكن ما فعلته باكستان رفع حالة الحذر لدى الدول الغربية لمتابعة أي مشاريع نووية جديدة ووأدها في مهدها.
تتيح الاتفاقيات النووية الدولية للدول حق امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية للاستخدام في الأغراض المدنية مثل الطب والهندسة والزراعة والصناعة الخ وفق نسب تخصيب منخفضة لليورانيوم، وتحت رقابة صارمة من هيئة الطاقة الذرية العالمية، ورغم ذلك فإن الولايات المتحدة ومعها بقية الدول الغربية تواجه بشدة أي مشاريع نووية سلمية في العالم الإسلامي رغم أن كل الدول الإسلامية وقعت على اتفاقات حظر امتلاك السلاح النووي.
——-
إيران هي النموذج الأبرز حاليا لهذا الحصار النووي الأمريكي الغربي، وهو حصار يخالف اتفاقيات حظر انتشر السلاح النووي التي تتيح امتلاك الطاقة النووية السلمية، لكننا أمام شريعة الغاب التي تفرض نفسها فوق القوانين والمواثيق الدولية، قبل إيران منع الغرب ليبيا من امتلاك هذا السلاح، وأجبر القذافي على تسليم مفاتيح منشآته النووية كاملة لهم ليقوموا بتدمير كل ما فيها من يورانيوم.
وقبل ليبيا دمر الغرب المشروع النووي العراقي، بل دمروا العراق نفسه بسبب هذا المشروع السلمي، روجت واشنطن كذبة كبيرة عن امتلاك العراق أو قرب امتلاكه للسلاح النووي كمبرر لاحتلاله في العام 2003 رغم تقارير المفتشين الدوليين التي نفت تلك الكذبة، لقد أرادت واشنطن جعل العراق عبرة لغيره من الدول التي تسعى لامتلاك هذه التقنيات النووية.

لم تشأ إيران بعد ثورتها الشعبية، وتخلصها من حكم الشاه الموالي للغرب في العام 1979 أن تظل رهينة القيود الأمريكية والغربية التي تحرمها من التكنولوجيا النووية، ورغم الحصار الاقتصادي الذي فرضته عليها واشنطن والعواصم الغربية ما تسبب في أزمات اقتصادية كبرى إلا أن طهران أصرت على بناء مشروع نووي سلمي، معلنة التزامها بكل المعايير والشروط التي تفرضها الاتفاقات الدولية في هذا الشأن، وفاتحة أبواب منشآتها النووية أمام فرق التفتيش الدولية، بل إن مرشدها الراحل علي خامنئي -وكخطوة لطمأنة الغرب -أصدر فتوى شرعية بتحريم امتلاك واستخدام السلاح النووي في العام 2003، وتم إيداعها رسميا في الأمم المتحدة في العام 2005، لكن كل ذلك لم يكن كافيا لتبديد شكوك الأمريكيين، فدخلت حكومة الرئيس الأمريكي باراك أوباما ومعها خمس دول أخرى (الصين- روسيا- فرنسا- بريطانيا- ألمانيا) مفاوضات مع إيران استمرت 18 شهرا انتهت بتوقيع الاتفاق النووي مطلع أبريل2015، متضمنا العديد من البنود التي تضمن سلمية هذا البرنامج مقابل رفع الحصار الاقتصادي عن إيران.
بعد عام من توقيع الاتفاق النووي وصل دونالد ترامب إلى الرئاسة الأمريكية، وكان من أول قراراته إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، بزعم أنه لم يكن جيدا، وقد استغلت إيران هذا الإلغاء، ومن بعده الضربات الإيرانية لبعض منشآتها النووية في يونيو 2025 وغياب فرق التفتيش لرفع نسب تخصيب اليورانيوم من 3% وفقا لنص الاتفاق إلى 60%، وهي نسبة تظل في إطار المشروع السلمي حيث لا تصل إلى معدل انتاج القنبلة النووية التي تحتاج نسبة تخصيب 90%، لكن نسبة ال60% مثلت ردا إيرانيا على تلك الاعتداءات الأمريكية، وضغطا على إدارة ترامب لقبول العودة للاتفاق النووي، ناهيك عن توسيع خيارات الاستفادة الطبية والصناعية من الطاقة النووية السلمية.
العدوان الأمريكي الإسرائيلي الأخير ضد إيران كان عنوانه الأبرز القضاء على المشروع النووي تماما، والحصول على كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60% (450 كيلو جرام) بخلاف الهدف الثاني وهو إسقاط النظام، وتعيين نظام موالي للأمريكان، لكن رغم الدمار الواسع والذي شمل العديد من المنشآت النووية الذي أحدثته الضربات الأمريكية الإسرائيلية إلا أنها لم تحقق أيا من الهدفين، واضطر ترامب لقبول هدنة لمدة أسبوعين بهدف التفاوض مجددا، ورغم فشل الجولة الأولى إلا أن المتوقع أن تتواصل المفاوضات حتى إنجاز اتفاق جديد لن يبتعد كثيرا عن اتفاق 2015 لكن ترامب سيعتبره انتصارا تاريخيا!
إذا نجحت إيران في تلك المفاوضات في تثبيت حقها في امتلاك مشروع نووي سلمي فإن ذلك سيكون مكسبا لكل دول المنطقة بل لكل الدول الراغبة في الاستفادة من التكنولوجيا النووية السلمية، وسيعيد الاعتبار للاتفاقات الدولية التاريخية حول السلاح النووي والتي تحظر امتلاك السلاح النووي التدميري في حين تسمح بامتلاك الطاقة النووية السلمية، بل إن هذا النجاح -حال حدوثة- سيفتح الباب مجددا لوضع المشروع النووي الاسرائيلي على طاولة البحث والملاحقة الدولية.

 

شارك المقال: