الصحة

لماذا تراجع جيل زد عن الكحوليات وأقبل على أدوية القلق؟

يلجأ بعض الشباب إلى أدوية مثل البريغابالين للتعامل مع القلق الاجتماعي أو الشعور بالاسترخاء، لكن استخدامها من دون إشراف طبي قد يؤدي إلى الاعتماد وأعراض انسحاب ومخاطر صحية خطيرة.

مشاركة:
حجم الخط:

لم يعد الكحول الخيار الوحيد أمام بعض الشباب الباحثين عن الاسترخاء أو التغلب على القلق الاجتماعي. فمع تراجع الإقبال على الشرب بين بعض أفراد جيل زد، ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي سوق جديدة تروّج لأدوية موصوفة طبيًا باعتبارها وسيلة للشعور بالراحة والجرأة في المناسبات الاجتماعية.

لكن وراء هذا الاتجاه مخاطر صحية متزايدة، خصوصًا عندما تُستخدم الأدوية من دون وصفة أو إشراف طبي.

أربعة أدوية شائعة قد تزيد خطر الإصابة بالخرف وتؤثر على صحة الدماغ

أدوية القلق بدلًا من الكحول

تروي شابة عشرينية، عُرّف عنها باسم مستعار هو «مي»، كيف بدأت باستخدام البريغابالين وحاصرات بيتا للتعامل مع القلق قبل المناسبات الاجتماعية.

كانت مي تشعر بالتوتر والخوف من التحدث أمام الآخرين. ثم عثرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي على أدوية تُباع بصورة غير قانونية.

وبمرور الوقت، لم يعد الاستخدام مرتبطًا بالحفلات فقط، بل امتد إلى الحياة اليومية.

وتقول إنها أصبحت تشعر بأنها غير قادرة على مغادرة المنزل من دون هذه الأدوية.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: ما بدأ كوسيلة للتغلب على القلق قد يتحول إلى اعتماد نفسي وجسدي على الدواء.

مريض السكري هل يجب أن يدفع ثمن القرار؟

لماذا يلجأ بعض الشباب إلى هذه الأدوية؟

يأتي هذا الاتجاه في وقت تشير فيه دراسات إلى ارتفاع مستويات القلق بين الشباب.

وبحسب المادة الأصلية، ارتفع عدد حالات اضطرابات القلق عالميًا بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و24 عامًا من نحو 10 ملايين إلى 16 مليونًا بين عامي 1990 و2021.

وفي الوقت نفسه، يبحث بعض الشباب عن طرق يرونها «أكثر صحة» من الكحول، خصوصًا مع تنامي الاهتمام باللياقة البدنية والصحة ونمط الحياة.

لكن خبراء الإدمان يحذرون من أن اعتبار الأدوية خيارًا «أنظف» أو «أكثر أمانًا» من الكحول قد يصنع إحساسًا زائفًا بالأمان.

وسائل التواصل الاجتماعي تفتح بابًا جديدًا

لا تقتصر المشكلة على الترويج.

فوفق المادة، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للتعرف على هذه الأدوية والوصول إلى بائعين يعرضونها خارج القنوات الطبية الرسمية.

كما ظهرت منشورات ومقاطع تروج لما يعرف على الإنترنت باسم «التكديس»، أي الجمع بين أكثر من مادة أو دواء بهدف الحصول على تأثير معين.

ويزيد ذلك من المخاطر؛ لأن شراء الأدوية من مصادر غير رسمية قد يعني عدم معرفة محتواها الحقيقي أو تركيزها أو طريقة تصنيعها.

البريغابالين.. من دواء طبي إلى مادة ترفيهية

البريغابالين دواء يستخدم لعلاج حالات طبية مختلفة، من بينها بعض أنواع آلام الأعصاب والصرع والقلق.

لكن استخدامه لأغراض ترفيهية أو بجرعات غير موصوفة يمكن أن يسبب مشكلات خطيرة.

وتوضح هيئة الخدمات الصحية البريطانية أن بعض الأشخاص قد يطورون اعتمادًا على البريغابالين، وقد تظهر أعراض انسحاب عند التوقف عنه، ولذلك لا ينبغي إيقافه فجأة من دون استشارة الطبيب.

كما تحذر الإرشادات الصحية من الأعراض الخطيرة المرتبطة بتناول جرعات زائدة.

هل البريغابالين أكثر أمانًا من الكحول؟

المقارنة نفسها قد تكون مضللة.

صحيح أن الكحول يرتبط بمخاطر صحية واسعة، وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن استهلاكه يرتبط بأمراض متعددة وبأنواع مختلفة من السرطان. كما تؤكد أنه لا يوجد مستوى من استهلاك الكحول يمكن اعتباره خاليًا من مخاطر السرطان.

لكن هذا لا يعني أن استخدام الأدوية خارج الإشراف الطبي يصبح خيارًا آمنًا.

فالخطر لا يتعلق بالمادة وحدها، وإنما أيضًا بالجرعة، وطريقة الاستخدام، والتداخل مع مواد أخرى، والاعتماد عليها، ومصدر الحصول عليها.

ولهذا يحذر الخبراء من اختزال المسألة في سؤال: أيهما أقل ضررًا، الكحول أم الدواء؟

المشكلة الأعمق: «لا أستطيع الخروج من دونه»

ترى عالمة النفس إميلي جونز أن الخطر قد يتجاوز الآثار الجسدية للدواء.

فعندما يعتاد الشخص استخدام مادة قبل كل مناسبة اجتماعية، قد يبدأ في الاعتقاد بأنه غير قادر على التعامل مع الآخرين من دونها.

وبمرور الوقت، يمكن أن تتراجع ثقته بقدرته على مواجهة القلق بصورة طبيعية.

وهكذا تتحول المادة من وسيلة مؤقتة إلى جزء من طقوس الحياة اليومية.

«جيل بلا كحول» يبحث عن بدائل

يتزامن ذلك مع اتجاه أوسع بين بعض أفراد جيل زد للابتعاد عن الكحول.

وقد ارتبط هذا الاتجاه بمخاوف صحية، واهتمام أكبر باللياقة البدنية، ورغبة في تجنب آثار الشرب في النوم والجسم والمظهر.

لكن انخفاض الإقبال على الكحول لا يعني بالضرورة اختفاء سلوكيات البحث عن مواد تغير المزاج.

بل قد ينتقل بعض الشباب من مادة إلى أخرى، خصوصًا عندما تقدم وسائل التواصل الاجتماعي هذه البدائل باعتبارها أكثر حداثة أو أقل ضررًا.

وهنا تكمن المفارقة: الابتعاد عن الكحول قد يقود بعض الأشخاص، بدلًا من ذلك، إلى استخدام أدوية غير مخصصة لهذا الغرض.

السوق السوداء تضيف خطرًا جديدًا

مع تشديد الرقابة على بعض الأدوية، يحذر خبراء من أن الطلب قد ينتقل إلى السوق السوداء.

وفي هذه الحالة، لا يتعلق الخطر فقط بالاعتماد على الدواء، وإنما أيضًا بعدم التأكد من مصدره ومكوناته.

ويشير خبراء نقلت عنهم المادة إلى أن شراء الأدوية عبر الإنترنت قد يحرم المستخدم من المعلومات التي تتوفر عادة عند شراء دواء من صيدلية نظامية، مثل الجرعة والمكونات والتحذيرات.

لماذا يجب التعامل مع الظاهرة بجدية؟

القضية ليست مجرد اتجاه جديد على وسائل التواصل الاجتماعي.

إنها تقع عند تقاطع ثلاثة عوامل:

ارتفاع القلق بين الشباب + تراجع الإقبال على الكحول + سهولة الوصول إلى الأدوية عبر الإنترنت.

وعندما تجتمع هذه العوامل، قد يجد بعض الشباب أنفسهم أمام نمط جديد من الاعتماد على المواد بدلًا من الحصول على مساعدة متخصصة للتعامل مع القلق.

لذلك، فإن التعامل مع المشكلة لا يتعلق فقط بمنع بيع الأدوية بصورة غير قانونية، بل أيضًا بتحسين الوصول إلى خدمات الصحة النفسية، ونشر المعلومات الدقيقة، ومواجهة المحتوى المضلل على منصات التواصل الاجتماعي.

شارك المقال: