كتاب علي النويشي: (هيكل وبهاء) وصحافة عصر ذهبي
المتأمل لكتاب الأستاذ بهاء ، برغم هدوئه الشديد كان كمن " يذبح الرجل " بسكين بارد ناعم " لابريق له ، وأسال دمائه في كل صوب ودرب

في كتابه المميز جدا (هيكل وبهاء.. ترويض السلطة) يرصد الزميل الإعلامي و الكاتب الصحفي علي النويشي العلاقة بين قمتين من قمم الصحافة المصرية والعربية، الأستاذ محمد حسنين هيكل أهم صحفي مصري وعربي في قرن من الزمان، والوحيد الذي عندما يذكر لقب الأستاذ يستدعى، والثاني هو النموذج الأمثل في الصحافة الأستاذ أحمد بهاء الدين ، فبهاء هو النموذج الأخلاقي والقيمي والصحفي الذي يعمل بلا ضجيج، وكما كان هيكل نفسه يلقبه بالاستاذ، فبهاء هو الأستاذ بالفعل.
يرصد علي النويشي علاقة كلاهما بالسلطة، وما بين هدوء ورسوخ بهاء في علاقته بالسلطة، وبين صخب علاقة هيكل بها يأتي هذا الكتاب ليقدم لنا أجواء ومساحات وعالم من الاسطورة الصحفية في قرن هو الأكثر صخبا، وهذه بعض المواقف بين القمتين من كتاب علي النويشي (هيكل وبهاء .. ترويض السلطة) الذي صدر مؤخرا.
” السادات ” بين هيكل وبهاء
كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل كتابه الشهير ” خريف الغضب “ بعد خروجه من الأهرام ، يصف السادات وعصره ، في شبه دراسة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لمصر خلال العقد السابع من القرن العشرين ، منبها لخطورة الدور الذي ستلعبه الأصولية الإسلامية في المنطقة ، ومتحدثاً عن الإرهاب كسلاح سياسي، والحقيقة أن محمد حسنين هيكل تناول من هذا كله ما كان لازماً لكي يقود الحديث إلى نقطة معينة من الزمان والمكان.
نقطة معينة من الزمان: الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق بعد ظهر اليوم الثلاثاء 6 تشرين الأول/أكتوبر 1981.
ونقطة معينة في المكان: المنصة الرئيسية في ساحة الاستعراضات العسكرية بمدينة مصر حيث دوّت الطلقات التي أنهت حياة الرئيس محمد أنور السادات رئيس جمهورية مصر العربية .
ويأتي الأستاذ بهاء ليجلس في نفس مكان الأستاذ هيكل، وقبلها كان هو والسادت صديقين ، التقت بهما الطرق وتفرقت بهما المشارب كثيرا، ليقرب الرئيس السادات الأستاذ بهاء ثم يبعده ، ثم يفصله مرة ، ثم ينقله لمصلحة الاستعلامات ، ثم يمنعه من الكتابة ثم يقربه من جديد …
ويكتب الأستاذ بهاء كتابا صغيرا في حجمه ، قنبلة في مضمونه ، ثائراً في محتواه ، هادئا في عنوانه “ محاوراتي مع السادات ”
ومن يقرأ الكتابين ” خريف الغضب ” و ” محاوراتي مع السادات ” وموضوعهما شخص واحد هو ” الرئيس السادات “ يجد أن الأستاذ هيكل كان منفعلا جدا ،واستطاع أن يفرغ كل هذا الانفعال في الكتاب ، فكان كمن يضرب الرجل بـ ” كرباج ” تسمع ” طرقعاته وفرقعاته ، وصوت عالي يتبعه صدى،وصراخ مع ألم ، ومع أن كتابته تؤلم العين والعقل معا ، إلا أنه لم يكن له عمق التحليل الهادئ الذي تركه كتاب ” محاوراتي مع السادات “
والمتأمل لكتاب الأستاذ بهاء ، برغم هدوئه الشديد كان كمن ” يذبح الرجل ” بسكين بارد ناعم ” لابريق له ، وأسال دمائه في كل صوب ودرب ، وترى وأنت تتجول بين أرجاء الكتاب ، أشلاء الرجل في عدد غير قليل من صفحاته ، وتعبر الصفحات فتسمع خرير الدماء ، وكأنك ترى السكين تطبق على رقبته بلا هوادة ولا رحمة .. !!.
فالكتاب يصور السادات مرة بأنه انتهازي ، يلبس مسوح الرهبان ويرفع شعار الاستغناء والتعفف ، وهو الخانع القانع ، لكنه في حقيقة الأمر هو الطامع الطامح لكل منصب ،المتربص بالفريسة حتى تأتيه الفرصة المواتيه ..
ومرة أخرى تراه مسالماً زاهدا ، وهو في الحقيقة فاشستياً نازياً فيما يعتقد ويؤمن من أفكار، بل فاشستي في سلوكه أيضاً.
فالسادات، ما يضمره شئ، وما يعلنه للناس شئ أخر.
وكأن السادات لم يحب أحدا سوى السادات نفسه.
كان يكره الجميع ، حاقدا على الجميع، يخزن كراهيته مثل الجمل في سنامه وفي عقله.
كان الجميع يعرف عادة الأستاذ هيكل في الكتابة ، فكان يغلق حجرته اثناء الكتابة ويرفع سماعات التليفون ، وكانت سكرتيرته نوال المحلاوي هي الحارس الأمين الذي لايسمح لأحد بالاقتراب من مكتبه ،وكان قد خصص يوم الثلاثاء من الصباح الباكر ليبدأ في الكتابة، ولاينتهي قبل الثالثة ظهرا،
وكان الرئيس عبدالناصر يعرف ذلك جيدا، ولكنه أحيانا ينسى ويطلبه تليفونياً،
وعندما ترد الأستاذة نوال يتذكر ويقول لها :
” متأسف .. نسيت إن الأستاذ بيكتب النهارده ”
ولكن ذلك لم يشفع للأستاذ هيكل عند السادات عندما اصبح رئيساً
فلم يغفر للأستاذ هيكل سوء معاملته له غير المقصوده عندما جاء لمكتبه ، وانتظر وقتا ، وعندما اراد أن يتعجل المقابلة من سكرتيرة هيكل نوال المحلاوي، اعتذرت له بأن الأستاذ يكتب ، فما كان منه إلا انصرف.
مرة أخرى عندما قام السادات وهو رئيس مجلس الشعب بإهانة محرر الأهرام في مكتبه على نشره لموضوع ما، وجاء الصحفي يعتذر للأستاذ هيكل عن تغطية أخبار البرلمان،وطلب نقله لعمل أخر بالأهرام، ولما عرف منه أن السادات أهانة،أمر المحرر قائلا:
اذهب إليه الآن وسيعتذر لك، وانصرف المحرر واتصل الأستاذ هيكل بالسادات ويقال أنه وبخه في المكالمة، وعندما وصل المحرر للبرلمان وجد الجميع يخبره بأن رئيس البرلمان يبحث عنه، وقام السادات يقابله، ويقول له : هو انت زعلت، دا أنا كنت بهذر معاك، عموما ياسيدي أنا بأعتذر لك.

الأستاذ أحمد بهاء الدين ناقدا الأستاذ هيكل :
فور صدور كتاب محمد حسنين هيكل ” ملفات السويس “ عام 1986 ، تلقف الأستاذ أحمد بهاء الدين الكتاب وتصدى لعرضه في مدح لم يكتب عنه أو عن أي كتاب أخر من قبل ولا من بعد ، ويقول :
كتاب ” محمد حسنين هيكل “ عن حرب السويس ، هو أهم كتاب في فن وعلم التاريخ قرأته في اللغات الأجنبية والعربية من سنوات طويلة .
إنه ذلك ” الكتاب الذي يلغي سائر الكتب ” أي يلغي كل ما كتب قبله عن هذا الموضوع ، وما سوف يكتب بعده سيكون معتمدا عليه كمرجع أساسي.
فالمؤلف توافرت له مجموعة عوامل هامة : إنه شخصيا، كان في قلب تلك الأحداث، وأنه يمتلك شخصيا مجموعة ضخمة من الوثائق الأصلية لهذه المرحلة ، وأنه مد جهده واطلاعه إلى كل ما نشر من مؤلفات ، وكل من على قيد الحياة من شخصيات ، وكل ما يوجد من وثائق بريطانية وأمريكية بما فيها مصادر لم يسبق إليها أحد، كالأوراق الخاصة ببعض الرؤساء الأمريكيين في مكتباتهم التذكارية، فهو قد استخدم كمية لا مثيل لها من الوثائق المدعمة الثابتة عن هذا الحدث ، فالكتاب الأكثر من تسعمائة صفحة فيه ثلاثمائة صفحة من الوثائق الكاملة ، مما لا أعرف له نظيراً.
الأمر الثاني : أنه لم يقف عند الحدود التقليدية التي وقفت عندها كل المؤلفات عن ” حرب السويس ” . ولكنه وسع دائرة العدسة بحيث شملت كل جذور الصراعات الدولية والإقليمية التي ما كانت ” حرب السويس ” إلا نقطة انفجارها المدوي بعد تفاعلات عميقة وكثيفة وبالغة التعقيد ، فالكتاب ليس عن حرب السويس ، ولكنه ، بدرجة كبيرة ، عن تاريخ المنطقة وتاريخ الصراع الدولي في تلك الحقبة من الزمن التي تغيرت فيها موازين قوى العالم كله ، غروب قوى عظمى وشروق غيرها وصعود غيرها ، وخريطة للمصالح الكبرى الجديدة التي لعبت الدور الأول في أقدار المنطقة منذ سنة 1952 ، حتى ساعة كتابة هذه السطور ، وإلى أمد لا أحد يعرف مداه .
الأمر الثالث : أن ” محمد حسنين هيكل ” وقد حشد كل ما سبق ، وكانت لديه ثقافة قارئ التاريخ ودراسته ، وجاذبية الكاتب الصحفي في العرض ، فرسم هذا الكم الهائل من المعلومات والتحليلات ، ورد الأحداث إلى أصولها ، والوقائع إلى أسبابها ، رسمه في ” نسيج ” جميل أخاذ ، كنسيج القطعة النادرة من ” النسيج العجمي ” السنتيمتر الواحد منها يحتوي على مائة” عقدة ” ولكنها تبدو للعين صورة متكاملة خلابة )
رابط المقال المختصر:





