مقالات
أحمد عبد الجواد
أحمد عبد الجواد

إعلامي وكاتب وشاعر

فصل المقال لما اراد ابن رشد أن يُقال

التأويل عند ابن رشد هو قمة الاحترام لعقل القارئ ولعظمة النص الإلهي معًا، فحين يبدو في الظاهر ثمة تعارض بين حقيقة واقعية يلمسها العقل وبين عبارة لغوية

مشاركة:
حجم الخط:

الحق لا يضاد الحق

ينطلق ابن رشد في كتابه التأسيسي “فصل المقال” من رؤية بصرية بالغة العذوبة والنقاء، متمثلة في أن الحقيقة نهر واحد يتسع للجميع ولا يمكن أن يتجزأ

 فالمعرفة التي يصل إليها الإنسان عبر التدبر العقلي الحر والنور الصافي الذي يتدفق من مشكاة النص الشريف، هما شقيقان رضيعا لبان واحد.

من هنا يصوغ كلمته الخالدة التي تذوب أمامها كل الألغام:

“الحق لا يضاد الحق” العقل في المنهج الرشدي ليس متهمًا يحتاج إلى صك غفران، ولا خصمًا يُخشى منه، بقدر ما هو الأداة الإلهية الأسمى التي وُهبت للإنسان ليتدبر بها صفحة الوجود ويقرأ بها رسائل الخالق.

أحمد عبد الجواد يقرأ: مقدمة أبن خلدون

التأويل جسور ممتدة لا حبال مقطوعة

ينقلنا القاضي الفيلسوف في كتابه إلى منطقة شديدة الحساسية، وهي فلسفة “التأويل”

التأويل عند ابن رشد هو قمة الاحترام لعقل القارئ ولعظمة النص الإلهي معًا، فحين يبدو في الظاهر ثمة تعارض بين حقيقة واقعية يلمسها العقل وبين عبارة لغوية.

يأتي التأويل ليمد الجسور ويعبر باللفظ من ضيق الحرفية إلى اتساع المقاصد الإنسانية والروحية الشاملة.

لذا يظل النص مع ابن رشد أفقًا مرنًا متجددًا يستوعب تحولات الزمن وحركة الوعي البشري، دون أن يتحول إلى قيد يجمد الفكر أو يلغي التدبر.

التفكير النقدي وأمانة الفهم

في هذا الأصل المعرفي من شجرة القراءة، يتعلم القارئ أثمن الفنون الفكرية وهي كيف يفرز الأفكار بموضوعية وتجرد؟

يضعنا ابن رشد أمام معيار صارم يعلي من شأن الأمانة العلمية، فيعلمنا كيف نقبل الحق ونحتفي به ممن قاله، دون النظر إلى جنسيته أو مذهبه أو فترته التاريخية.

وكيف نرفض الوهم والخطأ بوعي وأدب وإن صدر عن أقرب الناس إلينا، العقل هنا يتحول إلى غربال دقيق يمر منه ضياء الحقيقة الخالص، ويتساقط منه زبد التعصب والادعاء.

في فضاء الاستقطاب المعاصر لماذا نحتاج ابن رشد؟

تتجلى قيمة هذا الكتاب اليوم في واقعنا المعاصر المليء بالانقسامات والتحيزات الحادة، حيث تحول الفضاء الرقمي في كثير من الأحيان إلى ساحات للمعارك الإقصائية، يُرمى فيها كل عقل حر بالخروج عن الصف، ويُتهم فيها كل متمسك بالأصالة بالانغلاق.

يظهر ابن رشد كالترياق الذي نحتاجه لاستعادة توازننا الفكري.

إنه يعيد صياغة عقولنا لنفهم أن الإيمان الحقيقي لا يخشى السؤال، وأن الاختلاف في الفهم هو ثراء وتوسعة، وأن العقل هو الحارس الذي يحمي المجتمعات من السقوط في فوضى التكفير أو الاندفاع نحو غيابات التغريب البارد.

وهذا ليس فرعًا هذا أصل

إن غرس “فصل المقال” في أصل شجرة القراءة يمنحنا عينًا جديدة نرى بها أبعاد العالم.

فالروح التي رممناها مع الغزالي باتت اليوم تملك عقلًا يحرسها مع ابن رشد، يعيدنا هذا الكتاب إلى السؤال الأهم في مسيرتنا كيف نفتح عقولنا لكل ضوء في هذا الكون دون أن نفقد هويتنا وأصالتنا؟

وحين تدرك الإجابة، ستصبح قراءتك للنصوص وللحياة بناءً متماسِكًا لا تزعزعه رياح الزيف.

شارك المقال: