علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
عمرو صابح
عمرو صابح

كاتب وباحث

عمرو صابح يكتب: فيلم (المواطن مصري) من الذي سرق نصر أكتوبر؟

"مصري مات يا أبا عبد الموجود!" هنا تبلغ مأساة الفيلم ذروتها،فالذين صنعوا النصر بدمائهم، سُرق منهم النصر وهم أحياء وأموات.

مشاركة:
حجم الخط:

بعض الأفلام تحكي الحرب، وبعضها يحكي ما تتركه الحرب خلفها

فيلم المواطن مصري ينتمي إلى النوع الثاني، فيلم لا يتوقف عند لحظة العبور، ولا يكتفي بتسجيل النصر، وإنما يذهب أبعد من ذلك، إلى الإنسان الذي صنع النصر ودفع ثمنه، ثم عاد يبحث عن نصيبه منه.

من خلال حكاية عبد الموجود وابنه مصري، يربط صلاح أبو سيف بين ثورة يوليو وحرب أكتوبر وما جرى للمجتمع المصري بعد رحيل جمال عبد الناصر.

الفيلم مأخوذ عن رواية «الحرب في بر مصر» ليوسف القعيد، وكتب السيناريو والحوار محسن زايد، وأخرجه صلاح أبو سيف، ووضع موسيقاه ياسر عبد الرحمن، وأُنتج عام 1991.

وقام ببطولته عزت العلايلي في دور عبد الموجود، وعمر الشريف في دور العمدة، وعبد الله محمود في دور مصري عبد الموجود.

عبد الموجود فلاح حصل على أرضه في عهد عبد الناصر من خلال الإصلاح الزراعي.

الأرض هنا ليست مجرد قطعة من التراب؛ إنها رمز لتحول اجتماعي أوسع، نقل الفلاح من موقع التابع إلى موقع المالك، ومن هامش المجتمع إلى الشعور بأن له أرضًا ووطنًا ومستقبلًا.

في الجهة الأخرى يقف العمدة، ابن الأسرة الإقطاعية التي تراجعت مكانتها بعد الثورة.

لكن موازين القوة تبدأ في التحول بعد وفاة عبد الناصر.

يستعيد العمدة أرضه بموجب الأحكام القضائية، وتعود معها بعض ملامح نفوذه القديم، بينما يجد عبد الموجود نفسه مهددًا بفقدان الأرض التي لم تكن بالنسبة إليه مصدر رزق فحسب، وإنما كانت جزءًا من معنى حياته.

ثم تأتي الحرب.

العمدة لا يريد أن يذهب ابنه المدلل والفاسد، توفيق، إلى الجيش، فيستغل حاجة عبد الموجود، ويعرض عليه إعادة الأرض ومبلغًا من المال مقابل أن يرسل ابنه مصري إلى الحرب بدلًا من توفيق.

بعد أن يوافق عبد الموجود، يزوّر العمدة الأوراق المطلوبة، فيصبح مصري على الورق هو توفيق، وتُمحى هويته الحقيقية من السجلات.

هكذا لا يُطلب من الفقير أن يقدم ابنه فقط، بل يُنتزع من ابن الفقير حتى اسمه، ليذهب إلى الموت باسم ابن صاحب النفوذ، ويصبح مصير مصري امتدادًا للصراع الطبقي الموجود قبل أن تبدأ الحرب نفسها.

في المعركة يموت مصري، وتصل إلى أبيه الجملة التي تختصر مأساة الفيلم كلها:

“مصري مات يا أبا عبد الموجود!”

هنا تبلغ مأساة الفيلم ذروتها،فالذين صنعوا النصر بدمائهم، سُرق منهم النصر وهم أحياء وأموات.

سُرقت الأرض والابن من عبد الموجود وهو حي، وسُرقت حياة مصري وهو في ريعان شبابه، ثم سُرق من عبد الموجود ومصري ما هو أبعد من الأرض والحياة: سُرق مجد النصر.

كان الذين عبروا القناة ودفعوا دماءهم وأرواحهم هم أصحاب النصر الحقيقيون، لكنهم لم ينالوا ثمرته، ولم يُترك لهم حتى مجده.

دفعوا الأرض والدم والحياة، ثم جاء آخرون ليحصدوا ما زرعوه.

هكذا يتحول «المواطن مصري» من حكاية جندي استشهد في الحرب إلى مرثية لجيل كامل، جيل صنع النصر، ثم سُرق منه. وكأن ما بدأ بسرقة الأرض من عبد الموجود، انتهى بسرقة النصر من مصري ومن جيله كله.

شارك المقال:

شاركنا برأيك