عزت إبراهيم يكتب: الطريق لانتخابات نوفمبر في أمريكا
المساحة الرمادية في الدستور سمحت للولايات باستخدام ما يعرف بإعادة الترسيم في منتصف العقد، وهي ممارسة توسعت خلال العقدين الماضيين مع تصاعد الاستقطاب الحزبي.

ترامب (أرشيف)
جدل ترسيم الدوائر
ينطلق الجدل حول إعادة ترسيم الدوائر في الولايات المتحدة من قاعدة قانونية تبدو مستقرة لكنها في الحقيقة مفتوحة على التأويل.
الدستور ينص على إعادة توزيع المقاعد في مجلس النواب كل عشر سنوات بعد التعداد السكاني، بهدف تحقيق التمثيل المتكافئ بين الولايات، لكن النص لا يمنع صراحة إعادة رسم الدوائر داخل الولاية خلال الفترة بين تعدادين.
هذه المساحة الرمادية سمحت للولايات باستخدام ما يعرف بإعادة الترسيم في منتصف العقد، وهي ممارسة توسعت خلال العقدين الماضيين مع تصاعد الاستقطاب الحزبي.
المحكمة العليا تفتح باب الترسيم
في عام 2019 قضت المحكمة العليا في قضية Rucho v. Common Cause بأن التلاعب الحزبي بالدوائر مسألة سياسية لا تدخل ضمن اختصاص القضاء الفيدرالي، وهو حكم فتح الباب عمليا أمام المجالس التشريعية في الولايات لإعادة رسم الخرائط دون رقابة قضائية حاسمة، ما لم يرتبط الأمر بتمييز عرقي صريح يخالف قوانين الحقوق المدنية.
في هذا السياق جاءت تجربة ولاية Virginia هذا الأسبوع لتكشف التناقض بين الإصلاح والممارسة.
وول ستريت جورنال: حرب إيران استنزفت مخزون الذخائر الأمريكية
واشنطن تلوّح بضربات جديدة ضد إيران
فرجينيا أقرت تعديلا بتغيير الدوائر
الولاية كانت قد أقرت في 2020 تعديلا دستوريا أنشأ لجنة ثنائية لإعادة ترسيم الدوائر، وصوت عليه نحو ثلثي الناخبين بهدف الحد من التلاعب الحزبي.
لكن الاستفتاء الأخير علق هذا النموذج مؤقتا وسمح بإعادة رسم الدوائر عبر السلطة التشريعية، بدعوى الرد على ما جرى في ولايات أخرى.
الفارق في نتيجة التصويت لم يتجاوز ثلاث نقاط مئوية، وهو ما يعكس انقساما حقيقيا داخل الناخبين.
القضاء يعلق نتيجة الاستفتاء عدم الدستورية
بعد ذلك تدخل القضاء في الولاية وعلق التصديق على النتيجة بدعوى وجود شبهة عدم دستورية، في خطوة تعني أن المسألة مرشحة للانتقال إلى مستويات قضائية أعلى، وربما تعود إلى المحكمة العليا إذا ما تطورت الطعون.
من الناحية السياسية، لا يمكن فهم ما جرى في فرجينيا بمعزل عما حدث في تكساس قبل ذلك بعام، حين ضغط Donald Trump على قيادة الولاية لإعادة رسم الدوائر بهدف إضافة ما يصل إلى خمسة مقاعد جمهورية في مجلس النواب.
الديمقراطيون يتحركون
هذه الخطوة كانت بداية سلسلة من ردود الفعل، حيث تحرك الديمقراطيون في كاليفورنيا ونيويورك لتعديل خرائطهم الانتخابية بما يعزز حضورهم، بينما حاول الجمهوريون التعويض في ولايات مثل ميسوري وأوهايو ونورث كارولاينا.
هكذا تحولت العملية إلى سباق متبادل، كل طرف يسعى إلى منع الآخر من تحقيق مكسب صاف، وهو ما أدى إلى ما يشبه حالة توازن سلبي على المستوى الوطني.
الخرائط الجديدة في فرجينيا تقدم مثالا واضحا على طبيعة هذا التحول.
بعض الدوائر أعيد رسمها بحيث تربط مناطق حضرية كثيفة التصويت للديمقراطيين مع مناطق ريفية متباعدة، في تصميم يهدف إلى تعظيم عدد المقاعد الممكنة من نفس الكتلة التصويتية.
تقليل عدد الدوائر التنافسية
هذا النمط من الرسم يقلل من عدد الدوائر التنافسية، ويجعل نتائج الانتخابات في عدد كبير من المقاعد شبه محسومة مسبقا.
وفق تقديرات أولية، قد ينتقل تمثيل الديمقراطيين في الولاية من نحو ستة مقاعد إلى تسعة أو عشرة، رغم أن الفارق في التصويت الشعبي بين الحزبين في الانتخابات السابقة لم يكن بهذا الحجم.
الجمهويون يسيرون نحو افتقاد السلطة في انتخابات التجديد
في هذا المناخ جاء تدخل Steve Bannon عبر برنامجه War Room على قناة Real America’s Voice، حيث قال بوضوح إن الجمهوريين يسيرون نحو فقدان السلطة في انتخابات التجديد النصفي، مستخدما عبارته المباشرة “لن نكون في السلطة”.
بانون ربط هذا التوقع بما جرى في فرجينيا، معتبرا أن إعادة الترسيم هناك كانت فرصة كان يمكن الفوز فيها لكنها ضاعت بسبب ما وصفه بعجز المستشارين الجمهوريين.
اخفاء اسم ترامب خوفا من الهزيمة
هاجم هؤلاء المستشارين بشدة، وقال إنهم يطلبون من المرشحين عدم إبراز اسم ترامب خوفا من تنفير بعض الناخبين، معتبرا أن هذا النهج يفقد الحملة عنصرها الأساسي في التعبئة.
كما اتهم قيادات جمهورية بارزة بأنها قدمت “هزيمة بعد هزيمة”، وذهب إلى حد القول إن الناخبين في الثورة الأمريكية كانوا سيشعرون بالاشمئزاز من أداء هذه الطبقة السياسية.
في الوقت نفسه دافع عن ترامب، قائلا إن الرئيس منشغل بالحروب والاقتصاد ولا يمكنه إدارة كل حملة انتخابية بنفسه.
دلالات هذه التصريحات تتجاوز الانفعال السياسي، لأنها تعكس إدراكا داخل التيار الترامبي بأن قواعد اللعبة تغيرت. بانون لا يتحدث فقط عن خسارة محتملة، بل عن خلل في إدارة المعركة نفسها.
بالنسبة له، المشكلة ليست في قوة الديمقراطيين بقدر ما هي في ضعف التنظيم الجمهوري وعدم قدرته على استثمار الزخم الشعبي الذي حققه ترامب في الانتخابات السابقة.
العودة إلى الخطاب الشعبوي
هذا التقييم يفتح الباب أمام صراع داخلي داخل الحزب بين من يرى ضرورة العودة إلى الخطاب الشعبوي الحاد، ومن يفضل محاولة استعادة الناخب الوسطي.
على المستوى الانتخابي، تشير نماذج تحليلية حديثة مثل نموذج MRP الذي أعدته مؤسسة Focaldata إلى أن الديمقراطيين قد يحققون نحو 228 مقعدا في مجلس النواب مقابل 215 في الدورة الحالية، أي مكسب يقارب 13 مقعدا.
هذا الرقم أقل من التوقعات التي كانت تتحدث عن موجة زرقاء واسعة، لكنه يظل كافيا لمنحهم الأغلبية.
النموذج يستند إلى عينة تتجاوز 8000 مشارك، ويأخذ في الاعتبار التغيرات الديموغرافية داخل كل دائرة، وليس فقط المتوسط الوطني.
أصوات اللاتنيين والأسيويين تعود إلى الديمقراطيين
البيانات الديموغرافية تلعب دورا مهما في هذه التوقعات. الاستطلاعات تشير إلى عودة نسبة من الناخبين من أصول لاتينية وآسيوية إلى التصويت للديمقراطيين بعد أن حقق الجمهوريون تقدما بينهم في 2024.
في المقابل، هناك مؤشرات على تراجع نسبي في أداء الجمهوريين بين الناخبين غير الحاصلين على تعليم جامعي، وهي فئة كانت تمثل قاعدة مهمة لترامب.
هذه التحولات لا تحسم النتيجة بمفردها، لكنها تزيد من حساسية أي تغيير في الخرائط الانتخابية.
في الأشهر التي تسبق انتخابات نوفمبر، تتشكل أجواء انتخابية مختلفة عن الدورات السابقة.
الحملات بدأت مبكرا، والإنفاق السياسي ارتفع بشكل ملحوظ، خاصة في الولايات المتأرجحة. الإعلانات التلفزيونية والرقمية تركز بشكل متزايد على قضايا المعيشة والاقتصاد، في ظل استمرار الضغوط التضخمية، إلى جانب قضايا الهجرة والأمن.
في الوقت نفسه، يظهر تراجع نسبي في الحماس العام مقارنة بانتخابات 2020 و2024، وهو ما يثير قلق الحزبين، لأن نسبة المشاركة ستكون عاملا حاسما في تحديد النتيجة.
الاستقطاب السياسي
كما أن الاستقطاب السياسي يفرض نفسه بقوة على المشهد الانتخابي.
الخطاب العام أصبح أكثر حدة، سواء في تجمعات الحملات أو في وسائل الإعلام، مع تصاعد الاتهامات المتبادلة بشأن تهديد الديمقراطية أو إساءة استخدام السلطة.
هذا المناخ يجعل من الصعب على المرشحين تبني مواقف وسطية، ويدفعهم إلى التركيز على تعبئة القاعدة الحزبية بدلا من محاولة كسب الناخبين المستقلين.
ولايات أكثر حساسية
في ولايات مثل بنسلفانيا وميشيجان وأريزونا، تبدو المعركة أكثر حساسية، حيث يمكن لعدد محدود من الدوائر أن يحدد الأغلبية في مجلس النواب.
هذه الولايات تشهد نشاطا مكثفا من الحملات، وزيارات متكررة من القيادات الحزبية، إضافة إلى استهداف دقيق للناخبين عبر البيانات الرقمية.
وفي هذا السياق، يصبح أي تغيير في الخريطة الانتخابية، مثل ما حدث في فرجينيا، عاملا مضاعفا لتأثير هذه المعارك.
في التقييم المبدئي، تتقاطع إعادة ترسيم الدوائر مع أجواء انتخابية مشحونة ومعقدة، حيث لا يقتصر التنافس على البرامج والسياسات، لكنه يمتد إلى قواعد اللعبة نفسها.
ومع اقتراب نوفمبر، يبدو أن الانتخابات لن تكون مجرد اختبار لشعبية الحزبين، بل اختبار لقدرة النظام السياسي الأمريكي على إدارة هذا المستوى من الاستقطاب دون أن يفقد توازنه.
المصدر صفحة الكاتب على منصة فيسوك






