شح الوقود كصدمة هيكلية تعيد تشكيل اقتصاد غزة
لا تزيد كميات المحروقات التي تدخل القطاع عن نحو 20% من الاحتياجات الفعلية للسكان، ما يفسر عمق الأزمة واتساع آثارها.

صورة تعبيرية للمقال
أزمة الوقود في غزة تتحول لأزمة اقتصادية
لم تعد أزمة الوقود في قطاع غزة مجرد أزمة خدمات أو نقص في الطاقة، بل تحولت تدريجياً إلى أزمة اقتصادية شاملة تضرب مختلف مفاصل الحياة الاقتصادية.
تدفع الاقتصاد نحو مرحلة من الشلل المنهجي الذي قد يتحول إلى انهيار طويل الأمد في حال استمرار الظروف الحالية.
عدم الالتزام بعدد شاحنات الوقود
يُفترض وفق البروتوكول الإغاثي إدخال 50 شاحنة وقود يومياً إلى قطاع غزة، إلا أن الواقع يشير إلى عدم الالتزام بهذه الكميات.
حيث لا يتجاوز ما يتم إدخاله في أفضل الأحوال 7 شاحنات فقط أي أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب.
بالمحصلة، لا تزيد كميات المحروقات التي تدخل القطاع عن نحو 20% من الاحتياجات الفعلية للسكان، ما يفسر عمق الأزمة واتساع آثارها.
الوقود أهم عناصر التشغيل
في الاقتصادات الطبيعية يشكل الوقود أحد عناصر التشغيل الأساسية، أما في اقتصاد محاصر ومحدود الموارد كاقتصاد غزة، فإن الوقود يمثل شريان الحياة الكامل، حيث تعتمد عليه القطاعات الإنتاجية والخدمية، وحتى الأنشطة الاقتصادية اليومية للمواطنين.
بدأت الأزمة بنقص الوقود والزيوت، لكنها سرعان ما امتدت لتشمل توقف المولدات الكهربائية.
مما أدى لتعطل المصانع والمنشآت الإنتاجية وإرباك قطاع النقل والتوزيع وتراجع الخدمات الأساسية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل غير مسبوق.
خسائر اقتصادية يومية
ومع استمرار نقص الوقود، أصبحت المنشآت الاقتصادية تعمل بشكل متقطع أو توقفت بالكامل.
ما أدى إلى خسائر اقتصادية يومية متراكمة وانكماش واضح في النشاط الاقتصادي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المحلي أصلاً من مستويات هشاشة مرتفعة.
يعتمد القطاع الصناعي في غزة بشكل شبه كامل على المولدات الكهربائية في ظل محدودية إمدادات الكهرباء، ومع نقص الوقود والزيوت اضطرت العديد من المصانع إلى تقليص ساعات العمل أو الإغلاق المؤقت.
تضرر الألاف من العمال
هذا التوقف لم ينعكس فقط على أصحاب المصانع، بل امتد إلى آلاف العمال الذين فقدوا مصدر دخلهم، ما يفاقم معدلات البطالة المرتفعة والتي تفوق الـ80%.
وتشير تقارير صادرة عن البنك الدولي إلى أن اقتصاد غزة يعاني منذ سنوات من ضعف القدرة الإنتاجية نتيجة القيود المفروضة على الحركة والتجارة,
تعدد القطاعات المتضررة من نقص الوقود
وأن أي صدمة إضافية في قطاع الطاقة تؤدي مباشرة إلى انكماش اقتصادي حاد، نظراً لاعتماد معظم الأنشطة الاقتصادية على مصادر الطاقة البديلة.
لم يقتصر تأثير أزمة الوقود على القطاع الصناعي، بل امتد إلى القطاع الخدمي الذي يمثل نسبة كبيرة من الاقتصاد المحلي.
حيث تراجعت قدرة المستشفيات والمراكز الصحية وشركات الاتصالات والبلديات والمخابز والمنشآت الغذائية على العمل بكفاءة.
ومع تراجع ساعات التشغيل وارتفاع تكاليفها، أصبحت هذه الخدمات تعمل بالحد الأدنى، ما يهدد استقرار الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ويؤدي إلى تراجع إضافي في النشاط الاقتصادي.
كما يشكل الوقود العمود الفقري لسلسلة الإمداد، بدءاً من نقل البضائع وحتى توزيعها داخل الأسواق.
ارتفاع تكاليف التقل والتوزيع
ومع نقص الوقود ارتفعت تكاليف النقل وتأخرت عمليات التوزيع وانخفضت كميات البضائع المتاحة في الأسواق، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.
وتشير بيانات صادرة عن برنامج الأغذية العالمي إلى أن أي اضطراب في سلاسل الإمداد داخل قطاع غزة يؤدي إلى ارتفاع فوري في أسعار السلع الأساسية، خاصة في ظل محدودية المخزون واعتماد القطاع على الواردات الخارجية.
الدور الإسرائيلي في نقص الوقود
كما لا يمكن فصل تفاقم أزمة الوقود عن الدور الإسرائيلي المباشر، في ظل استمرار القيود المفروضة على إدخال الوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات والمنشآت الحيوية.
فقد شهدت الفترة الأخيرة تراجعا واضحا في إدخال كميات الوقود، بالتزامن مع تنصل الحكومة الإسرائيلية من استكمال المرحلة الأولى من التفاهمات التي تضمنت إدخال الوقود وتسهيل عمل القطاعات الحيوية.
وهو ما يتجلى في الفجوة الكبيرة بين الكميات المتفق عليها (50 شاحنة يومياً) وما يتم إدخاله فعلياً (نحو 7 شاحنات فقط).
هذا التنصل ساهم في تعميق الأزمة، وأدى إلى تراجع قدرة القطاعات الاقتصادية على الاستمرار، خاصة في ظل اعتماد قطاع غزة بشكل شبه كامل على الوقود المستورد.
الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي
تشير تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن إدخال الوقود يمثل أحد العوامل الأساسية للحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الاقتصادي والإنساني في غزة.
وأن أي تقليص في الإمدادات يؤدي إلى تدهور سريع في الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ويزيد من احتمالات توقف الخدمات الحيوية بشكل كامل.
تتزايد الخسائر الاقتصادية بشكل يومي نتيجة توقف القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتشمل هذه الخسائر انخفاض الناتج المحلي وتراجع الإيرادات وتزايد معدلات البطالة وتراجع النشاط التجاري.
اقتصاد البقاء
ومع استمرار الأزمة، أصبح القطاع الخاص في غزة يعمل وفق ما يمكن وصفه باقتصاد البقاء، حيث تسعى الشركات إلى تقليل الخسائر بدلاً من التوسع أو الاستثمار.
يظهر ذلك من خلال تقليص العمالة وخفض الإنتاج وتأجيل المشاريع الاستثمارية، إضافة إلى إغلاق بعض المنشآت بشكل كامل، ما يعكس حالة عدم اليقين الاقتصادي التي تسيطر على بيئة الأعمال.
تكمن خطورة استمرار الأزمة في أن الاقتصاد في غزة يقترب تدريجياً من مرحلة الشلل الكامل، حيث تتوقف معظم القطاعات الحيوية ويتراجع النشاط الاقتصادي إلى الحد الأدنى، ما يؤدي إلى تراجع القدرة على التعافي وارتفاع معدلات الفقر واتساع الاقتصاد غير الرسمي.
سنوات من أجل التعافي
تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الاقتصاد في غزة يحتاج إلى سنوات طويلة للتعافي من أي تراجع اقتصادي حاد، خاصة في ظل محدودية الموارد وضعف البنية التحتية الاقتصادية.
في ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى حلول عاجلة للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية، تبدأ بالضغط الدولي لضمان إدخال الوقود والزيوت بشكل منتظم ودون قيود، بما يضمن استمرار تشغيل القطاعات الحيوية.
كما تبرز أهمية وضع آلية طوارئ محلية لإدارة الوقود المتاح وفق أولويات واضحة تشمل المستشفيات والمرافق الحيوية والقطاع الإنتاجي.
الحاجة لمشاريع طاقة بديلة
كذلك تبرز الحاجة إلى دعم مشاريع الطاقة البديلة، خاصة الطاقة الشمسية، لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد.
إضافة إلى توفير برامج دعم طارئة للقطاع الخاص المتضرر، بما يشمل تسهيلات مالية وضريبية تساعد على منع إغلاق المزيد من المنشآت.
لذلك، لم تعد أزمة الوقود أزمة طارئة أو مؤقتة، بل أصبحت مؤشراً واضحاً على هشاشة الاقتصاد في غزة، الذي يواجه تحديات مركبة تشمل الحصار ونقص الموارد وتراجع النشاط الاقتصادي.






