سامح حسنين يكتب: المنتظرون
لم يعد صديقي العجوز إرنست همنحواي كبطل روايته بقادر على الانتظار، أصابه الضجر وغزا اليأس قلبه من قدوم جودو.

صورة تعبيرية للنص
كم أدخلتنا يد الله في التجربة، لكنني لم أبع روحي للشيطان، رغم كل الهزائم.
لم أتبع خطى دوريان جراي في رواية اوسكارد وايلد حين أتاه رسول الشيطان يعرض عليه صفقة.
دوريان جراي الذي حباه الله بمسحة من الجمال سعى للحفاظ عليها، فلم يقترف الذنوب ولا اقترب من المعاصي.
لكنه في لحظة ضعف إنساني عقد صفقة مع رسول الشيطان، بأن يرتاد طريق الملذات ولن تظهر أثار المعاصي على وجهه ولن تؤثر على الجمال الذي منحه الله إياه.
رسم له رسول الشيطان صورة بديعة وكانت الصفقة أن تظهر أثار المعاصي على الصورة لا على وجهه الحقيقي.
غطى دوريان جراي الصورة وانطلق في طريق المغريات، لم يترك ذنبًا إلاّ وأقدم عليه ولا معصية إلاّ وارتكبها، بعد حين تذّكر الصورة وتساءل ترى كيف صار وجهي فيها؟
وجاءت لحظة مواجهة الحقيقة!
أزاح دوريان جراي الغطاء عن الصورة، وكانت الصدمة حين نظر، أخذ يتحسس وجهه ويواريه في مواجهة بشاعة ما جرى لوجهه في الصورة.
سامح حسنين يكتب: وللشهداء أجنحة
لم أبع روحي لرسول الشيطان.
ولم أعقد معه أي صفقة ولم يرسم لي صورة تظهر عليها آثار الخطايا، لكن وجهي كان ينكرني كلما نظرت في المرآة وأنا في انتظار جودو.
أجلس تحت شجرة بلا ظل في صحراء قاحلة بصحبة فلاديمير واستراجون في انتظار جودو، وكلما طال الانتظار وطالت غيبة جودو أتانا رسول جودو ليخبرنا أن ثمة ما منع جودو من القدوم إلينا في موعده وضرب لنا موعدًا آخر.
لا نعترض ولا نتبرم بل نجلس في انتظار جودو، فجودو سيحل كل مشكلاتنا، جودو وحده القادر أن يحول تعاسة حياتنا إلى فرح.
جودو من سيأخذ بأيدينا وينتشلنا من البؤس، جودو حين يعود سيبدّل حالنا، جودو وحده من يعرف الطريق ونحن فقط علينا اتباعه.
جودو من سيحدد خطواتنا القادمة ويرسم لنا طريق المستقبل
جودو سيصحح أخطاءنا ويرشدنا للطريق القويم، جودو سيواجه أعداءنا.
جودو سيعبر بنا من اليأس إلى الرجاء، جودو سيكسر الحزن فينا، جودو سيعيد لنا الحياة.
جودو سيقيم لنا مملكة وتبقى ألف عام، جودو سيصلح حذاء صديقي المهترئ وسيضمد جرح قدمه.
جودو سيعيد إليّ روحى التى انطفأت، جودو سيمسح الدمع فوق خدودنا، أنه جودو، ونحن فقط في انتظار جودو!!
حتى رسول جودو حين يئس من قدومه وملّ من ضرب المواعيد وقرر الانتحار، كنا أحرص الناس على إنقاذه، ليبقى في مهمته على اتصال بجودو.
وليأت لنا كل حين بأخبار قدومه ونحن تحت الشجرة التي بلا ظل، لا نفعل شيء سوى انتظار جودو، نحن قيد المرار أو قيد الانتحار في انتظار جودو!
وانتظرتها مع جابرييل جارثيا ماركيز ثلاثة وخمسون عامًا وأربعة أيام وأيضا هذا الصباح، كنت قيد الانتظار.
وفي كل مرة تظهر عليّ أعراض الكوليرا يؤكد الأطباء بعد الفحص أنها أعراض الحب لا الكوليرا.
وتتوالي الأعراض وتتوالي الفحوصات ولم تكن الكوليرا، لكن بعد كل هذا الانتظار، وحين اصطحبتها في رحلة بحرية ظهرت الأعراض وابتسمت، وأكدت أنها أعراض الحب ككل مرة، لكن هذه المرة كانت أعراض الكوليرا ولم تكن أعراض الحب!
أكان لابد لك أن تأتي متأخرًا يا جودو؟!
أصارع الأمواج مع سانتياغو الصياد العجوز، أنا مثله لم أحظ يومًا بصيد ثمين ولا سمكة تكفي، الأمواج عاتية والبحر قاس يا صديقي العجوز.
أنا في طريقي لأكون عجوزًا مثلك، لكن دعنا نحاول مرة ونكسر القاعدة ولا نبقى قيد الانتظار.
تملأ المياه قاربنا، بأكواب نعيدها للبحر
تطول بنا الأيام وتتقاذفنا الذكريات وتبقى الشباك فارغة من أي صيد، تلفح الشمس وجهينا، وينخر البرد في عظامنا، لكنا سنحاول يا صديقي.
أخيرا الشباك تهتز بسمكة كبيرة، يا لضخامتها، يبدو أن الحظ ابتسم لنا مرة يا سانتياجو دون أن نكون في انتظار جودو.
نرقص فرحًا، نغني، ونسارع للعودة، لكن القروش تهاجمنا من كل حدب وصوب، تلتف حول قاربنا البائس، تهاجم سمكتنا التى حظينا بها لمرة بعد عقود من الانتظار.
نفشل في إبعاد القروش، نرى سمكتنا تأكلها القروش، وليس بأيدينا شيء نفعله، نقترب من الشاطئ،ننظر في الشباك فلا نرى سوى بقايا الهيكل العظمي للسمكة!
لم يعد صديقي العجوز إرنست همنحواي كبطل روايته بقادر على الانتظار، أصابه الضجر وغزا اليأس قلبه من قدوم جودو.
يرسل لامرأة أبيه أن تبعث له ببندقية والده التي بها انتحر، حاولت إثناءه وأن يبقى معي في انتظار جودو، لن نبيع روحنا للشيطان يا صديقي لكنا فقط سنعود تحت الشجرة التي بلا ظل وننتظر جودو، لكنها ابتسم ابتسامة بطعم البكاء.
في المطبخ أطلق على رأسه الرصاص ليسهل على أمه مسح دمه، ولئلا تتعب في جمع ما تبقّى من رأسه.
وعدت في انتظار جودو، لكن قافلة من الشهداء مرت بي
في طريقها إلى الجنة، توقفوا قليلًا إلى جواري يتعارفون، الذين فقدوا أطرافهم نبتت لهم أجنحة ملائكية صغيرة، لكن طفلة معهم فقدت رأسها نتيجة القصف اختلفوا حولها، ينظر نحوها الشهداء، يصيح أحدهم إنها سناء محيدلي.
شهيد آخر يعترض ويقول إنها دارين أبو عيشة، يؤكد ثالث أنها شادية أبو غزالة، لكن شهيدًا يأتي من آخر الصف مبتسمًا يسلم عليها ويقبّل يدها، ويقول لرفاقه مبتسمًا: ألاّ تعرفونها؟ إنها تيريزا هيلسا.
يختلف الشهداء بلطف حول من تكون، يستدعون وديع حداد، جاء مسرعًا يصحبه أبو جهاد ويرافقهما أبو علي مصطفى، عانقوا الشهداء مبتسمين.
وبسؤالهم أقسم وديع أنها دلال المغربي، لكن أبا جهاد اقترب منها ودقق نظره، ومال نحو وديع، يا رفيق أنها زكية شموط.
لكنّ أبا علي مصطفى تعجّب من الرفاق، مد يده وأمسك يدها وقال: إنها فلسطين .. فلسطين التي تنتظر!
وصعدوا للسماء
وعدت وحدي “أحتسي مدامع قلبي”
و”أحترف الحزن والانتظار”
وأسأل روحي: “إن أعادوا لك المقاهي القديمة فمن يعيد لك الرفاق؟”
لكن بهية “لم تلقني لتسأل ما بي” ولا أخبرتني عمن قتل ياسين!!
وحبيبتي التي كانت يوما لم تفهم فلسفة استشهاد الحسين، ولا سبي زينب، ولا صلب المسيح، ولا رزية الخميس، ولا ما بعد السقيفة ولا حتى ما بعد الحداثة!
وكنت وحدي أواسي نفسي الثكلى، حين سألت “ألم أقتلك”
فابتسمت وأجبتها ” قتلتني، ونسيت مثلك أن أموت”
وأغني ” نسينا ازاي كده نسينا”
لكنك تنسى أنك” تُنسى كأنك لم تكن”
رغم أني لم أسل إن كان القرآن مخلوقا أم أزليا، ولا كيف تكلم من كان في المهد صبيا!
فجأة يأتيني صوت صديقي الجنوبي رمضان عبد العليم وهو يقول ” كبرنا في القطار الذي لا يصل وحين تلكأ .. اكتشفنا الخديعة بعد ألف عمر!”






