سالم أبو رخا يكتب: كيف تحولت شاشة السينما إلى شباك تذاكر؟
ففي الستينيات كانت الدولة متهمة بأنها احتكرت صناعة السينما، وأممت جزءًا كبيرًا من بنيتها، وأصبحت طرفًا رئيسيًا في الإنتاج والتوزيع.

فيلم الأرض من أهم الأفلام التي انتجت في السيتينات (وسائل التواصل)
حين كانت السينما تتكلم باسم الناس
كنت أشاهد قبل أيام مقطعًا للكاتب والمنتج مدحت العدل في لقاء مع الـBBC، وكانت المذيعة تسأله:
لماذا توقفت شركة العدل عن إنتاج الأفلام السينمائية؟
كان رده لافتًا، إذ قال، في ما معناه، إن الشركة توقفت بعدما اجتاح صناعة السينما ما سماه فساد ظاهرة سيطرة الموزع على دور العرض.
ما يقصده أن يصبح المنتج هو الموزع، والموزع هو صاحب دور العرض، فتتجمع مفاتيح الصناعة كلها في يد واحدة.
توقفت عند الإجابة طويلًا
ليس لأنها تقدم تفسيرًا كاملًا لما جرى للسينما المصرية، وإنما لأنها تضع يدها على جزء مهم من الحكاية التي لا نحب أن نتذكرها كثيرًا.
ثم، في اللحظة نفسها تقريبًا، بدأت تصلني فيديوهات دعائية من إحدى دور النشر للإعلان عن احتفال توقيع كتاب عن صاحبة السعادة إسعاد يونس.
وهي واحدة من الأسماء المهمة في تلك المرحلة التي أعادت تشكيل خريطة الإنتاج والتوزيع ودور العرض في بدايات الألفية، مع صعود نموذج الشركات التي جمعت أكثر من ضلع في الصناعة داخل كيان واحد.
سالم أبو رخا يكتب: في الإسكندرية حوّلوا حديقة تاريخية إلى محلات كبدة وكشري!
لم تكن المشكلة في أن إسعاد يونس منتجة
ولا في أن شركة ما نجحت في السوق، بل المشكلة في تركيز القوة:
من ينتج الفيلم، ويملك حق توزيعه، ويمتلك أو يسيطر على مساحة عرضه، يستطيع أن يقرر عمليًا أي فيلم يصل إلى الجمهور، وأي فيلم يبقى محبوسًا في الأدراج أو يحصل على فرص أقل.
وهنا تبدأ قصة أخرى، قصة السينما المصرية التي انتقلت، بالتدريج، من كونها صناعة لها علاقة بالمجتمع إلى سوق تحكمه حسابات السوق وحدها.
دخلت السينما مصر منذ نحو مئة وثلاثين عامًا، لكنها لم تبقَ مجرد وسيلة ترفيه وافدة، ومع الوقت أصبحت جزءًا من ذاكرة المصريين.
نعرف شكل القاهرة القديمة من أفلامها
ونعرف الحارة، والموظف، والعامل، والفلاح، والطالب، والمرأة، والأسرة، ونعرف حتى تفاصيل الحياة اليومية التي لم تكن كتب التاريخ تهتم بتسجيلها.
لكن السينما لم تكن مجرد مرآة للمجتمع، ففي فترات كثيرة كانت تتقدم عليه خطوة، تطرح أسئلة لا يستطيع المجتمع أن يطرحها بسهولة، وتناقش قضايا سياسية واجتماعية.
وتقول للناس إن ما يعيشونه ليس قدرًا طبيعيًا بالضرورة.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول السينما، خصوصًا في عقود تراجع الحياة السياسية والحزبية، إلى ما يشبه البرلمان البديل، حيث كان المواطن يدخل دار السينما فيجد نفسه.
ليس بالضرورة أن يرى قصته حرفيًا، لكنه يجد خوفه، وفقره، وطموحه، وغضبه، وتناقضاته. كان الفيلم يقول شيئًا، وهذه كانت قيمته الأولى.
المفارقة أن هذه المرحلة لم تكن دائمًا مرحلة السوق الحر كما نتصورها اليوم
ففي الستينيات كانت الدولة متهمة بأنها احتكرت صناعة السينما، وأممت جزءًا كبيرًا من بنيتها، وأصبحت طرفًا رئيسيًا في الإنتاج والتوزيع.
ومع ذلك خرجت من تلك الفترة بعض أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية، مثل «السمان والخريف» و«اللص والكلاب» و«شيء من الخوف» و«ثرثرة فوق النيل»
أفلام لم تكن مجرد أعمال جيدة الصنعة، وإنما أفلام لديها ما تقوله.
«اللص والكلاب» لم يكن مجرد مطاردة لص للانتقام من أعدائه، بل كان سؤالًا عن الخيانة والاغتراب وانهيار القيم.
و«السمان والخريف» كان حكاية إنسان وجد نفسه خارج الزمن بينما المجتمع من حوله يتغير.
و«ثرثرة فوق النيل» التقط حالة مجتمع يحاول الهرب من واقعه
أما «شيء من الخوف»، بحكايته عن عتريس الذي يفرض سلطته على قرية بأكملها، فقد بقي مفتوحًا على قراءات سياسية واجتماعية تتجاوز الحكاية نفسها.
يمكن أن نختلف مع تجربة الدولة في الستينيات، ويمكن أن ننتقد طريقة إدارتها للصناعة، لكن لا يمكن أن نتجاهل المفارقة بأن الدولة كانت تملك جزءًا كبيرًا من السينما، ومع ذلك كانت هناك أفلام لديها أسئلة.
إذن ليست القضية ببساطة أن الدولة تفسد السينما والقطاع الخاص ينقذها، بل المسألة أكثر تعقيدًا.

السؤال الحقيقي هو: ما الفكرة التي تحكم الصناعة؟
هل الفيلم عمل فني يمكن أن يحقق أرباحًا، أم سلعة يجب أن تحقق أكبر قدر ممكن من المال في أقصر وقت؟
في بداية الألفية تغيرت الخريطة، وظهرت كيانات كبيرة جمعت الإنتاج والتوزيع ودور العرض، وأصبح الموزع في موقع أكثر قوة من أي وقت مضى.
وعندما يصبح صاحب القرار هو المنتج والموزع وصاحب شاشة العرض في الوقت نفسه، فإن المشكلة لا تعود في ذوقه وحده، بل إن السوق نفسه يصبح مغلقًا أمام البدائل.
يمكن أن يكون لديك مخرج موهوب، وكاتب لديه سيناريو ممتاز، وممثلون جيدون، لكن ماذا تفعل إذا لم تجد دور عرض تعرض فيلمك بالشكل الذي يستحقه؟
السينما ليست مجرد فيلم، الفيلم يحتاج إلى شاشة
والشاشة في النهاية هي بوابة الجمهور، ومن يملك البوابة يستطيع أن يتحكم، إلى حد بعيد، في الطريق الذي تسلكه الأفلام إلى الناس.
وهنا أتذكر تلك المرحلة التي ظهرت فيها أفلام مثل «كيمو وانتيمو» و«حبك نار» و«جاي في السريع»
بينما كانت أفلام لمخرجين مهمين مثل أسامة فوزي وداود عبدالسيد ومحمد أمين تكافح للحصول على مكانها الطبيعي.
المشكلة ليست في أن هذه الأفلام التجارية حققت نجاحًا أو فشلًا، فالجمهور من حقه أن يشاهد ما يريد,
لكن المشكلة عندما تصبح الخيارات المتاحة للجمهور نفسها مصنوعة مسبقًا، وعندما يستطيع السوق أن يقول لك هذه الأفلام هي التي ستشاهدها ثم يعود بعد ذلك ليقول إن الجمهور اختارها.
أي جمهور؟ الجمهور الذي لم يرَ البدائل أصلًا؟
وهنا نصل إلى واحدة من أخطر الحكايات في تاريخ السينما المصرية الحديثة.
فالاحتكار لا يعني بالضرورة أن شخصًا واحدًا أغلق الباب وقال لن تدخلوا، بل أحيانًا يكون الاحتكار أكثر نعومة، بأن يحصل فيلم على عدد كبير من دور العرض بينما يحصل فيلم آخر على عدد قليل.
أو يُعرض فيلم في مواعيد جيدة ويُوضع آخر في مواعيد لا يراه فيها أحد.
أو يحصل فيلم على حملة دعائية ضخمة وآخر يمر كأنه لم يكن.
وبعدها تظهر الأرقام لتقول إن الأول حقق ملايين والثاني لم يحقق، إذن الأول أفضل!
وهكذا يصبح شباك التذاكر شاهدًا على جريمة شارك في صناعتها من البداية.
أنا لا أحن إلى سينما الماضي لأنها كانت مثالية فلم تكن كذلك، وكان فيها أفلام ضعيفة وتجارية وساذجة وأفلام صنعت فقط لكي تحقق المال، لكن كان هناك شيء مهم نفتقده الآن وهو التنوع.
كان يمكن لفيلم تجاري أن يعيش إلى جوار فيلم فني، وفيلم جماهيري بجوار فيلم سياسي، وكوميديا بجوار فيلم اجتماعي ثقيل.
كان المخرج يستطيع أن يغامر، والكاتب يستطيع أن يكتب شخصية لا تشبه النجم، والمنتج يستطيع أن يخسر في فيلم لكي يكسب في صناعة كاملة.
أما حين تصبح الصناعة قائمة على الحسابات القصيرة، فإن المغامرة تصبح عيبًا.
والكاتب الذي يريد أن يقول شيئًا يصبح مخاطرة، والمخرج المختلف يصبح مخاطرة، والوجه الجديد يصبح مخاطرة، بينما النجم المضمون هو الاستثمار الآمن.
ومن هنا بدأ شيء آخر يتغير، وهو معنى النجاح نفسه، فلم يعد يكفي أن يكون الفيلم جيدًا، بل يجب أن يكون الأعلى إيرادًا.
وأن يكون النجم «النمبر وان»
ثم تبدأ الحروب الصغيرة حول من جمع أكثر ومن تصدر ومن كسر الرقم ومن هزم الآخر.
وأحيانًا أشاعر أن السينما المصرية أصبحت تشاهد نفسها أكثر مما تشاهد المجتمع؛ فالنجم يتحدث عن إيراداته، والمنتج يتحدث عن نجاحه، والمنصات تتحدث عن الترند، والجمهور يتخانق حول الأرقام.
لكن من يتحدث عن الفيلم نفسه، وماذا قال، وماذا أضاف، وماذا ترك بعد انتهاء العرض؟
لا أريد أن أقع في الفخ السهل وأقول إن كل سينما اليوم سيئة فهذا غير صحيح، ولا أريد أن أقول إن كل سينما الماضي عظيمة وهذا أيضًا غير صحيح.
لكن هناك فرقًا بين أن تكون لديك صناعة تنتج أفلامًا ضعيفة أحيانًا، وبين أن تتحول فكرة الفيلم نفسها إلى سلعة.
في الحالة الأولى يمكن أن يأتي فيلم جيد في الموسم التالي، أما في الحالة الثانية فأنت أمام منظومة كاملة لا تشجع إلا ما تعرف أنه سيبيع.
وهنا يموت التجريب، وتتراجع الكتابة، ويصبح المخرج مجرد منفذ، ويصبح الممثل علامة تجارية، وتحول دار العرض من نافذة إلى السوق إلى جزء من السوق نفسه.
والأخطر أن كل هذا يحدث في مجتمع تغير هو الآخر
فالطبقة الوسطى التي كانت تاريخيًا جزءًا أساسيًا من جمهور السينما أصبحت أكثر إنهاكًا، والناس تعمل أكثر وتدفع أكثر وتخاف أكثر.
وأصبح الذهاب إلى السينما في كثير من الأحيان جزءًا من رحلة إلى المول تضم مطعمًا وقهوة وتسوقًا ثم فيلمًا.
لا مشكلة في ذلك، لكن حين تتغير علاقة المجتمع بالسينما، تتغير الصناعة بالضرورة، وتصبح الأفلام مطالبة بأن تكون أسرع وأوضح وأكثر قابلية للبيع.
أما الأسئلة الثقيلة فتؤجل إلى إشعار آخر.
لكن السينما المصرية لا تعاني فقط من مشكلة إنتاج، إنها تعاني من مشكلة خيال؛ خيال المنتج عن الجمهور، وخيال الكاتب عن الحكاية، وخيال المخرج عن السينما.
فإذا تصورنا أن الجمهور لا يريد إلا الضحك والأكشن والنجم المشهور، فسوف نصنع له ذلك، ثم نقول بعد سنوات إن هذا هو ذوق الجمهور.
والحقيقة أننا لا نعرف أحيانًا ماذا يريد الجمهور لأننا لم نعطه الفرصة ليرى غير ذلك. الجمهور ليس طفلًا يحتاج إلى أن نختار له طعامه، وأعطه فيلمًا جيدًا وسوف يفاجئك.
لهذا لا أعتقد أن إنقاذ السينما المصرية يبدأ بإنتاج عدد أكبر من الأفلام، ولا بإطلاق ألقاب جديدة على النجوم، ولا بكسر رقم شباك التذاكر، بل يبدأ من إعادة التوازن إلى الصناعة.
أن يعود الكاتب إلى مكانه، وأن يحصل المخرج على مساحة للمغامرة
وأن تكون هناك فرص حقيقية للأفلام المختلفة، وأن تتعدد شركات الإنتاج والتوزيع، وأن تصبح دور العرض مساحة لاستقبال الأفلام لا أداة للتحكم في مصيرها، وأن نتوقف قليلًا عن اعتبار الرقم دليلًا على القيمة.
السينما المصرية لم تفقد جمهورها تمامًا، ولم تفقد مواهبها، ولم تفقد قدرتها على صناعة فيلم كبير، والذي فقدته، ربما، هو الإيمان بأن الفيلم يمكن أن يكون أكثر من سلعة.
وهذا هو الجزء الذي يستحق أن نستعيده، لأن السينما التي أنتجت «اللص والكلاب» و«السمان والخريف» و«ثرثرة فوق النيل» و«شيء من الخوف» في وقت كانت الدولة نفسها طرفًا رئيسيًا في صناعتها، ليست عاجزة اليوم عن إنتاج أفلام عظيمة.
لكنها تحتاج إلى صناعة لا تسأل الكاتب أولًا: هل سيبيع هذا؟
بل تسأله: ماذا تريد أن تقول؟
وبعد ذلك يأتي السوق، لا العكس.
فقد تربح السينما المصرية شباك التذاكر مرة أخرى، لكنها لن تستعيد مكانتها في وجدان المصريين إلا عندما يصبح لديها، مرة أخرى، شيء يستحق أن يُقال.






