زلزال يعيد هندسة الأسواق
تعيش العواصم الكبرى مخاض تفاهمات حرجة خلف كواليس مسقط وواشنطن لكبح جماح الأزمة الملاحية في مضيق هرمز.

صورة تعبيرية للتقرير
النفط يتراجع تحت وطأة “هدنة مسقط”
اخر الكلام – المحرر الاقتصادي
لا تزال الأسواق المالية والسلعية العالمية تدور في فلك معادلة بالغة التعقيد، تتقاطع فيها لغة الدبلوماسية مع أصوات الميدان المشتعل.
وفيما تعيش العواصم الكبرى مخاض تفاهمات حرجة خلف كواليس مسقط وواشنطن لكبح جماح الأزمة الملاحية في مضيق هرمز.
أظهرت حركة المؤشرات الدولية تذبذباً حاداً يعكس قلق المستثمرين حيث انخفضت أسعار النفط تدريجياً نتيجة توقع انفراجة في المعروض الإيراني.
بينما قفزت أسعار الذهب والمعادن الأساسية كالألومنيوم والنحاس إلى مستويات قياسية نتيجة صدمات الإمداد الحادة وتكلفة الطاقة المرتفعة الناجمة عن تداعيات مواجهات الشهور الماضية.
وترصد وكالات الأنباء والصحف الاقتصادية العالمية على مدار الساعة هذا المخاض الذي يعيد تشكيل خارطة الاستثمار العالمي.
صراع السيادة على “شريان الطاقة العالمي”
لندن تقود تحركاً لاحتواء تداعيات حصار مضيق هرمز
أولاً: حركة الأسعار.. خام برنت يسجل أكبر خسارة شهرية ويتراجع إلى 92 دولاراً
أغلقت أسعار النفط العالمية تعاملاتها الأسبوعية الأخيرة على تراجع ملموس؛ حيث انخفض خام برنت القياسي بنسبة 1.77% ليستقر عند 92.05 دولار للبرميل.
في حين أغلق خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) عند 87.36 دولار للبرميل ، ليسجل النفط بذلك أكبر خسارة شهرية له منذ ست سنوات بنسبة تراجع بلغت قرابة 17% خلال شهر مايو.
هذا الهبوط الأخير جاء مدفوعاً بمسارعة المستثمرين لتسعير نتائج التهدئة المحتملة، عقب إعلان الرئيس الأمريكي ترامب عن عقد اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض لاتخاذ قرار نهائي بشأن الاتفاق ومسودة التفاهم الجاري بحثها برعاية عُمانية-فرنسية.
وتضغط طهران لرفع العقوبات عن قطاع الطاقة والبنك المركزي كشرط أساسي لانتظام الملاحة في المضيق، مما دفع بالمؤشرات النفطية نحو الهبوط ترقباً لضخ كميات إضافية من الخام الإيراني كانت محجوبة بفعل تشديد الحصار البحري.
ثانياً: ملاذات التوتر الآمنة.. الذهب يواصل صعوده التاريخي فوق الـ 4500 دولار
على النقيض من تراجع النفط، واصلت أسعار الذهب مكاسبها التاريخية في الأسواق العالمية بنهاية تعاملات الأسبوع، لتستقر العقود الفورية للمعدن الأصفر عند مستويات قياسية بلغت 4,538.30 دولار للأونصة العالمية، مع تداولات حذرة تأرجحت في النطاق الفني بين 4,500 و4,540 دولار للأونصة.
قد انعكس هذا الارتفاع القياسي مباشرة على الأسعار في الأسواق المحلية؛ حيث سجل الكيلوغرام الواحد من الذهب ما يقارب 123,020 يورو، في حين واكبت الفضة الناعمة هذا الصعود لتستقر عند مستويات تناهز 2,060.40 يورو لكل كيلو غرام.
ويأتي هذا الارتفاع مدفوعاً باستمرار التوترات الجيوسياسية وإقبال البنوك المركزية العالمية على الشراء المكثف لتأمين احتياطياتها، حيث يمثل مستوى 4,500 دولار نقطة الدعم النفسي والفني المحورية الحالية في الأسواق.
ثالثاً: الألومنيوم والنحاس يقودان ثورة المعادن الأساسية بفعل صدمة المعروض
لم تكن المعادن الصناعية بمعزل عن هذا الغليان؛ بل كانت الأكثر تأثراً بالاختناقات اللوجستية في الممرات المائية وأزمات الطاقة في خطوط الصهر، لتسجل أرقاماً غير مسبوقة في بورصة لندن للمعادن (LME):
الألومنيوم يشتعل:
قفز سعر التسوية النقدي للألومنيوم ليصل إلى – 3,769.50 دولار للطن- ، مسجلاً أعلى مستوياته منذ أكثر من أربعة أعوام.
ويعود هذا الارتفاع الصاروخي إلى تعرض المعدن لصدمة إمدادات غير مسبوقة وفقدان جزء كبير من إنتاج منطقة الخليج بسبب الحرب وتداعيات أزمة مضيق هرمز ومصادر الطاقة.
النحاس والنيكل عند مستويات حرجة:
استقر سعر طن النحاس عند مستويات قياسية مرتفعة مسجلاً – 13,540 دولار للطن- ، وسط تراجع حاد في الإمدادات الفورية الفعالة.
في المقابل، حافظت أسعار النيكل على تماسكها القوي فوق مستويات – 18,750 دولار للطن- (و18,950 دولار لعقود الـ 3 أشهر) بدعم من قيود التعدين الجديدة واشتعال العقود الآجلة.
رابعاً: انقسام واشنطن وتأثيره على ثقة المستثمرين
خلف كواليس الأسواق المشتعلة، يتأثر سلوك المستثمرين بالانقسام الحاد الجاري في واشنطن.
فبينما تحاول إدارة ترامب بث رسائل تفاؤلية للتأكيد على قرب صياغة اتفاق نهائي يضمن خفض تكلفتي الشحن والطاقة.
تلوح في الأفق تعقيدات دبلوماسية أخرى مثل فرض قيود مشددة على تأشيرات الوفود الفنية الإيرانية ومخاوف طلبات اللجوء لبعثة طهران المونديالية.
هذا التداخل بين ما هو سياسي ورياضي واقتصادي، يدفع الصناديق الاستثمارية الكبرى للتحوط بالمعادن وتجنب عقود الطاقة الآجلة الطويلة، خشية حدوث انتكاسة مفاجئة في المفاوضات تعيد إشعال الجبهات البحرية.
تؤكد حركة الأسواق الصباحية أن الاقتصاد العالمي يعيش فترة إعادة تموضع تاريخية. إن تراجع النفط إلى مستويات الـ 92 دولاراً يظل تراجعاً “مشروطاً” بنجاح وساطة مسقط وتوقيع وثيقة الهدنة الإيرانية الأمريكية.
بينما تعكس قفزات الذهب فوق 4538 دولاراً واشتعال الألومنيوم والنحاس الحقيقة الثابتة بأن صدمات سلاسل الإمداد وتقييد حركة السلع الأساسية هما المحركان الحقيقيان للتضخم الحاصل.





