تقارير

صراع السيادة على “شريان الطاقة العالمي”

تصدرت كواليس ومسودات التفاهمات غير المعلنة بين واشنطن وطهران العناوين الرئيسية لكبرى المنصات الإعلامية الإقليمية والدولية.

مشاركة:
حجم الخط:

تفجر الخلافات في واشنطن

تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية والعسكرية في التاريخ الحديث، حيث تصدرت كواليس ومسودات التفاهمات غير المعلنة بين واشنطن وطهران العناوين الرئيسية لكبرى المنصات الإعلامية الإقليمية والدولية.

وتأتي هذه التطورات المتسارعة بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على اندلاع المواجهة العسكرية الشاملة في 28 فبراير الماضي، والتي أسفرت عن إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز وتأثيرات كارثية غير مسبوقة على أسواق النفط والاقتصاد العالمي.

وفيما يلوح في الأفق مقترح فرنسي وأميط اللثام عن مسودة وثيقة تفاهم إيرانية، فإن المشهد الميداني والسياسي لا يزال يتأرجح بين فرضية التهدئة التدريجية وخطر الانزلاق مجددًا نحو مواجهة أشد ضراوة.

نجحت فيما فشل الأخرون: بنجلاديش تنقذ الجاموس ترامب

قمة “غرفة العمليات” بالبيت الأبيض ومستقبل التهدئة مع إيران

المحور الأول: حركية الميدان والوضع الملاحي في مضيق هرمز

ميدانيًا، وبناءً على ما ترصده وكالات الأنباء العالمية على مدار الساعة، لا يزال مضيق هرمز يعيش حالة شلل ملاحي شبه تام أدت إلى تراجع حركة ناقلات النفط بنسبة تتجاوز 70% منذ بدء الأزمة. وتتمسك طهران بما تصفه بـ “السيادة الراسخة والحصرية” على إدارة حركة الملاحة في المضيق كجزء لا يتجزأ من أمنها القومي.

في المقابل، يواصل الجيش الأمريكي تشديد حصاره البحري الصارم على الموانئ الإيرانية، والذي بدأ تطبيقه الفعلي في 17 أبريل الماضي.

ووفقًا لبيانات صادرة عن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، فقد ارتفع عدد السفن والناقلات التي أوقفتها القوات الأمريكية بالقوة إلى 6 سفن، مع إعادة توجيه 116 سفينة تجارية أخرى لضمان التنفيذ الكامل لمنع الصادرات الإيرانية.

هذا “الحصار المزدوج” (إغلاق المضيق من قِبل إيران، وحصار الشواطئ من قِبل أمريكا) خلق أزمة طاقة هي الأكبر عالميًا منذ سبعينيات القرن الماضي.

المحور الثاني: تصريحات ترامب ومناورات مسودة التفاهم

على الصعيد الدبلوماسي، أحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالة من الزخم والجدل بعد تصريحاته عبر منصته “تروث سوشيال”، والتي أكد فيها أن الاتفاق لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز “تم التفاوض على معظمه وجوانبه النهائية قيد الصياغة”.

وأشار ترامب إلى إجرائه اتصالات إيجابية للغاية مع قادة دول الخليج ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لترتيب ملامح المرحلة المقبلة، ملمحًا إلى توجهه لرفع الحصار البحري تدريجيًا بشرط فتح المضيق دون قيود وعودة حركة الملاحة لطبيعتها في غضون 30 يومًا.

غير أن طهران سارعت عبر وسائل إعلامها الرسمية، ومنها وكالة “إيسنا”، إلى وصف تصريحات ترامب بأنها “مضللة ومبتسرة”، معلنة في الوقت ذاته عن ملامح “مسودة وثيقة تفاهم” تتمسك بها كشرط أساسي لوقف التصعيد. وتتضمن الشروط الإيرانية ما يلي:

 الإفراج الفوري عن الأموال المجمدة:

تطلب طهران تأمين الإفراج عن 24 مليار دولار كخطوة أولى (نصفها يُصرف بمجرد الإعلان عن مذكرة التفاهم) من إجمالي أصولها المجمدة في الخارج والبالغة قرابة 123 مليار دولار.

الرفع الشامل للعقوبات:

ربط إعادة فتح المضيق بالإنهاء الكامل للحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وتقديم جدول زمني لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على قطاع الطاقة والبنك المركزي الإيراني.

المحور الثالث: الانقسام الداخلي الحاد في واشنطن

خلف كواليس البيت الأبيض، يفجر هذا الاتفاق المحتمل صراعًا سياسيًا حادًا وعميقًا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل وداخل الإدارة الأمريكية نفسها.

تتمثل رؤية إدارة ترامب في ضرورة إنهاء الحرب سريعًا وتأمين إمدادات النفط العالمية، لتفادي أثر أزمة الطاقة الكارثي على الاقتصاد الأمريكي الداخلي، مع فرض آلية فتح ملاحي مباشر للمضيق.

في المقابل، تبرز تحفظات قوية من الكونغرس والمعارضة الديمقراطية تتمحور حول غياب الضمانات النووية الصارمة، وعدم إلزام طهران بالتخلي الكامل عن مخزونها من اليورانيوم، فضلًا عن الرفض القاطع لتقديم تنازلات مالية ضخمة وإفراج عن أرصدة مجمدة دون تفكيك شبكة الطائرات المسيرة الإيرانية.

وفقًا لتقارير عن مسؤولين أمريكيين، فإن ترامب نفسه يبدي استياءً كبيرًا من بطء الرد الإيراني على المقترحات الأمريكية.

في حين يضغط صقور الإدارة (بمن فيهم وزير الخارجية مارك روبيو) باتجاه انتزاع تنازلات جوهرية تشمل قيام طهران بتخفيف تخصيب مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب أو تسليمه بالكامل لجهة وسيطة، وهو ما ترفضه طهران حتى الآن معتبرة إياه مساسًا بسيادتها.

المحور الرابع: الوساطة الإقليمية والدولية (الدور العُماني والفرنسي)

في خضم هذا الانسداد، برزت سلطنة عُمان مجددًا كقناة دبلوماسية تاريخية ومحورية؛ حيث تجري اتصالات مكثفة بين مسقط وواشنطن وطهران لتقريب وجهات النظر ومحاولة صياغة إطار زمني مدته 60 يومًا لتمديد وقف إطلاق النار المؤقت (المعمول به نسبيًا منذ 8 أبريل) وبناء الثقة.

وتشير التقارير إلى أن المقترح يتضمن خطوات متزامنة ومتوازية:

“خطوة أمريكية برفع جزئي للحصار مقابل خطوة إيرانية بالسماح لعدد محدد من الناقلات بالعبور”، إلا أن الخلاف الشديد حول “من يبدأ أولاً”

وحول “تفاصيل السيطرة الأمنية على المضيق بالتعاون مع دول الجوار” يعرقل الإعلان النهائي حتى الساعات الأخيرة.

تتجه أزمة مضيق هرمز نحو منعطف حاسم،فإما أن تنجح الضغوط الاقتصادية المتبادلة وحاجة ترامب لتهدئة أسواق الطاقة في تمرير اتفاق مرحلي يخفف الاختناق العالمي.

أو أن تصطدم المسودة الإيرانية بالشروط الأمريكية الصارمة وبرفض الكونغرس، مما قد يدفع المنطقة إلى جولة جديدة من المواجهات العسكرية المباشرة التي قد تطيح بالتهدئة الهشة وتدخل أسواق النفط في نفق مظلم غير معلوم النهاية.

شارك المقال: