زلزال الهوية في الكويت (أبريل الأسود)
ولم يكن أشد المتفائلين بـ "تصحيح المسار" في الكويت يتوقع أن تصل الجرأة الحكومية إلى فتح صناديق الجنسية المغلقة منذ عقود

صورة من وحي المقال
تشهد الكويت في أبريل 2026 حراكاً سياسياً وقانونياً هو الأشرس في تاريخها المعاصر، حيث تحول ملف “الجنسية” من شأن إداري روتيني إلى “قضية أمن قومي” من الدرجة الأولى.
تحت قيادة الشيخ فهد اليوسف، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والداخلية، دخلت الدولة في معركة مفتوحة لتطهير الهوية الوطنية من “المزورين والمزدوجين”.
ولم يكن أشد المتفائلين بـ “تصحيح المسار” في الكويت يتوقع أن تصل الجرأة الحكومية إلى فتح صناديق الجنسية المغلقة منذ عقود .
اليوم تعيش الكويت حالة من الاستنفار القانوني؛ فالمراسيم لا تصدر بالآحاد أو العشرات، بل بـ “الآلاف”.
إنه زلزال الهوية الذي لم يترك “خطاً أحمر” إلا وتجاوزه، مستنداً إلى دعم أميري مطلق وتفويض شعبي يرى في هذا التطهير استعادة لهيبة الدولة ومواردها التي استنزفتها “الجنسية السياسية” أو “جنسية التزوير”.
هذا الإعصار لم يولد من فراغ، فالحكاية بدأت قبل عقود، في غرف مغلقة شهدت صفقات سياسية ومجاملات اجتماعية تحولت مع مرور الزمن إلى “قنبلة موقوتة” في قلب الهوية الوطنية.
اليوم، قررت الدولة أن “تفتح الصندوق الأسود”، لتبدأ رحلة استعادة الجنسية من أولئك الذين حصلوا عليها عبر “ثقوب القانون”.
كيف زُرعت بذور الأزمة؟
لكي نفهم لماذا تسحب الكويت الجنسيات بالآلاف في 2026، يجب أن نعود إلى الوراء، وتحديداً إلى مرحلة ما بعد الاستقلال وفترة السبعينيات والثمانينيات.
اولا : لم تكن الكويت وليدة قرار دولي عابر، بل كانت ثمرة “تحالف تاريخي” فريد في منطقة الخليج.
في أوائل القرن الثامن عشر، وتحديداً مع وصول حلف “العتوب”، برزت عائلة “آل صباح” كقيادة سياسية حكيمة استطاعت أن تحول هذا الميناء الصغير إلى “نقطة توازن” بين القوى الكبرى (العثمانيين، الإنجليز، والوهابيين).
تأسست الدولة على مفهوم “المجتمع التعاقدي” بين الحاكم والمحكوم؛ حيث أدار آل صباح السياسة والأمن، بينما أدار التجار شؤون الاقتصاد والبحر.
هذا التجانس الصغير والصلب هو الذي صنع “الهوية الكويتية” الأولى؛ هوية قوامها الصمود في بيئة شحيحة الموارد، والولاء المطلق لكيان يمثل للجميع “بر الأمان”.
ثانياً: الاستقلال وفخ “الدولة الريعية”( تستمد معظم دخلها القومي من “ريع” خارجي، أي من بيع موارد طبيعية خام للخارج، وليس من نتاج جهد إنتاجي محلي )
مع بزوغ فجر الاستقلال في 19 يونيو 1961، وانتقال الكويت إلى عصر الدولة الدستورية الحديثة، واجهت القيادة تحدياً وجودياً: كيف نحمي هذه الواحة الصغيرة وسط محيط إقليمي هائج؟
تحت حكم الشيخ عبدالله السالم الصباح (أبو الدستور)، تبلورت ملامح الدولة، وصدر قانون الجنسية عام 1959 ليحدد “من هو الكويتي”.
لكن الطفرة النفطية الهائلة حوّلت الدولة إلى “مغناطيس” إقليمي؛ فجأة، صار الجواز الكويتي ليس مجرد انتماء، بل هو “صك عبور” إلى عالم من الرفاهية والامتيازات التي لا تضاهى.

ثالثاً: “التجنيس العشوائي
خلال السبعينيات والثمانينيات، دخل ملف الجنسية في “دهاليز السياسة”.
وبسبب رغبة بعض الأطراف في السلطة والبرلمان في تغيير التوازنات الديموجرافية (سواء لتعزيز ثقل قبلي ضد تيارات ليبرالية، أو لمكافحة مد أيديولوجي وافد)، فُتحت أبواب التجنيس على مصراعيها في “لحظات غفلة” قانونية.
التجنيس السياسي:
مُنحت الجنسية لآلاف الأشخاص بناءً على “ولاءات لحظية” وليس على معايير الانتماء التاريخي.
فوضى الإضافات:
في ظل غياب الرقابة الرقمية آنذاك، سُجلت حالات “إضافة وهمية” لمئات الأبناء والزوجات عبر “شهود زور”، مما أدى إلى تضخم ملفات الجنسية بأسماء لا تربطها بالكويت سوى “البطاقة المدنية” والمزايا المالية.
رابعاً: غزو 1990 الصدمة التي كشفت “ثغرات الولاء”
جاء غزو صدام حسين للكويت في 2 أغسطس 1990 ليكون “الاختبار القاسي” لهذه الهوية المهتزة.
لم يكن طمع صدام في الكويت مجرد رغبة في الاستحواذ على النفط أو الموانئ العميقة، بل كان يراهن على أن الكويت “كيان كرتوني” يمكن تذويبه ديموجرافياً.
أدركت الكويت بعد التحرير أن “الخطر الداخلي” لا يقل عن الخطر الخارجي.
فالمواطن الذي يحمل “جنسيتين” أو الذي حصل عليها بالتزوير، قد لا يجد غضاضة في تغيير ولاءاته عند أول اختبار.
ومن هنا، ولدت عقيدة “الأمن القومي المرتبط بالهوية”، وباتت المطالبات بتطهير الكشوف مطلباً وطنياً تأخر تنفيذه الفعلي لعقود.. حتى جاء عام 2026.
تطور الطرح من “المسكوت عنه” إلى “المواجهة الأمنية”
لسنوات طويلة، كان ملف الجنسية يُعتبر “خطاً أحمر” لا يجوز الاقتراب منه لأنه يمس نسيج القبائل والعوائل. لكن التحول الجذري بدأ مع تولي الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح مقاليد الحكم، ورفعه شعار “تصحيح المسار”.
هنا بدأت الحكومة في 2024 و2025 بجمع الخيوط. لم تعد المسألة بلاغات كيدية، بل تحولت إلى “عملية جراحية” دقيقة استهدفت:
– المزدوجين:
أولئك الذين يجمعون بين الجنسية الكويتية وجنسية أخرى (سعودية، عراقية، سورية، أو أمريكية)، وهو أمر يحظره القانون الكويتي الصارم الذي يرفض “الولاء المزدوج”.
– المزورين:
الذين تم اكتشافهم عبر “البصمة الوراثية” التي كشفت أن أبناءً لا يمتون بصلة بيولوجية لآبائهم الكويتيين.
رصد أحداث 2026: حين دخل “الذكاء الاصطناعي” ساحة المعركة
مع مطلع عام 2026، دخلت الحملة طور “الشراسة التقنية”. لم تعد اللجنة العليا لتحقيق الجنسية تنتظر الوشايات، بل أطلقت نظاماً تقنياً يربط البصمة البيومترية بالسجلات الصحية، وسجلات السفر، والتحويلات المالية.
التسلسل الزمني لـ “أبريل الأسود”
14 أبريل 2026: استيقظ الكويتيون على خبر صاعق؛ صدور المراسيم (22، 23، 24) لسنة 2026. لم تكن القائمة تضم عشرة أو عشرين، بل شملت 2182 شخصاً.
كانت هذه الضربة هي الأكبر في تاريخ الكويت، واستهدفت بالأساس ملفات “التزوير التاريخي” التي تعود لما قبل عام 1990.
– 19 أبريل 2026: صدر القرار رقم 200، وهنا كانت المفاجأة؛ القائمة ضمت شخصيات “نخبوية”. لم يعد السحب يقتصر على البسطاء أو “البدون” الذين حصلوا على الجنسية حديثاً، بل طال عائلات تجارية وعسكرية مرموقة.
-22 أبريل 2026 (اليوم): أُعلن عن القرار (6/37) بفقد الجنسية من 36 شخصاً تحت بند “المادة 11”.
هؤلاء اكتشفت الأجهزة الأمنية أنهم يحملون جوازات سفر أجنبية ويستخدمونها في رحلاتهم الخارجية هرباً من الرقابة.
الحملة في 2026 لم تستثنِ أحداً، وهنا نرصد أبرز الأسماء التي أحدثت ضجة:
أحمد خضر الطرابلسي :
قصة الطرابلسي هي الأكثر إثارة للشجن والجدل.
الرجل هو حارس مرمى المنتخب الذي رفع اسم الكويت في كأس العالم 1982، وهو المقرئ الذي تصدح حنجرته بالقرآن في الإذاعة الرسمية.
سحب جنسيته في مرسوم أبريل 2026 جاء كالصاعقة.
ورغم تاريخه، إلا أن المصادر القانونية أشارت إلى اكتشاف “تلاعب في المستندات الأصلية” التي قُدمت عند تجنيسه قبل عقود، مما جعل القانون لا ينظر لتاريخه الرياضي بقدر نظره لـ “صحة المنشأ”
القيادات العسكرية (عمر زعيتر وسعدي الشمري):
هؤلاء لم يكونوا مجرد ضباط، بل كانوا قادة في الجيش الكويتي وشاركوا في حروب قومية. سحب الجنسية منهم أرسل رسالة “مرعبة” للداخل؛ وهي أن الدولة لن تساوم على الهوية حتى لو كان الشخص قد أفنى عمره في الخدمة العسكرية، طالما أن “أساس الحصول على الجنسية” كان مشوباً بازدواجية أو بيانات غير صحيحة.
عبد الله النفيسي (المفكر المثير للجدل):
رغم أن اسمه تردد كثيراً في أروقة اللجان، إلا أن التعامل مع ملفه كان يأخذ طابعاً سياسياً وأمنياً معقداً.
النفيسي، بآرائه الصدامية، كان دائماً تحت المجهر، وسحب جنسيته (أو التلويح به) يمثل ضربة لتيار كامل يرى في الجنسية حقاً مكتسباً لا يجوز المساس به.
حاكم المطيري (رئيس حزب الأمة (المحظور)، وسُحبت جنسيته لأسباب تتعلق بالأمن القومي وأحكام قضائية.
وسليمان جاسم القناعي (أبو غيث): المتحدث السابق باسم تنظيم القاعدة.
فضلا عن عشرات الأسماء من عائلات (العنزي، الشمري، المطيري، والفضلي) الذين ثبتت عليهم حالات تزوير في بيانات “التبعية” أو ازدواجية الجنسية.
تفاصيل القرارات الإدارية: كيف تدار “المقصلة”؟
خلف هذه الأسماء، تقبع آلية إدارية معقدة. الشيخ فهد اليوسف لا يعمل بمفرده؛ بل هناك “غرفة عمليات” تضم:
• اللجنة العليا لتحقيق الجنسية: التي تراجع الملفات يدوياً وإلكترونياً.
• وزارة الداخلية (أمن الدولة): التي ترصد تحركات المزدوجين عبر المنافذ.
• وزارة الصحة: لتدقيق سجلات الولادة ومطابقة البصمة الوراثية.
الأثر القانوني المترتب على السحب:
بمجرد صدور المرسوم، يُلغى الرقم المدني للشخص، تُسحب منه “البطاقة التموينية”، يُفصل من وظيفته الحكومية، ويُطالب بإخلاء منزله الحكومي (إن وجد).
والأخطر من ذلك هو “أثر التبعية”؛ فإذا سُحبت الجنسية من الأب (المزور الأصلي)، تسقط تلقائياً عن كافة أبنائه وأحفاده، مما يعني أن قراراً واحداً قد يحول 50 شخصاً في لحظة واحدة من “مواطنين” إلى “بدون”
كويت المستقبل أم كويت الإقصاء؟
نحن أمام مشهد سريالي؛ فمن جهة، هناك تأييد شعبي جارف يرى أن “الكويت للكويتيين فقط” وأن التخلص من المزورين سيوفر مليارات الدنانير ويعدل ميزان العدالة.
ومن جهة أخرى، هناك صوت حقوقي خافت يخشى من تحول “السحب” إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.
الحكومة الكويتية تؤكد أن هذه الحملة “لا تستهدف أحداً بعينه” بل تستهدف “الهوية الوطنية”.
وفي المقابل، يثير الملف نقاشاً حقوقياً حول مصير “المسحوبين” الذين يتحولون فجأة إلى فئة “البدون” أو عديمي الجنسية، مما يضع الدولة أمام تحدي إنساني وقانوني جديد يتعلق بكيفية التعامل مع هذه الشريحة المتنامية في المستقبل.





