د. محمد فؤاد: يغوص في قاع الهامور ليؤسس مكتب آخر الكلام (1)
ان اختيار قاع الهامور مدروسًا بعناية، فالهامور ليس مجرد سمكة، بل مجتمع كامل له طبقاته الاجتماعية.

محمد فؤاد في قاع الهامور
أول موقع اخباري تحت بحرية
في سابقة صحفية لم تحدث منذ أن اكتشف الإنسان أن الخبر يمكن أن يكون كاذبًا قبل أن يكون عاجلًا، وافق الأستاذ «أبو هميلة» على اقتراح مجلس تحرير صحيفة «آخر الكلام» بإنشاء أول مكتب صحفي تحت سطح البحر، وتحديدًا في قاع الهامور.
لم يكن القرار سهلًا، فقد احتاج مجلس التحرير إلى سبع جلسات عاصفة، وثلاثة أكواب شاي بارد، ومداخلة طويلة من أحد الزملاء انتهت دون أن يعرف أحد ماذا كان يريد أن يقول.
لكن الجميع اتفق في النهاية أن السطح أصبح مزدحمًا جدًا؛ فكل من يحمل هاتفًا أصبح مراسلًا، وكل من يعرف كتابة جملة أصبح محللًا، وكل من يملك صفحة على مواقع التواصل أصبح خبيرًا استراتيجيًا في كل شيء من الاقتصاد إلى تربية الأسماك.
لذلك قررنا الذهاب إلى المكان الوحيد الذي لم يصل إليه جنون الأخبار بعد (القاع)
وهناك، في أعماق البحر، حيث تختفي الأسرار وتعيش الكائنات التي فقدت الأمل في الظهور على الشاشات، افتتحنا مكتب «آخر الكلام» تحت شعار:
“إذا لم تجد الخبر فوق… ابحث عنه تحت”
كان اختيار قاع الهامور مدروسًا بعناية، فالهامور ليس مجرد سمكة، بل مجتمع كامل له طبقاته الاجتماعية.
هناك الهامور الكبير الذي يمتلك الشعاب المرجانية ويصدر بيانات عن التنمية.
وهناك الهامور الصغير الذي لا يملك إلا ذيله ويحلم بيوم يأكل فيه دون أن ينظر حوله خوفًا من أن تكون الوجبة محسوبة عليه.
وصلنا إلى مقر المكتب الجديد
فوجدنا استقبالًا يليق بأكبر المؤسسات الصحفية العالمية. كان في انتظارنا أخطبوط يرتدي ثماني ساعات يد، لأنه لا يثق في ساعة واحدة، وسرطان بحر يحمل حقيبة مليئة بالأوراق ويؤكد أنه “مسؤول العلاقات العامة”، رغم أن لا أحد يعرف علاقته بماذا.
أما مدير مكتبنا في القاع فهو سمكة عجوز قالت لنا: “عملت في الصحافة أربعين عامًا، لكنني لم أرَ الحقيقة إلا عندما غرقت”
وفي أول اجتماع تحريري، طرحنا السؤال التقليدي: ما هي أهم مشاكل مجتمع الهامور؟
فجاءت الإجابات مذهلة.
قال أحد المواطنين: “لدينا شفافية كاملة… نستطيع رؤية بعضنا لأن الماء صافٍ، لكن المشكلة أن لا أحد يريد رؤية الحقيقة”
وقال آخر: “لدينا حرية تعبير ممتازة، كلنا نتحدث، لكن المشكلة أن الحيتان الكبيرة لا تسمع إلا صوت نفسها”
أما أخطر تحقيق أعده مكتبنا فكان عن ظاهرة غريبة انتشرت في القاع، وهي أن بعض الكائنات بدأت تتعلم لغة البشر.

وعندما سألنا أحدهم لماذا؟
قال: “لأننا اكتشفنا أن الكلام الكثير هو أسرع طريقة للحصول على منصب”
وبعد أيام قليلة من افتتاح المكتب، بدأنا نستقبل شكاوى المواطنين.
جاءتنا سمكة صغيرة تقول إن لديها مشروعًا لتربية اللؤلؤ، لكنها اصطدمت بلجنة الموافقات.
سألناها: كم استغرقت الموافقة؟
قالت: “ثلاث سنوات، وفي النهاية اكتشفوا أن اللؤلؤ يحتاج محارة وليس سمكة”
وجاءنا حوت ضخم يشكو من أزمة السكن.
قلنا له: أنت لديك أكبر مساحة في البحر!
فرد بغضب: “المساحة ليست المشكلة… المشكلة أن كل سمكة صغيرة تريد أن تسكن بجانبي وتقول إنها من الطبقة المتوسطة”
وفي أول مؤتمر صحفي تحت الماء، أعلن الناشر «علي أبو هميلة» أن مشروع «آخر الكلام» ليس مجرد مكتب، بل رسالة حضارية.
وقال: “نحن لا نبحث عن الأخبار التي تطفو على السطح، لأن الأشياء التي تطفو غالبًا هي الأشياء الأخف وزنًا… أما القضايا الحقيقية فتغرق”
وأضاف: “إذا كانت كل الصحف تبحث عن المشاهير، فنحن سنبحث عن الذين لا يملك أحد وقتًا لسماعهم”
وبدأت النشرة اليومية لمكتبنا بعنوان: “أخبار من القاع… حيث الجميع غارقون لكن بعضهم لا يزال يتظاهر بأنه يسبح”

وكانت أبرز العناوين في الأخبار:
الهامور الكبير يطالب بالصبر من الهامور الصغير بعد أن اشترى هو آخر مركب في البحر.
ارتفاع أسعار الطحالب بسبب زيادة الطلب على حياة طبيعية.
اختفاء العدالة من القاع… والبحث جارٍ عنها منذ عهد السلاحف.
خبر عاجل: سمكة صغيرة اكتشفت أن حجمها ليس المشكلة، بل من يقف أمامها.
وفي نهاية اليوم الأول، جلسنا أمام نافذة المكتب نراقب حركة البحر.
اكتشفنا أن القاع ليس مختلفًا كثيرًا عن السطح.
هناك من يملك النفوذ، وهناك من يملك الكلام، وهناك من يملك الحقيقة لكنه لا يجد من ينشرها.
لكن الفرق الوحيد أن أهل القاع يعترفون بأنهم غارقون.
أما أهل السطح، فما زالوا يعقدون المؤتمرات ليعلنوا أنهم “في طريقهم إلى النجاة”
ومن هنا يبدأ مشوار «آخر الكلام» في قاع الهامور.
صحافة تغوص عندما يطفو الجميع، وغدا لقاء جديد في قاع الهامور.






