د. محمد الغمري يكتب: الوداع يا مواطن (بصوت الفنانة / زينات صدقي)
يبقى لفظ المواطن حاضرًا في الخطب والبيانات والدساتير، بينما يبدأ مضمونه العملي في الانسحاب التدريجي من الواقع.

صورة تعبيرية للمقال
يا خبر أبيض، مواطن.
استنوا بس. قبل ما نعيط على المواطن، لازم نسأل السؤال الصح.
هل اختفى المواطن فعلًا، أم الذي تغيّر هو المجال الذي كان يجعل وجوده ممكنًا أصلًا؟
لأن الحكاية ليست مجرد تراجع خدمات، ولا غلاء أسعار، ولا أزمة ثقة عابرة.
المسألة أعمق من ذلك.
نحن أمام تحوّل يجري في تعريف العلاقة نفسها — بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والناس، وبين المجال العام والفرد الذي كان يُفترض يومًا أنه مواطن.
زمان كان المواطن، ولو نظريًا، طرفًا داخل معادلة. صاحب واجبات، نعم، لكن أيضًا صاحب موقع داخل المجال.
ثم يبدأ التحوّل الصامت.
لا يحدث بانقلاب لغوي مفاجئ، ولا بإعلان رسمي يقول إن زمن المواطن انتهى. بل يعمل بطريقة أكثر هدوءًا وأكثر خطورة.
تتآكل الوظيفة قبل أن تتآكل الكلمة.
يبقى لفظ المواطن حاضرًا في الخطب والبيانات والدساتير، بينما يبدأ مضمونه العملي في الانسحاب التدريجي من الواقع.
وهنا تقع الخدعة الكبرى.
لأن المجال لا يُعلن دائمًا لحظة التآكل. بل قد يواصل إنتاج لغة المشاركة نفسها، بينما يُعيد في العمق تنظيم العلاقة على نحو مختلف.
تبقى الكلمات في أماكنها، لكن وظائفها تتغير. يبقى الاسم، بينما يتحرك المضمون بعيدًا عنه.
فيتحوّل المواطن شيئًا فشيئًا —
من شريك سياسي إلى متلقٍّ إداري.
ومن فاعل داخل المجال إلى موضوع تُدار أحماله.
ومن حامل لحق السؤال إلى حامل لواجب التحمّل.
يا سلام على التحمّل.
هذه الكلمة التي ترقّت مؤخرًا من فضيلة اجتماعية إلى نموذج تشغيل كامل.
اصبر. استحمل. راعِ الظروف. قدّر المرحلة. افهم التحديات.
ومع الوقت، لا يعود السؤال ما الذي يحتاجه المواطن، بل يصبح السؤال الأكثر حضورًا والأكثر دلالة: كم يستطيع أن يتحمّل قبل أن ينهار.
وهنا نكون قد انتقلنا من منطق إلى منطق آخر. لأن الفرق كبير بين دولة تسأل كيف توسّع قدرة المجال على الفاعلية، ودولة يصبح معيار نجاحها قدرة المجال على الاستمرار تحت الضغط — لا مراجعة الشروط التي تُعيد إنتاج الضغط نفسه.
لكن أخطر ما في العملية ليس الضغط نفسه، بل الفاعلية الإدراكية للمجال.
هل يدرك المجتمع ما يحدث أصلًا؟
وهل ما زال يمتلك الأدوات الإدراكية اللازمة لرؤيته — أم أنه يقرأ التحوّل الجاري بأدوات تنتمي إلى مرحلة سابقة، ويُفسّره بوصفه أزمة مؤقتة ستنتهي مع تحسّن ظرف اقتصادي؟
هنا يعمل التآكل الصامت.
ليس لأن الناس لا تشعر بالأعباء، بل لأن المجال قد يعجز عن تسمية ما يحدث بدقة. أو يفقد تدريجيًا القدرة على قراءة التحوّل وهو يتشكّل من داخله.
وعندما يضعف الإدراك، يصبح ممكنًا أن يتعايش المجتمع طويلًا مع انكماش فكرة المواطن نفسها دون أن يُعلن ذلك صراحةً — ليس لأن الغياب غير موجود، بل لأن المجال قد يكون أعاد تطبيع هذا الغياب، حتى كفّ عن رؤيته بوصفه غيابًا أصلًا.
ثم نصل إلى اللحظة الحرجة.
اللحظة التي لا يختفي فيها المواطن قانونيًا، ولا دستوريًا، ولا خطابيًا — بل يضعف حضوره الوظيفي داخل المجال. فيبقى الاسم، بينما يتآكل الدور.
وتستمر اللغة، بينما تتغير البنية. لا لأن المفهوم أُلغي، بل لأن المجال أُعيد تشكيله بطريقة لم تعد تُنتجه بالطريقة نفسها.
المشكلة إذن ليست أن المواطن يُرفض، بل أن البنية لم تعد تُنتجه كناتج طبيعي لاشتغالها. وهذا أخطر — لأن الغياب الوظيفي لا يستدعي رد فعل كالغياب الصريح.
يمكن التعايش معه بهدوء، وتبريره بسهولة، وتطبيعه ببطء — حتى يصبح هو الحالة الطبيعية التي لا يتذكر أحد ما قبلها.
يكتشف ذلك متأخرًا — حين تتوقف العلاقة التي كانت تُنتج السياسة والشرعية والفاعلية عن الاشتغال بالطريقة نفسها، دون أن يعرف أحد بالضبط متى توقّفت.
وهنا، اسمحوا لي بصوت زينات صدقي الوطني المفجوع قليلًا — لا يعود السؤال هل ودّعنا المواطن.
يصبح السؤال الأدق:
هو المواطن راح فين؟
ما الذي يلزم حتى يُعاد بناء مجال يُنتج المواطن من جديد؟






