د. فاروق شرف يكتب: في زيارة حديقة الحيوان (1)
تقف حدائق الحيوان بالجيزة كأحد الشواهد التاريخية المهمة على اهتمام مصر في القرن التاسع عشر بإنشاء مؤسسات تجمع بين العلم والجمال والطبيعة.

صورة من داخل حديقة الحيوان
بدعوة من المهندس القدير/ أيمن فراج، رئيس الإدارة المركزية للإدارة الزراعية بوزارة السياحة والآثار، قمت بزيارة حديقة حيوان الجيزة.
لإبداء الرأي الفني والدراسة المتخصصة حول حالة بعض الأشجار النامية داخل الجبلايات والعناصر الطبيعية المرتبطة بها.
والتي امتدت جذورها ونمواتها داخل المكونات الأثرية، مما قد يؤثر مع مرور الزمن على سلامة تلك العناصر، ويسبب تفكك بعض الأجزاء الحجرية وإحداث فراغات نتيجة موت الأشجار أو تحلل جذورها.
وتأتي أهمية هذه المعاينة
في إطار التكامل بين علوم الترميم والآثار وعلوم البساتين والزراعة، للوصول إلى أسلوب علمي متوازن يحافظ على القيمة التاريخية للمنشآت الأثرية.
مع مراعاة الطبيعة النباتية للموقع، بحيث يتم التعامل مع الأشجار بأساليب علمية مدروسة تضمن حماية النسيج الأثري وعدم الإضرار بمكوناته.

فالحفاظ على الأثر لا يقتصر على معالجة الأحجار فقط
بل يمتد إلى دراسة البيئة المحيطة به وتأثير العناصر الطبيعية عليها، بما يحقق المعادلة الدقيقة بين صون التراث الثقافي والحفاظ على المظهر الجمالي والبيئي للمكان.
شدتني هذه الزيارة الثقافية أن أكتب عنها وانقلها للأصدقاء والمحبين
حكاية وراء أثر
حدائق الحيوان بالجيزة حين تحولت الأرض إلى متحف حي للطبيعة والتاريخ.
تقف حدائق الحيوان بالجيزة كأحد الشواهد التاريخية المهمة على اهتمام مصر في القرن التاسع عشر بإنشاء مؤسسات تجمع بين العلم والجمال والطبيعة.
هي ليست مجرد مكان لعرض الحيوانات
بل منظومة تراثية متكاملة تجمع بين العمارة التاريخية، وتنسيق الحدائق، والنباتات النادرة، والعناصر الطبيعية التي تحمل قيمة ثقافية وبيئية مميزة.
بدأ إنشاء حدائق الحيوان بالجيزة في عهد الخديوي إسماعيل، ضمن مشروعه الحضاري لتجميل القاهرة وتحويلها إلى مدينة حديثة تضاهي عواصم العالم.

افتتحت رسميًا عام 1891م في منطقة الجيزة، على مساحة تقارب 80 فدانًا، لتكون أول حديقة حيوان في القارة الأفريقية وثالث أقدم حدائق الحيوان في العالم التي ما زالت تحمل طابعها التاريخي.
جاء إنشاء الحديقة في إطار الاستعدادات المصرية للمشاركة في المعارض الدولية وإظهار مظاهر النهضة الحديثة في عهد الخديوي إسماعيل.
تم تصميمها على أسلوب يجمع بين الحدائق الأوروبية ذات الطابع الملكي وبين الطبيعة المصرية، مع إنشاء مسارات وممرات ومناطق خضراء وجبلايات صناعية صممت لتكوين بيئة طبيعية للحيوانات والنباتات.
ومن أهم ما يميز حدائق الحيوان بالجيزة
أنها لم تكن مجرد حديقة نباتية عادية، بل أحتوت على مجموعة من النباتات والأشجار النادرة والمعمرة التي جُلب بعضها من مناطق مختلفة من العالم، وزُرعت بعناية لتكوين غطاء نباتي مميز.
وأصبحت مع مرور الزمن جزءًا من الهوية التاريخية للمكان. كما أن بعض الأشجار تجاوز عمرها أكثر من قرن، فأصبحت ذات قيمة تراثية باعتبارها عناصر طبيعية مرتبطة بتاريخ الموقع.
من العناصر المميزة داخل الحديقة
الجبلايات التاريخية التي صممت بأسلوب فني يجمع بين الصخور والتكوينات الطبيعية، وكانت جزءًا من فلسفة تصميم الحدائق في القرن التاسع عشر.
لم تكن مجرد ديكور، بل كانت عنصرًا معماريًا طبيعيًا له وظيفة جمالية وتنسيقية، وأصبحت اليوم من العناصر التي تحتاج إلى دراسة دقيقة للحفاظ عليها بسبب تأثير نمو الأشجار والجذور داخل مكوناتها.
وقد تولت جهات متخصصة على مدار تاريخ الحديقة أعمال الصيانة والرعاية الدورية، من خلال إدارات الحديقة والمهندسين الزراعيين المختصين، بالتعاون مع المتخصصين في علوم البستنة والحفاظ على النباتات.
لضمان استمرار هذا التنوع النباتي الفريد، مع مواجهة التحديات الناتجة عن تقدم عمر الأشجار وتأثيرها على المنشآت والعناصر التاريخية الموجودة بالموقع.
ومن المعلومات التي لا يعرفها كثير من الزائرين
أن قيمة الحديقة لا تكمن فقط في الحيوانات التي كانت تعرض بها، ولكن في كونها سجلًا حيًا لتاريخ علم الحيوان وتنسيق الحدائق في مصر الحديثة.
وأن كثيرًا من عناصرها النباتية والمعمارية تمثل طبقات زمنية متراكمة تحتاج إلى التعامل معها بمنهج الحفاظ على التراث، وليس بمنطق الإزالة أو التغيير.

إن دراسة الأشجار النامية داخل الجبلايات والعناصر الأثرية ليست قضية زراعية فقط، بل هي موضوع يجمع بين علوم الترميم والآثار والهندسة الزراعية.
فالجذور قد تؤثر على سلامة التكوينات الحجرية، وموت الأشجار قد يؤدي إلى فراغات وتغيرات في البيئة المحيطة، لذلك يصبح التدخل العلمي ضرورة للحفاظ على التوازن بين قيمة الطبيعة وقيمة الأثر.
وهكذا تظل حدائق الحيوان بالجيزة “أثرًا حيًا” يحكي قصة التقاء الإنسان بالطبيعة، وقصة مرحلة تاريخية أرادت أن تجعل من الحديقة كتابًا مفتوحًا للعلم والجمال والتراث.






