مقالات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: تمويل السفينة المثقوبة (7)

التقرير يقترح بناء منظومة لقياس فاعلية الإعلام، وإجراء استطلاعات رأي حول احتياجات الرأي العام، وبناء مؤشرات لقياس الأداء.

مشاركة:
حجم الخط:

تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (7- 12)

عن مال كثير لا يسد ثقب الثقة 

حين تصل أي أزمة إلى طريق مسدود، وتصطدم بالحائط كما يقول الإنجليز، يبدأ أسهل الأسئلة وأخطرها:

من يدفع؟

من يمول؟

من ينقذ؟

ومن يتحمل الديون؟

كأنَّ المشكلة كلها أن السفينة كانت صالحة للإبحار، وطاقمها ماهر، وبوصلتها مضبوطة، وجمهورها ينتظرها على الشاطئ، لكنها تعثرت فقط لأن الوقود نقص من الخزان.

الحقيقة أن بعض السفن لا تغرق لأنها بلا وقود، بل لأنها مثقوبة من القاع!

هذه إحدى مشكلات تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري

فهو يتحدث كثيراً عن التمويل، والدعم، والصناديق، والديون، واستثمار الأصول، وسوق الإعلان، وهذا مفهوم، لأن الأزمة الاقتصادية للإعلام المصري حقيقية وليست متخيلة.

لكن التقرير يتعامل معها أحياناً كما لو أنها أزمة مال أكثر مما هي أزمة معنى.

أزمة سيولة أكثر مما هي أزمة ثقة، أزمة مؤسسات تحتاج إلى من يدفع، وليست مؤسسات تحتاج أولاً إلى أن تشرح لنا لماذا فقدت جمهورها قبل أن تطلب منه، مباشرةً أو عبر الدولة، أن يدفع فاتورة إنقاذها.

اللافت أن التقرير نفسه لا ينكر اتساع الأزمة، فهو حين يصف “خريطة الطريق” يتحدث عن أزمات قائمة تشمل

“تقييد الحريات الإعلامية”

و”تراجع مصداقية المحتوى الإعلامي”

و”التكيف الرقمي البطيء والمشتت”

و”اتساع الفجوات المالية”

و”ضعف رأس المال البشري”

و”تقادم آليات العمل والإدارة والبنية التحتية المؤسسية”

د. أيمن منصور ندا يكتب: خريطة الطريق التي لا تعرف الطريق

د. أيمن منصور ندا يكتب: التقرير الذي عرف الأعراض وخاف من اسم المرض

أي أنه يعرف، في التشخيص على الأقل، أن الأزمة ليست نقص مال فقط، بل ضعف ثقة، وخلل إدارة، وتآكل مهنية.

لكن الإشكال يبدأ حين ينتقل من التشخيص إلى العلاج، فيبدو المال أحياناً أسرع حضوراً من شروط استعادة الثقة.
ليست المشكلة في حاجة هذه المؤسسات والهيئات إلى المال، فلا صحافة جادة بلا تمويل، ولا غرف أخبار محترفة بلا أجور عادلة، ولا منصات رقمية مؤثرة بلا استثمار.

لكن المال في الإعلام لا يأتي وحده؛ بل يأتي ومعه سؤال الحرية!

والسؤال الحقيقي ليس: هل يحتاج الإعلام إلى مال؟

فالإجابة بالقطع نعم، يحتاج، لكن السؤال الحقيقي: أي مال؟

ولمن؟

وبأي شروط؟

ولأي هدف؟

وتحت أي رقابة؟

وماذا لو دفعنا ثم بقي الثقب في مكانه؟

أزمة الإعلام المصري ليست أنه لا يجد من يدفع، بل أنه لم يعد قادراً على إقناع الناس لماذا يستحق أن يُدفع له!

الصحيفة التي لا يشتريها أحد لا تصبح خدمة عامة بمجرد أن تسقط ديونها، والقناة التي لا يصدقها الجمهور لا ينقذها تحديث الاستوديو، والمنصة الرقمية التي تحمل المحتوى القديم نفسه لا تدخل المستقبل، إنها فقط تنقل الماضي إلى شاشة ألمع.

بل إن التقرير يقر صراحةً بوجود “عدم الثقة العامة” بين السلطة التنفيذية ووسائل الإعلام والجمهور

ويربط ذلك بضعف كفاءة المحتوى، وتراجع القيم المهنية، وغياب التفكير النقدي لمصلحة نمط احتفالي وتعبوي

فضلاً عن “سياسات السيطرة والاحتكار وهيمنة الصوت الواحد”

التي أفقدت الرسالة الإعلامية عناصر قوتها الأساسية:

“التوازن، والمصداقية، والفاعلية”

هذا الاعتراف وحده يكفي لتغيير ترتيب الأسئلة.

فلا يجوز أن يبدأ العلاج بسؤال التمويل قبل سؤال الثقة؛ لأن الجمهور الذي لا يصدق الرسالة لن يعيد الثقة فيها لمجرد أن الدولة سددت ديون مرسلها.

هنا يجب أن نفرق بين دعم الإعلام كخدمة عامة، وتمويل الفشل بوصفه عادة إدارية:

دعم الخدمة العامة يستهدف المجتمع

أما تمويل الفشل فيستهدف المؤسسة

في الحالة الأولى، المال عقد اجتماعي

في الثانية، المال جهاز تنفس صناعي، ودعم الإعلام قد يكون واجباً حين يتعلق الأمر بإعلام الخدمة العامة، أو الصحافة الجادة، أو المحتوى الثقافي والمعرفي، أو التغطيات التي لا يمولها السوق بسهولة

أما تمويل الفشل، فهو أن تضخ المال في مؤسسة دون أن تغير أسباب خسارتها، وأن تسدد ديوناً دون أن تسأل من راكمها، وأن تسقط أعباءً دون أن تغير الإدارة التي صنعتها، وأن تنشئ صندوقاً جديداً دون معايير صارمة لمن يستحق دعمه.

التقرير نفسه يصف المؤسسات الإعلامية بأنها تعاني “نموذجاً اقتصادياً خاسراً”

لكنه لا يرده إلى السوق وحده، بل إلى

“الأزمات المهنية والتحديات المالية والإدارية والاقتصادية وغياب المساءلة والحوكمة الرشيدة”

مع تراجع الإيرادات، وارتفاع التكاليف، وتضخم العمالة الإدارية، وتراكم المديونيات وفوائدها.

وهذا التشخيص مهم، لأنه يعني أن الخسارة ليست رقماً بريئاً في دفتر الحسابات، بل نتيجة طريقة إدارة وثقافة تشغيل كاملة، ومن ثم، فإن إسقاط الديون دون البحث عن أسبابها لا يعالج النموذج الخاسر، بل يؤجل انفجاره.

لذلك، فإن أي خطة مالية جادة لإصلاح الإعلام يجب أن تبدأ من كشف حساب، لا من طلب شيك؛ لا يجوز أن نقول:

أسقطوا الضرائب، وجدولوا الديون، وأسسوا صناديق، وموّلوا التحول الرقمي، واستثمروا الأصول قبل أن نعرف أولاً ما الذي حدث في السنوات الماضية؟

كم خسرت كل مؤسسة؟

ولماذا؟

هل الخسارة بسبب تراجع السوق؟

أم سوء الإدارة؟

أم تضخم العمالة؟

أم ضعف المحتوى؟

أم التدخلات التحريرية التي أفسدت المنتج؟

أم غياب استراتيجية رقمية؟

أم اختيار قيادات لا تفهم الاقتصاد الجديد للإعلام؟

فعندما يقترح التقرير “إسقاط الضرائب على الهيئة الوطنية للإعلام والمؤسسات الصحفية القومية مع دفع أصل التأمينات دون الفوائد”

فهو يطرح علاجاً مالياً مباشراً لأزمة الديون، وهذا قد يكون مفهوماً في لحظة اختناق، لكن السؤال الذي يجب أن يسبق الإعفاء، لا أن يلحقه، هو:

من راكم هذه الديون؟

وبأي قرارات؟

وتحت أي إدارات؟

وهل ستتغير القواعد التي صنعت الخسارة، أم سنكتفي بتنظيف الدفتر القديم تمهيداً لدفتر خسائر جديد؟

ليست كل الديون سواء، وليست كل الخسائر واحدة؛ من خسر لأنه يؤدي خدمة عامة لا يمولها السوق، يختلف عمن خسر لأنه أدار مؤسسته بعقلية دكان حكومي، ومن تعثر بسبب بيئة احتكارية، يختلف عمن تعثر لأنه لم يعد يهم أحداً، ومن يحتاج إلى دعم كي يخدم الجمهور، يختلف عمن يريد دعماً كي يواصل تجاهل الجمهور.

لذلك لا توجد روشتة مالية واحدة لكل هذه الحالات، ولا يجوز أن يتحول المال العام إلى بطانية واسعة تغطي الجميع:

الجاد والفاشل، المهم والزائد، صاحب الخدمة وصاحب العجز.

من هنا تأتي خطورة الصناديق المقترحة

فالتقرير لا يقترح صندوقاً واحداً، بل حزمة صناديق:

“صندوق دعم الإعلام العام والخاص”

و”صندوق مخاطر لدعم الإعلام الخاص”

و”صندوق التحول الرقمي”،

وصناديق للتأمين ضد العجز والبطالة.

وكلما تعددت الصناديق، زادت الحاجة إلى سؤال الحوكمة:

من يدير؟

من يراقب؟

من يستفيد؟

وبأي معيار؟

الصندوق قد يكون أداة إنقاذ إذا خضع لمعايير صرف منشورة، ومراجعة مستقلة، وحق طعن، وربط واضح بين الدعم والأداء.

لكنه قد يتحول، في غياب هذه الشروط، إلى دولاب جديد بمفتاح قديم، أو إلى غرفة توزيع للرضا المؤسسي، لا إلى أداة إنقاذ للإعلام.

الأمر نفسه ينطبق على سوق الإعلان:

صحيح أن المنصات العالمية استحوذت على نصيب متزايد من الإنفاق، لكنَّ الخلل في سوق الإعلان ليس اقتصادياً فقط

إنه سياسي وتنظيمي أيضاً.

وحين يستهدف التقرير

“زيادة حجم الإنفاق الإعلاني إلى 90 مليار جنيه مصري خلال ثلاث سنوات”

فإنَّ السؤال لا ينبغي أن يكون: هل الرقم ممكن؟

بل: في أي سوق سيتحرك هذا الرقم؟

سوق تنافسية شفافة، أم سوق يعاد فيها توزيع الإعلان داخل شبكة القرب والنفوذ نفسها؟

من دون قياس مستقل للجمهور، وشفافية في الملكية، وقواعد منافسة عادلة، قد يتحول تضخيم السوق إلى إعادة تدوير للامتيازات داخل البنية القديمة.

ثم تأتي قضية استثمار الأصول، وهي من أكثر القضايا إغراءً في ظاهرها:

المؤسسات القديمة تملك أرشيفاً، وأراضي، ومباني، ومطابع، وحقوقاً، وذاكرة، وعلامات تجارية، ومن الطبيعي أن يطرح التقرير

“توسيع سياسة استثمار الأصول”

وأن يتحدث عن تحويل بعض المقار إلى مراكز تدريب أو منصات إنتاج رقمي، واستثمار الأرشيف الصحفي، لكن الخطر أن يتحول ذلك إلى بيع أثاث البيت لسداد فواتير إدارة فاشلة!

الأرشيف الإعلامي ليس مجرد أصل تجاري؛ إنه ذاكرة عامة، ولا يجوز التعامل معه كصندوق قديم نبحث داخله عن شيء يمكن بيعه.

استثمار الأصول مطلوب، لكن بشرط ألا يصبح بيعاً تدريجياً للماضي من أجل إبقاء الإدارة نفسها على قيد الحياة.
ولا يعني ذلك ترك الإعلام لمنطق السوق وحده.

هذا خطأ معاكس!

السوق وحده قد ينتج إعلاماً صاخباً، خفيفاً، تابعاً للمعلنين، مهووساً بالتريند، ومعادياً للمحتوى العميق

لذلك نحتاج إلى دعم عام، لكن الدعم العام يجب أن يكون ذكياً ومشروطاً وشفافاً.

ومن الإنصاف أن نقول إنَّ التقرير يقترب من هذا المعنى حين يتحدث عن تحويل الهيئة الوطنية للإعلام إلى مؤسسة مستقلة للخدمة العامة، مع مصدر تمويل مستقر، وإعمال مبدأ الشفافية والمساءلة.

هذه واحدة من أكثر نقاطه وجاهة، لكنها لا تكتمل إلا إذا أصبح التمويل العام مشروطاً بوظيفة عامة محددة:

تنوع حقيقي، تغطية محلية، محتوى ثقافي وتعليمي، تمثيل للأقاليم، ومساحة للرأي المختلف.
ومن الإنصاف أيضاً القول إنَّ التقرير يقترح بناء منظومة لقياس فاعلية الإعلام، وإجراء استطلاعات رأي حول احتياجات الرأي العام، وبناء مؤشرات لقياس الأداء.

لكن هذا لا ينبغي أن يبقى تفصيلاً بحثياً على هامش الخطة، بل يجب أن يصبح شرطاً سابقاً لأي تمويل، فلا دعم لمؤسسة لا تعرف جمهورها، ولا إنقاذ لمنصة لا تستطيع أن تثبت أثرها، ولا تمويل لمحتوى لم يعد أحد يطلبه أو يثق به.

لذلك، فإن ما يحتاجه التقرير ليس مزيداً من الحديث عن المال، بل تحويل المال إلى عقد إصلاحي واضح:

لا إعفاء من ديون بلا مراجعة لأسبابها

ولا صندوق بلا حوكمة معلنة، ولا دعم بلا مؤشرات أداء، ولا استثمار أصول بلا حماية للحق العام في الذاكرة، ولا تمويل عام بلا استقلال تحريري وشفافية مالية.

إن أي مال يدخل الإعلام يجب أن يمر من خمسة أبواب قبل أن يصل إلى المؤسسة:

الشفافية، والمحاسبة، والمنافسة، وقياس الجمهور، واستقلال التحرير، إذا سقط باب واحد، تحول المال من علاج إلى قيد!

لهذا فإن المشكلة في التقرير ليست أنه تحدث عن المال، بل أنه لم يذهب بعيداً بما يكفي في شروط المال.

المال ليس بريئاً في الإعلام؛ المال يحدد من يتكلم، ومن يصمت، ومن يستمر، ومن يختفي.

لم يكن التقرير صارماً بما يكفي ليقول إن الدعم دون استقلال تبعية، وإن الإعفاء دون محاسبة مكافأة، وإن الصندوق دون شفافية خطر، وإن استثمار الأصول دون إصلاح بيع مؤجل، وإن الإعلان دون سوق عادلة رشوة مقنعة، وإن المؤسسة التي لا تستعيد جمهورها لن ينقذها أي تمويل.

ما لم يرتبط المال بالحرية، والتمويل بالشفافية، والدعم بالمحاسبة، والأصول برؤية مستقبلية

فسنكون كمن يدفع بسخاء لترميم سفينة لا تزال مثقوبة من القاع قد يلمع السطح قليلاً

وقد تتحسن المقاعد، وقد تُرفع الأعلام، لكن الماء سيظل يدخل من الفتحة نفسها.

والسؤال، مرة أخرى، ليس من يدفع ثمن الترميم، بل من يملك الشجاعة أولاً ليسد الثقب.

شارك المقال: