مقالات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب : أحاديث النكسة الجديدة

التشابه، إلى حدِّ التطابق، بين الظروف التي أدَّت إلى نكسة 1967، والظروف الحالية التي نمرُّ بها ونعانيها، هو ما يصيبنا بالهلع من تكرار النتائج المترتِّبة على النكسة الأولى

مشاركة:
حجم الخط:

“يا وطني الحزين:
حوَّلتني بلحظة.. من شاعرٍ يكتب الحبَّ والحنين.. لشاعرٍ يكتبُ بالسكِّين”
(نزار قباني: هوامش على دفتر النكسة، 1967)

في 23 ديسمبر 2023، انتهيتُ من كتابة سلسلة مقالات عنوانها “مصر بين نكستين”، في التمهيد لها كتبتُ: “بين أحوال مصر والمصريين في الفترة ما بين (1960- 1967)، والفترة الحالية (2016-2023)، أوجه شبه عديدة.. وبين النتائج التي ترتَّبت على النكسة الأولى (1967) ومثيلتها في النكسة الثانية (2023) تطابق كبير.

وفي أحداث النكستين من الدروس السياسية، والعبر التاريخية، ما يجعل تناولها بالبحث والدرس والفحص ضرورة، وواجباً، والتزاماً.. الفارق الوحيد بين النكستين هو أنَّ هناك اعترافاً صريحاً بالأولى، وصل إلى حدِّ “جلد الذات” بعدها، في محاولة لمحو الآثار المترتّبة عليها، وأنَّ هناك إنكاراً مُتعمَّداً للثانية يصل إلى حدِّ قلب الحقائق وتزييف الوقائع، في محاولة تصويرها على أنَّها “إنجاز يشبه الإعجاز”، و”تفوّق غير مسبوق”! وهو الشعور الزائف ذاته، والوهم نفسه، الذي ساد في الفترة القصيرة والأيام القليلة التي أعقبت النكسة الأولى، قبل أن يفيق المصريون على الواقع المرير، وعلى الانكسار الكبير.

في هذه المقالات، مقارنة بين النكستين الأولى (1967) والثانية (2023) من حيث الأسباب، والمظاهر، والنتائج المترتِّبة على كلٍّ منهما؛ وتتضمن رؤية مقترحة للتخفيف من آثار النكسة الحالية.. وهي محاولة لدقِّ ناقوس الخطر، ولقرع جرس الإنذار؛ لعلَّ بعض بني وطني من أولي الأمر يعلمون ويعملون” وبناءً على منشور كتبتُه، على صفحتي على الفيسبوك، تنويهاً عن هذه السلسلة من المقالات، نصحني بعض “الأصدقاء”! ممن أثق في صدق أحكامهم، بإرجاء النشر، لعدم مناسبة التوقيت، ولأنَّ الأمور في طريقها إلى التحسن!

“رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس”

وفي 5 يوليو 2024، نشرتُ مقالاً عنوانه “رسالة مفتوحة إلى فخامة الرئيس”، جاء فيه: “سيِّدي الرئيس: نحن نعيش في نكسة مشابهة تماماً لنكسة يونيو 1967.. الأسباب التي أدَّت إلى نكسة عبد الناصر والسياسات الخاطئة التي ارتكبها نظامه خلال الأعوام (1960-1967) هي نفسها، وبدرجة تطابق كبيرة، الأسباب والسياسات التي قمنا بها خلال الأعوام (2016-2024).. كمَّم الرئيس عبد الناصر الأفواه، وانفرد بالقرار، وأزال الحدَّ الفاصل بين الدولة والرئيس، وطبَّق مقولة الملك لويس الرابع عشر: “أنا الدولة والدولة أنا”، وأنفق موارد الدولة النقدية وأرصدتها الذهبية في مغامرات سياسية ومقامرات عسكرية، وفي السعي نحو تحقيق أمجاد شخصية، ولو كان ذلك على حساب الوطن.. كان عبد الناصر يرى نفسه أكبر مقاماً من مصر، وأعزَّ من شعبها (أنا اللي علمتكم الكرامة!)، وأعلم من خبرائها.. وكانت النتيجة نكسة كبرى، ونكبة أليمة، وهزيمة ساحقة في كلِّ مجالات الحياة لا نزال نعاني آثارها حتى الآن.. ما أشبه الليلة بالبارحة! هل يعيد التاريخ نفسه؟ أم نحن الذين نكرِّر أخطاء الماضي وخطاياه ونطمع في تحقيق نتائج جديدة؟!”… وتكرَّر السيناريو نفسه، واتصل “الأصدقاء” أنفسهم؛ معاتبين، وناصحين، ومحذرين!

عن النكسة الجديدة 

وفي 26 أكتوبر 2024، صرَّح الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال كلمته على هامش “احتفالية اتحاد القبائل العربية والعائلات المصرية”، بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر 1973: “عايز أقول اللي انتوا بتشوفوه دلوقتي.. دلوقتي.. تقريباً هي الظروف اللي كنا بنعيشها بعد 67 في مصر.. وزي ما نجحنا، رغم ظروفنا الصعبة وقتها، لازم تكونوا متأكدين يا مصريين إن إحنا بردو بفضل الله سبحانه وتعالى هنعبر كل تحدي قدام مننا”، وهو المعنى نفسه الذي أشار إليه الرئيس السيسي في موضع آخر سابق، ولكن بشكل أقل مباشرة، (25 أكتوبر 2022): “لقد كان واضحاً أنَّ عمق الأزمة التي تعاني منها الدولة المصرية الحديثة خلال الخمسين عاماً الأخيرة يتطلَّب إجراءات حادة وقاسية ومستمرة لعلاج كافة الاختلالات”.. ليقطع حديث الرئيس (المتكرِّر) عن الأزمة الحالية، وعن “كافة الاختلالات”، وعن النكسة الجديدة، “قول كلِّ خطيب”!

تطابق نكسات 

والحقَّ أقول لكم، فإنَّ هذا التشابه، إلى حدِّ التطابق، بين الظروف التي أدَّت إلى نكسة 1967، والظروف الحالية التي نمرُّ بها ونعانيها، هو ما يصيبنا بالهلع من تكرار النتائج المترتِّبة على النكسة الأولى، وبالجزع مما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في المستقبل القريب بعد نكستنا الحالية.. لم تكن نكسة 1967 مجرد تراجع عسكري مؤقَّت، أو مجرد انهزام عابر، ولم تكن مجرد انهيار لنموذج سياسي حاول أصحابه الترويج لفكرة ديمومته، وقدرته على تحقيق المستحيل، ولم تكن انهيار “حلم مشروع” لجيل آمن بكلِّ جوانحه بمشروع وطني عظيم، إنَّما كانت هزيمة عسكرية شاملة، وانسحاقاً حضارياً كاملاً، وانكشافاً لزيف أمة بحالها، وبداية لعقود طويلة من العبثية، والعدمية، والاضمحلال التام في كلِّ شيء.. كانت النكسة بداية عهد جديد من التشاؤم، والإحباط، وخيبة الأمل، وعدم الثقة بالسياسيين الكاذبين، وكأنَّ لسان حال الجميع يقول: “كلُّهم خانوك يا ريتشارد”!

كانت نكسة 1967 بداية لهزيمة نفسية ثقيلة لا نزال نعيش فيها ونتجرَّع ويلاتها، ولعشوائية سياسية متقدة ومتجدِّدة، لا نزال نصطلي في أتونها، ولفوضوية فكرية قابلة للزيادة.. كانت النكسة كُفراً ليس بعده ذنب، وتنفيذاً فوريّاً لحكم إعدام ليس بعده طعن أو نقض؛ سبقت النكسة العذل، ولم تعد هناك فائدة لأيِّ شيء أو جدوى من أيِّ شيء ما دمنا نتبع السياسات ذاتها، والإجراءات نفسها في معالجة الواقع.. كانت النكسة منهجاً في الفشل، وأسلوباً في الإخفاق، وشِرعةً في الانسحاق الدائم.. بدأت النكسة عسكرياً بهزيمة الجيوش، وانتهت حضارياً بهزيمة الشعوب.. ومما يُؤْسَف له أنَّها لا تزال قائمة، ولا يزال المسؤولون عن سياساتنا يتَّبعون مناهجها، ويعترفون بحدوثها مرة أخرى، وبتكرار أعراضها ومظاهرها بعد ستة عقود منها.

ولعلَّ الخوف من تكرار هذه العواقب، والقلق من هذه التبعات والمُلمَّات، هو ما يجعلنا نصرخ بأعلى صوتنا “آه يا بلدي”، ونكرِّر بكلِّ وجع “مدد.. مدد.. شدِّي حيلك يا بلد” (بصوت العظيم محمد نوح)، بعد أن كنَّا منذ سنوات قليلة نغني بكلِّ فخر وأمل “تسلم الأيادي” (بصوت الفنان مصطفى كامل)، وهي في حدِّ ذاتها مفارقة كاشفة يمكن الالتفات لها، والإشارة إليها، في بيان الحال الذي وصلنا إليه!

 

شارك المقال: