العام الذي انقلب فيه الشرق الأوسط
بدأ المشهد في الأول من فبراير/شباط 1979 بعودة الخميني إلى طهران، ثم سقوط نظام الشاه في الحادي عشر من الشهر ذاته، كانت إيران قبل ذلك عمودًا في هندسة الخليج الأمنية

1979
بقلم :د. أيمن خالد
إعلامي وباحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي
ليست كل السنوات تُقاس بعدد الأيام، وبعضها لا يُقاس إلا بارتداداته. عام 1979 لم يكن حدثًا مركزيًا واحدًا، بل كان لحظة تراكب زلزالي: ثورة في طهران، معاهدة في واشنطن، انتقال سلطة في بغداد، اجتياح في كابول، وفضيحة لاحقة كشفت أن العداء لا يمنع التوظيف. في ذلك العام تبدّل منطق القوة في الإقليم؛ انتقل من مواجهة جبهات إلى إدارة مسارات، ومن حروب جيوش إلى توازنات شبكات.
بدأ المشهد في الأول من فبراير/شباط 1979 بعودة الخميني إلى طهران، ثم سقوط نظام الشاه في الحادي عشر من الشهر ذاته، كانت إيران قبل ذلك عمودًا في هندسة الخليج الأمنية منذ الخمسينيات؛ حارس المضيق، ورأس حربة في احتواء المد السوفيتي، وجسرًا غير معلن في شبكة علاقات إقليمية معقدة استفادت منها إسرائيل ضمن سياسة “حلف المحيط”. سقوط الشاه لم يكن تغيير نظام فحسب، بل كسر ركيزة استراتيجية اعتمدت عليها واشنطن عقودًا. ثم جاءت أزمة السفارة الأميركية في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1979 لتعلن أن الصراع لن يكون سياسيًا فقط، بل رمزيًا أيضًا؛ 444 يومًا من الرهائن أعادت تعريف العلاقة بين طهران وواشنطن على قاعدة قطيعة طويلة الأمد.
بعد خمسة أشهر من الثورة، وفي 16 يوليو/تموز 1979، تولى صدام حسين رئاسة العراق. ترتيب الوقائع ليس تفصيلًا: الثورة سبقت انتقال السلطة في بغداد، والحرب العراقية–الإيرانية التي اندلعت في سبتمبر/أيلول 1980 كانت نتيجة تداخل حسابات داخلية وإقليمية في بيئة فقدت توازنها. ثماني سنوات من الاستنزاف بين دولتين نفطيتين كبيرتين، وملايين الضحايا، وحدود لا تتحرك إلا بثمن الدم. لكن الأهم أن تلك الحرب فتحت الباب أمام منطق إدارة التوازن بدل الحسم؛ لا انتصار كاسح لأحد، ولا انهيار كامل للآخر. في الخلفية كانت العواصم الكبرى تقيس كلفة كل خطوة بميزان أدق من ساحة المعركة.
وفي مارس/آذار 1979، وُقّعت معاهدة السلام المصرية–الإسرائيلية في واشنطن، بعد اتفاقات كامب ديفيد 1978 برعاية جيمي كارتر. خروج مصر — أكبر دولة عربية من حيث الجيش — من معادلة الحرب التقليدية غيّر هندسة الردع في الإقليم. لم تعد إسرائيل تواجه جبهة عربية متماسكة، بل تهديدات متفرقة.
ومع تصاعد المشروع العلمي–التقني العراقي في نهاية السبعينيات، بدأ البرنامج النووي العراقي يأخذ مكانه ضمن حسابات الإقليم. لم يكن ذلك تفصيلًا تقنيًا، بل إعلانًا بأن بغداد تسعى إلى امتلاك أدوات ردع استراتيجية في بيئة شديدة الاضطراب. وعندما تعرّض المفاعل النووي العراقي للقصف في 7 يونيو/حزيران 1981، لم يكن الحدث عملية عسكرية عابرة، بل رسالة سياسية–استراتيجية واضحة: منع تشكّل قدرة ردع مستقلة في الجوار. تلك اللحظة رسّخت قاعدة غير مكتوبة ستلازم المنطقة طويلًا.
ثم جاءت فضيحة إيران–كونترا عام 1986 في عهد رونالد ريغان لتكشف طبقة أخرى من المشهد: بيع أسلحة لإيران — الخصم المعلن — عبر قنوات سرية، وتحويل العائدات لتمويل الكونترا في نيكاراغوا ضد حكومة يسارية مدعومة من موسكو. لم يكن ذلك تناقضًا عابرًا، بل تعبيرًا عن براغماتية باردة: إدارة مسارات متوازية في أكثر من ساحة، حيث يُستخدم الخصم في ملف، ويُضغط عليه في ملف آخر. هكذا تكوّن نمط سياسي يرى الصراع شبكة مترابطة لا خطًا مستقيمًا.
وقبل أن يكتمل العام، في 24 ديسمبر/كانون الأول 1979، دخلت القوات السوفيتية أفغانستان. هناك بدأ فصل آخر من الحرب الباردة. دعمت الولايات المتحدة المجاهدين عبر برنامج طويل الأمد، بمشاركة سعودية تمويلية وباكستانية لوجستية. أفغانستان تحولت إلى مستنقع أنهك موسكو حتى انسحابها في 15 فبراير/شباط 1989، ثم انهيار الاتحاد السوفيتي في 1991. غير أن تلك الجبال لم تُنتج فقط تآكل إمبراطورية؛ أنتجت أيضًا شبكات عابرة للحدود ستعيد تعريف مفهوم الأمن العالمي. من هنا بدأ التحول من مركزية الدولة إلى حضور الفاعل غير الدولتي في معادلات الردع والتهديد.
إذا جمعنا الخيوط، نجد أن 1979 أعاد صياغة ثلاثة مبادئ: تفكيك الجبهات الصلبة إلى توازنات متحركة، انتقال مركز الثقل من الدولة إلى الشبكة، وتثبيت قاعدة منع الردع المستقل في الإقليم. هذه المبادئ لا تعيش في الكتب، بل في الحاضر.
الملف النووي الإيراني اليوم يُقرأ على ضوء تجربة البرنامج النووي العراقي وما ترتب عليه. توترات الخليج ومضيق هرمز تستحضر لحظة سقوط الشاه وأزمة الرهائن. كل جولة في غزة أو على حدود لبنان تُفهم ضمن بيئة ما بعد كامب ديفيد حيث لم تعد الحرب شاملة، بل جولات محسوبة. والبحر الأحمر، كممر حيوي، صار جزءًا من معادلة ضغط وردع تتقاطع فيها طهران وتل أبيب وواشنطن والرياض، على قاعدة أن الممر لا يُغلق تمامًا ولا يُترك ساكنًا تمامًا.
ليست المسألة سردًا تاريخيًا، بل قراءة في منطق القوة. القوى الكبرى تخشى الحسم الكامل لأنه يعيد توزيع الأوراق دفعة واحدة، وتخشى الانهيار الكامل لأنه يطلق فوضى لا يمكن ضبطها. بين هذين الحدّين يتشكل توازن هش، تُدار فيه الأزمات بدل أن تُغلق نهائيًا. 1979 كان اللحظة التي انتقل فيها الشرق الأوسط إلى هذا النمط من الإدارة.
من طهران إلى بغداد، ومن كابول إلى واشنطن وتل أبيب، لم تكن الأحداث منفصلة. كانت طبقات تتراكب لتنتج بيئة جديدة: صراع مشاريع لا صراع حدود، إدارة مسارات لا مواجهة جبهات، توازنات استخباراتية لا بيانات حرب فقط. لهذا، كلما اشتعل ملف في 2026 — إيران، غزة، البحر الأحمر — بدا وكأنه فصل جديد من كتاب بدأ عام 1979 ولم يُغلق بعد.
السنوات تمضي، لكن بعض الأعوام لا تمضي معنا. تبقى تعمل في الخلفية، تُعيد تشكيل الخيارات، وتُذكّرنا بأن التاريخ ليس خطًا مستقيمًا، بل عقدة تتكرر خيوطها. 1979 كانت تلك العقدة. ومن لم يفكّها، سيقرأ حاضرنا كحوادث متفرقة، بينما هو امتداد لحظةٍ واحدة أعادت تعريف ميزان الشرق الأوسط ومنطق القوة فيه.
رابط المقال المختصر:





