مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

استنزاف مُدار أم تحوّل في ميزان القوة؟

يصعب التعامل مع مشهد الجنوب اللبناني بوصفه سلسلة عمليات تكتيكية منفصلة، لأن ما يجري منذ ثلاثة أشهر يتجاوز حدود الاشتباك اليومي نحو نمط قتال متماسك يفرض نفسه كمسار حرب قائم بذاته

مشاركة:
حجم الخط:

يصعب التعامل مع مشهد الجنوب اللبناني بوصفه سلسلة عمليات تكتيكية منفصلة، لأن ما يجري منذ ثلاثة أشهر يتجاوز حدود الاشتباك اليومي نحو نمط قتال متماسك يفرض نفسه كمسار حرب قائم بذاته. فالمسألة لم تعد مجرد تبادل ضربات، بل تحوّلت إلى معادلة استنزاف مُنظَّم تُدار ضمن سقف اشتباك غير مُعلن، يُحدِّد إيقاع التصعيد ويمنع الانفجار الشامل، دون أن يوقف التراكم البطيء للضغط.

ضمن هذا الإطار، لا يمكن قراءة الأداء العملياتي للمقاومة بمعزل عن مفهوم “الضبط”. فالثبات في وتيرة العمليات لا يعكس فقط قدرة قتالية، بل يدل على وجود قرار استراتيجي بإدارة الاستنزاف، لا الانزلاق به. هذا يعني أن الفعل العسكري ليس تراكما عشوائيا، بل جزء من معادلة محسوبة تتقاطع فيها القدرة مع الإرادة، ضمن توازن ردع فعلي مع الجيش الإسرائيلي، حيث لا يستطيع أي طرف كسر الآخر دون دفع كلفة تتجاوز العائد.

الأرقام المتداولة حول الخسائر، بصرف النظر عن دقتها الكاملة، تكتسب معناها الحقيقي من أثرها السلوكي. فحين تُجبر هذه الخسائر العدو على تعديل أنماط انتشاره، أو زيادة تحصيناته، أو تقليص حرية حركته، فإننا لا نكون أمام استنزاف عددي، بل أمام استنزاف وظيفي. هنا تحديدا تتحول الإصابة من حدث إلى تأثير، ومن رقم إلى ضغط على القرار.

هذا التحول يرتبط مباشرة بما يمكن تسميته “اقتصاد القوة”. فإدخال وسائل منخفضة الكلفة، مثل الطائرات السلكية التي ظهرت بوضوح خلال الحرب الروسية الأوكرانية، لا يمثل مجرد تطوير تقني، بل إعادة صياغة لمعادلة الكلفة والعائد. حين تصبح كلفة الهجوم أدنى بكثير من كلفة الدفاع، فإن الاستنزاف يتجاوز كونه تبادلا للخسائر، ليصبح أداة اختلال بنيوي تُرهق الخصم على المدى المتوسط.

الميزة الحاسمة لهذه الوسائط لا تكمن فقط في قدرتها على تقليل أثر التشويش، بل في فرضها نمطا جديدا من التهديد المستمر، منخفض البصمة، عالي التكرار. هذا النمط يُجبر العدو على البقاء في حالة استنفار دائم، ويُشتت موارده الدفاعية، ويحوّل كل نقطة انتشار إلى عبء محتمل. وهنا تتجلى قيمة الاستنزاف، ليس في الضربة بحد ذاتها، بل في ما تفرضه من كلفة مستمرة.

الأمر ذاته ينطبق على مفهوم “السيطرة الجوية”. ما يجري لا يُمثّل انهيارا لها، بل تآكلا تدريجيا في فعاليتها. فالمقاومة لا تنازع العدو على السماء، لكنها تفرض وجودا عملياتيا داخلها، عبر أدوات يصعب رصدها واعتراضها بكلفة منخفضة. ومع تراكم هذه الاختراقات، تتحول السيطرة من حالة مطلقة إلى حالة مشروطة، وهو تحول دلالي قبل أن يكون عسكريا.

لكن لفهم عمق هذا المسار، لا بد من إدخال عامل الزمن. نحن لا أمام استنزاف قصير يهدف إلى تحسين شروط تفاوض، بل أمام نمط أقرب إلى استنزاف متوسط إلى طويل الأمد، يُراد له أن يُعيد تشكيل بيئة الاشتباك تدريجيا. هذا يعني أن الهدف ليس الحسم، بل تغيير القواعد التي يُدار ضمنها الصراع.

غير أن هذا المسار لا يتحرك في فراغ. فمع انسداد أفق الحسم الميداني، يزداد احتمال انتقال العدو إلى مسارات بديلة لتوليد الضغط. وهنا تتعدد الأدوات، من السياسية إلى الأمنية وصولا إلى الاقتصادية، ضمن محاولة نقل مركز الثقل من الجبهة إلى الداخل.

في هذا السياق، يبرز مسار بالغ الحساسية، يتمثل في محاولة دفع القيادة السياسية اللبنانية، عبر موقع الرئاسة، إلى الانخراط في مسار سياسي ضاغط، قد يتجسد في لقاء محتمل مع بنيامين نتنياهو في واشنطن. هذه الخطوة، في حال طُرحت بجدية، لا تُفهم كتحرك دبلوماسي تقليدي، بل كأداة لإعادة تشكيل الشرعية الداخلية تحت ضغط خارجي.

تكمن خطورة هذا المسار في أنه ينقل الاستنزاف من الميدان إلى بنية القرار السياسي. ففرض لقاء من هذا النوع في ظل غياب إجماع وطني، يعني وضع رئاسة الجمهورية أمام معادلة مستحيلة، إما الانخراط في مسار يفتقر إلى الغطاء الداخلي، أو رفضه تحت ضغط دولي متصاعد. وفي الحالتين، يكون الهدف قد تحقق جزئيا، وهو إدخال التصدع إلى الداخل كبديل عن العجز في الحسم الخارجي.

هنا تتكامل أدوات الصراع، من الطائرات الصغيرة إلى الضغوط السياسية، ضمن منظومة واحدة تهدف إلى إعادة توزيع الكلفة. فحين يعجز العدو عن كسر المقاومة ميدانيا، يسعى إلى رفع كلفة تماسكها الداخلي، عبر خلق بيئات انقسام أو فرض مسارات تتجاوز التوازنات القائمة.

يبقى السؤال الحاسم، متى يتحول هذا الاستنزاف إلى إنجاز استراتيجي؟ الإجابة لا تكمن في عدد العمليات أو حجم الخسائر، بل في مؤشرات التحول، مثل تقييد حرية حركة العدو، تغير قواعد الاشتباك، أو انتقاله من الهجوم إلى إدارة المخاطر. عند هذه النقطة، لا يعود الاستنزاف مجرد ضغط، بل يصبح أداة لإعادة تشكيل ميزان القوة.

إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال بعد “إدارة الإدراك”. فالإصدارات المرئية للعمليات ليست مجرد توثيق، بل جزء من المعركة نفسها، تُعيد تشكيل وعي الخصم وجمهوره، وتُحوّل كل ضربة إلى رسالة تتجاوز أثرها المادي. هذا البعد يُكمل الحلقة، حيث يلتقي الفعل العسكري مع التأثير النفسي في إنتاج معنى القوة.

في المحصلة، نحن أمام معادلة مركبة، استنزاف مُدار ضمن سقف مضبوط، يتغذى على اقتصاد قوة مختل، ويترافق مع محاولات نقل الضغط إلى الداخل. بين هذه المستويات تتحدد ملامح المرحلة، لا كحرب حسم، بل كصراع على القواعد، حيث يُبنى التغيير الحقيقي ببطء، لكن بثبات.

شارك المقال: