إبراهيم القاضي يكتب: حين اشتد عود الدولة
بدأت مرحلة جديدة من بناء الدولة، توسعت المؤسسات الحكومية، وتعاظم حضور الدولة في الاقتصاد والمجتمع.

جمال عبد الناصر (وسائل التواصل)
1811 و1954
بعض اللحظات تمر في كتب التاريخ كسطر عابر، وبعضها يترك ظله ممتدًا على أجيال كاملة.
في تاريخ مصر الدولة تقف لحظتان على هذا النحو: 1811 و1954، بينهما مسافة طويلة من الزمن، لكنهما يشتركان في أمر واحد.
فكل منهما شهد نقطة تحول كبرى أعادت تشكيل موازين القوة داخل الدولة، ومهدت لظهور نظام سياسي أكثر قدرة على فرض سلطته وبناء مؤسساته وترسيخ نفوذه في المجتمع.
إبراهيم القاضي يكتب: حين يصبح ناهش الأعراض بطلًا
في مطلع القرن التاسع عشر كانت مصر أرضًا تتنازعها قوى متعددة
المماليك يملكون السلاح والنفوذ، والعثمانيون يتمسكون بسيادتهم الاسمية على البلاد، والزعامات الشعبية والدينية تملك مكانتها وتأثيرها.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب صعد الصف ضابط الألباني إلى الحكم، مدركًا أن مشروعه لن يكتمل ما دامت السلطة موزعة بين أطراف عديدة.

جاء عام 1811 ليحمل اللحظة الفاصلة
ففي القلعة انتهى نفوذ المماليك بوصفهم أكبر مركز قوة ينافس الحاكم الجديد.
لم يكن ما جرى مجرد صراع بين رجال سياسة أو قادة عسكريين، بل كان إعلانًا عن ميلاد نمط جديد من الحكم.
دولة لا تقبل شريكًا في القرار، وتسعى إلى تركيز السلطات كلها في يدها.
منذ ذلك الحين بدأت مصر تدخل عصرًا جديدًا، تأسس جيش حديث.
أُرسلت البعثات العلمية إلى أوروبا، وأُنشئت المدارس المتخصصة، وشُقت الترع، وأقيمت المصانع.
كانت الدولة تتمدد في كل اتجاه، وتفرض حضورها على المجتمع بصورة لم تعرفها مصر منذ قرون.
لكن هذه الدولة الحديثة لم تقم على الإدارة والجيش والتعليم وحدها، بل قامت أيضًا على الهيبة الصارمة.
فكلما اتسعت قدرة الدولة على البناء، اتسعت قدرتها على الرقابة والضبط، وأصبح الخوف من السلطة جزءًا من المعادلة التي ضمنت الاستقرار ورسخت النفوذ.
ومضى أكثر من قرن وأربعين عامًا قبل أن تشهد مصر لحظة أخرى تشبهها في جوهرها وإن اختلفت في تفاصيلها.
بعد قيام ثورة يوليو 1952 وسقوط النظام الملكي
بقي سؤال السلطة مطروحًا بقوة، من يحكم؟
ومن يملك القرار الأخير؟
وهل تكون الدولة الجديدة ساحة تتعدد فيها مراكز النفوذ أم سلطة موحدة تتجمع في يد واحدة؟
وفي عام 1954 جاءت الإجابة
أُخرج اللواء محمد نجيب من المشهد السياسي، ثم دخلت الدولة في مواجهة واسعة مع جماعة الإخوان المسلمين عقب حادث المنشية، الذي ينظر إليه البعض بعين الشك والريبة.
وخلال شهور قليلة استقرت موازين القوة بصورة نهائية لصالح القيادة الجديدة التي كان الصاغ جمال عبد الناصر رمزها.
وكما حدث بعد عام 1811
بدأت مرحلة جديدة من بناء الدولة، توسعت المؤسسات الحكومية، وتعاظم حضور الدولة في الاقتصاد والمجتمع.
انطلقت مشروعات كبرى مثل الإصلاح الزراعي وتأميم قناة السويس وبناء السد العالي والتوسع الصناعي.
وأصبحت مصر لاعبًا مؤثرًا في العالم العربي وأفريقيا وحركات التحرر الوطني.
لقد نجح عبد الناصر في بناء دولة تمتد يدها إلى كل زاوية من زوايا المجتمع
تملك قدرة كبيرة على الحشد والتوجيه
غير أن هزيمة 1967 كشفت أن اتساع السلطة لا يعني بالضرورة سلامة الأداء، وأن الدولة التي بدت شديدة الصلابة في الداخل ،كانت تخفي خلف واجهتها مواطن ضعف لم تظهر إلا ساعة الاختبار.
فالهزيمة لم تكن مجرد خسارة عسكرية، بل كانت صدمة كشفت حدود النموذج الذي يتركز فيه القرار في قمة واحدة، ويصعب فيه تصحيح الأخطاء قبل أن تتفاقم.

وعندما ينظر المؤرخ إلى عامي 1811 و1954 معًا
يكتشف أن الرابط بينهما أعمق من مجرد تشابه الأحداث.
ففي المرتين جرى حسم الصراع لصالح الباشا وناصر، وأُزيحت مراكز القوى المنافسة، وخرجت السلطة الجديدة أكثر قدرة على فرض إرادتها على المجتمع.
لقد أسس محمد علي وعبد الناصر نظامين مختلفين في الظروف والشعارات، لكنهما تشابها في اعتماد الدولة المركزية الصارمة أساسًا للحكم.
وكانت الهيبة جزءًا من شرعيتهما
كما كان الخوف من بطش السلطة أحد الأدوات التي ساعدت على ترسيخ النظام وحماية قراراته، وفي المقابل أتاح هذا التركيز للسلطة قدرة كبيرة على الحشد والتنظيم وتنفيذ المشروعات الكبرى في فترات زمنية قصيرة.
غير أن التاريخ لا يكتفي بتسجيل لحظات الصعود، بل يتأمل أيضًا لحظات الانكسار.
فمحمد علي الذي أمضى عقودًا يبني جيشًا قويًا ودولة حديثة، انتهى مشروعه التوسعي الكبير تحت ضغط القوى الأوروبية.
جاءت معاهدة لندن سنة 1840 لتجبره على التخلي عن معظم فتوحاته خارج مصر والشام.
ليكتشف أن الدولة التي استطاعت إخضاع الداخل لم تكن قادرة على فرض إرادتها على موازين القوى الدولية.
فاحتفظ الباشا بحكم مصر الوراثي لأسرته، لكنه خسر حلم الإمبراطورية التي سعى إلى بنائها.
وبصورة مختلفة واجه ناصر لحظته الفاصلة في يونيو 1967
فالدولة التي بدت قادرة على تعبئة الملايين وقيادة المنطقة بأسرها تلقت ضربة موجعة كشفت حدود قوتها الفعلية.
كما وضعت معاهدة لندن حدودًا لطموح محمد علي، وضعت هزيمة يونيو حدودًا لمشروع عبد الناصر القومي.
لعل المفارقة الكبرى أن الرجلين حققا إنجازات لا يمكن إنكارها
لكن نهايتي المشروعين حملتا تذكيرًا قاسيًا بأن الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه من سلطة وهيبة، وإنما أيضًا بقدرتها على مراجعة نفسها وتصحيح أخطائها.
فالقوة التي تبني الجيوش والمصانع والسدود قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا غابت عنها المساءلة وتعددت حولها دوائر التقديس.
لهذا لا يمكن النظر إلى عام 1811 أو عام 1954 بوصفهما مجرد تاريخين في سجل الأحداث.
فهما لحظتان أعادتا صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ورسختا نموذجًا للحكم محوره الفرد.
منهما خرجت دولة أكثر حضورًا في حياة الناس، وأكثر قدرة على التوجيه والتأثير، كما خرج منهما تقليد سياسي جعل الخوف أحد أدوات الحكم إلى جوار الإنجاز والبناء.
وما بعد 1811 لم يكن كما قبله، وما بعد 1954 لم يكن كما قبله.
ففي هذين المنعطفين تشكلت ملامح جانب كبير من الدولة المصرية الحديثة، بما حملته من قدرة على الإنجاز، وما فرضته من هيبة، وما تركته من أسئلة ما زالت مطروحة حتى اليوم.






