مقالات
إبراهيم القاضي
إبراهيم القاضي

كاتب وروائي

إبراهيم القاضي يكتب: الشيخ محمود إسماعيل الشريف

لماذا لم يصبح محمود إسماعيل الشريف واحدًا من الأسماء التي يتداولها الناس على نطاق واسع حين يتحدثون عن عمالقة التلاوة؟

مشاركة:
حجم الخط:

ثمة أصواتٌ لا تحتاج إلى تعريف، يكفي أن تنطلق من الراديو حتى تعرف صاحبها.

وثمة أصوات أخرى جميلة، متقنة، صاحبة شخصية، لكنها لسبب لا علاقة له بقيمتها الفنية تظل واقفة على هامش الشهرة، كأن أحدًا نسي أن ينادي باسمها.

وأحسب أن الشيخ محمود إسماعيل الشريف واحد من هؤلاء.

إنه من الأصوات المظلومة في مدرسة التلاوة المصرية، صوت لم ينل من الشهرة والاحتفاء ما يتناسب مع موهبته.

ولم يأخذ المكانة التي يستحقها بين كبار القراء، رغم امتلاك صوته لهوية واضحة، وقدرة لافتة على تطويع المعنى.

والغريب أن مظلوميته لا تأتي من ضعف صوته، وإنما ربما من أن زمن التلاوة المصرية كان مزدحمًا إلى حد الظلم.

إبراهيم القاضي يكتب: الولس هزم عرابي

كان عليك أن تكون في مواجهة أسماء عملاقة حتى تجد لنفسك مكانًا في ذاكرة المستمع:

رفعت، والمنشاوي، والحصري، وعبد الباسط، ومصطفى إسماعيل، والبنا وغيرهم.

وفي مثل هذا الزحام، قد تمر أصوات عظيمة دون أن تنال حقها، لا لأنها أقل قيمة، وإنما لأن الذاكرة الشعبية لا تستطيع أن تمنح الجميع المساحة نفسها.

صوت له ملامحه

أول ما يلفتني في صوت هذا الرجل، أنه ليس صوتًا مستعارًا، بل له لونه الخاص، فيه خشونة تمنحه شخصية، وفيه عذوبة لا تتكلف النعومة، وفيه نبرة مصرية ريفية واضحة تشعرك أنك أمام صوت خرج من بيئة تعرف القرآن سماعًا وحفظًا وممارسة.

إنه ليس الصوت الذي يخطفك بضربة واحدة ثم ينتهي أثره، بل يتسلل إليك شيئًا فشيئًا.

تسمعه مرة، ثم ثانية، ثم تكتشف أنك بدأت تعرفه من نبرته قبل أن تعرف اسم السورة.

وهذه، في رأيي، واحدة من أهم علامات الصوت الحقيقي: أن تكون له بصمة يمكن للأذن أن تتعرف إليها قبل أن يتعرف العقل إلى صاحبها.

لو أردنا أن نصف الشريف بكلمة واحدة فلن تكفي كلمة عذب.

فالعذوبة وحدها لا تصنع قارئًا كبيرًا.

هناك أصوات جميلة، لكنها بلا شخصية.

وهناك أصوات قوية، لكنها تجهد الأذن. وهناك أصوات واسعة المساحة، لكنها لا تعرف ماذا تفعل بهذه المساحة.

أما الشريف فميزته في أنه يعرف كيف يستخدم صوته.

يرفعه دون استعراض، ويخفضه دون أن يفقد حضوره، ويترك للنغمة أن تتنفس داخل الآية دون أن تطغى عليها.

وعندما يتعامل مع آية فيها خوف أو حزن أو رجاء، لا أشعر أنه يمثل الشعور، وإنما كأن الشعور يمر في صوته بصورة طبيعية.

وهنا تكمن قيمة القارئ الحقيقي.

أن يجعل المستمع يشعر بالمعنى دون أن يشعر بعملية صناعة الإحساس.

في صوته شيء من القرية، ربما كان هذا أكثر ما أحبه في صوته. فيه شيء مصري قديم.

شيء من القرية التي كان القرآن فيها جزءًا من نسيج الحياة، لا مجرد مادة للاستماع. شيء من الكُتّاب، ومن المسجد الصغير، ومن ليالي رمضان، ومن جهاز الراديو الذي كانت العائلة تجلس حوله في صمت.

ولذلك فإن الاستماع إلى الشريف لا يمنحك القرآن وحده، يمنحك أحيانًا إحساسًا بزمن مضى.

كأن صوته يحمل في طبقاته غبار الطرق القديمة، وهدوء البيوت الريفية، ورائحة المساجد في ليالي الشتاء.

وهذه ليست مسألة تقنية بالطبع، لكنها جزء من سر الأصوات الكبيرة.

فالصوت لا تصنعه الحنجرة وحدها. تصنعه الحياة التي عاشها صاحبه أيضًا.

ومن الناحية الفنية، فإن النفس عنده عنصر مهم في تكوين أدائه. لا تشعر بأنه يلهث خلف الآية، ولا بأن الجملة القرآنية مقطعة إلى أجزاء منفصلة.

هناك قدرة على حمل الجملة، وعلى توزيع النفس بما يخدم البناء الموسيقي واللغوي للتلاوة.
والأجمل أن هذه القدرة لا تتحول إلى استعراض.

وهذا هو الفارق بين القارئ الذي يمتلك الإمكانات والقارئ الذي يمتلك الوعي بإمكاناته.

فليس المهم أن تستطيع أن تفعل شيئًا بصوتك، وإنما أن تعرف متى تفعله ومتى تترك الآية تمضي ببساطتها.

وهنا السؤال الذي أراه أكثر إلحاحًا:

لماذا لم يصبح محمود إسماعيل الشريف واحدًا من الأسماء التي يتداولها الناس على نطاق واسع حين يتحدثون عن عمالقة التلاوة؟

لا أعتقد أن الإجابة يمكن أن تكون مرتبطة بجودة صوته وحدها، إنها مسألة حظ تاريخي أيضًا.

فالأجيال التي ظهرت فيها أصوات التلاوة الكبرى كانت أجيالًا استثنائية، وكان عدد الأصوات المتميزة أكبر من قدرة الشهرة على استيعابها.

هناك قراء عظام دخلوا إلى الذاكرة الجمعية، وهناك آخرون ظلوا في الصفوف الخلفية رغم امتلاكهم ما يؤهلهم لأن يكونوا في الصف الأول. والشريف، في تقديري، من هؤلاء.
مظلوم الشهرة، لا مظلوم الموهبة.

وهذه عبارة أراها أصدق وصف له.

فقد تكون الموهبة موجودة، والتجربة موجودة، والشخصية موجودة، لكن لا تأتي الشهرة بالقدر الذي تستحقه الموهبة.

والشهرة ليست دائمًا مقياسًا للعبقرية.

أحيانًا تكون مجرد مقياس لمن وصل صوته إلى أكبر عدد من الناس.

ربما يكون أجمل ما يمكن أن يحدث لأي صوت مظلوم أن تأتي أجيال جديدة فتكتشفه بعيدًا عن أحكام الشهرة القديمة.

وعندما يحدث ذلك، يبدأ المستمع في الاستماع إليه لا بوصفه قارئًا لم يصل إلى مرتبة فلان، وإنما بوصفه محمود إسماعيل الشريف.

وهنا يصبح الحكم أكثر عدلًا.

لا نقارنه بأحد.

لا نضعه تحت ظل أحد.

نجلس فقط ونستمع.

وحين نفعل ذلك، نكتشف أن الرجل كان يملك صوتًا يستحق أن يُسمع أكثر، وأن يُعاد اكتشافه، وأن يحتل مساحة أكبر في وجدان محبي التلاوة.

إن بعض الأصوات لا تحتاج إلى أن نرفعها إلى السماء كي نثبت عظمتها.

يكفي أن نعيد إليها حقها في الاستماع.

ومحمود إسماعيل الشريف، في رأيي، واحد من هؤلاء.

قارئ كبير لم ينل نصيبه من الشهرة، صوت جميل ظُلم بالزحام، وظل واقفًا في ناحية بعيدة من دولة التلاوة المصرية، ينتظر أذنًا عادلة تكتشفه من جديد.

وربما تكون هذه هي العدالة الوحيدة التي يمكن أن نقدمها لصوتٍ مظلوم:

أن نسمعه مرة أخرى.

لا باعتباره اسمًا منسيًا.

بل باعتباره صوتًا يستحق أن تخلده الذاكرة.

شارك المقال: