أسرار يرويها الأثر : المسجد الحسيني حين تتجدد العمارة ويبقى التاريخ خالدًا (3)
إن زيارة المسجد الحسيني ليست مجرد زيارة لمكان للعبادة، بل هي رحلة عبر الزمن، يتجول فيها الزائر بين صفحات من الفن، والإيمان، والتاريخ،

صورة من داخل مسجد الحسين (كاميرا الكاتب
ليست الآثار مجرد أحجار صامتة أو مبانٍ عتيقة، بل هي صفحات حية من كتاب الحضارة، تركها لنا الأجداد لتروي قصة الإنسان والإيمان والتاريخ.
ولكل أثر سر، ولكل حجر حكاية، ولكل نقش رسالة عبرت القرون حتى تصل إلينا.
وفي هذه السلسلة، نقترب من الأثر بعين الباحث، وخبرة المرمم، وشغف المحب، لنكشف معًا أسرارًا ربما لم ينتبه إليها كثيرون، ونقرأ التاريخ كما يرويه الأثر نفسه.
التجديدات الكبرى في عهد ثورة 23 يوليو:
مع قيام ثورة 23 يوليو 1952م، حظي المسجد الحسيني بعناية خاصة، انطلاقًا من مكانته الدينية والتاريخية، وحرص الدولة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الزائرين والمصلين.
وبدأت أعمال التطوير سنة 1959م، واستمرت حتى 1963م، وشملت توسعة بيت الصلاة، حتى ارتفعت مساحته من نحو 1500 متر مربع إلى ما يقرب من 3340 مترًا مربعًا.
ويمكن للمتخصص أن يلاحظ بوضوح حدود هذه التوسعة؛ إذ استُخدمت في الجزء الشمالي من بيت الصلاة أعمدة خرسانية تحمل العقود، بينما ظلت الأعمدة الرخامية الأصلية قائمة في الجزء التاريخي من المسجد، لتسجل كل مرحلة من مراحل تطوره المعماري.
أسرار يرويها الأثر : توسعات المسجد الحسيني (2)
أسرار يرويها الأثر : مسجد الحسين ومشهده (1)
ثامنًا: تطوير المرافق والخدمات:
لم تقتصر أعمال التطوير على زيادة مساحة الصلاة، بل شملت إنشاء مبنى إداري لخدمة المسجد والمشهد، وإقامة مكتبة علمية في الجهة الشرقية بمحاذاة القبة، بالإضافة إلى إنشاء مصلى مستقل للسيدات، بما يتوافق مع احتياجات الزائرين.
وفي أوائل ثمانينيات القرن العشرين، نفذت هيئة الآثار المصرية مشروعًا متكاملًا لترميم المسجد والمشهد الشريف، شمل معالجة العناصر المعمارية وتجديد قبة الضريح، التي كانت ترجع إلى عمارة الأمير عبد الرحمن كتخدا في القرن الثامن عشر.

تاسعًا: الواجهة الجديدة… عندما يلتقي التراث بالإبداع:
ومن أبرز أعمال التطوير الحديثة إنشاء واجهة جديدة للمسجد بأمر من وزارة الأوقاف، لتكون أكثر ملاءمة لجلال المكان ومكانة صاحب المقام.
وقد بلغ طول هذه الواجهة 45 مترًا، وعرضها 8 أمتار، وصُممت بعناية فائقة بحيث تكون أقل ارتفاعًا من الواجهة التاريخية، حتى تظل العناصر الأثرية القديمة واضحة للعيان.
وتتكون الواجهة من سبعة عقود مدببة، يرتكز كل منها على عمودين من رخام الكرارا الأبيض، وتحيط بها زخارف جصية غاية في الدقة والجمال.
واستُخدمت ثلاثة عقود كمداخل رئيسية، بينما خُصصت الأربعة الأخرى كنوافذ من البرونز المخرم، تتدلى بينها مشكاوات مستوحاة من الطراز الإسلامي، في لوحة معمارية تجمع بين الأصالة وروعة التنفيذ.
الوصف الخارجي للمسجد:
يبلغ طول المسجد الحسيني نحو 58.5 مترًا، بينما يصل عرضه إلى 68.5 مترًا تقريبًا، وقد شُيد بالحجر الأحمر، وتظهر في واجهاته بعض التأثيرات المعمارية الأوروبية التي امتزجت بالطابع الإسلامي خلال القرن التاسع عشر.
أما المئذنة القائمة في الركن الغربي القبلي، فهي من أجمل مآذن القاهرة، وقد شُيدت على الطراز العثماني، فجاء بدنها أسطوانيًا رشيقًا، يتكون من دورتين، وتنتهي بقمة مخروطية مكسوة بالرصاص، وهو ما أكسبها بين الباحثين لقب “مئذنة القلم الرصاص”، ويبلغ ارتفاعها نحو سبعين مترًا.
ويضم المسجد ثلاثة أبواب رئيسية من رخام الكرارا الأبيض تطل على جهة خان الخليلي، بالإضافة إلى الباب الأخضر التاريخي المجاور للمئذنة، وباب يؤدي إلى صحن الوضوء، وآخرين في الجهة الشرقية يصل أحدهما مباشرة إلى بيت الصلاة.

الوصف الداخلي للمسجد:
بمجرد دخول المسجد، يستقبلك فضاء معماري مهيب، تتوزع فيه خمسة صفوف من العقود المحمولة على أعمدة ضخمة من الرخام التركي الأبيض المعرق بخطوط رمادية طبيعية، فتمنح المكان هيبة وجمالًا في آن واحد.
ويتوسط جدار القبلة محراب فريد، صُنع سنة 1303هـ من بلاطات القيشاني الملون، في تكوينات هندسية دقيقة، تختلف عن المحاريب الرخامية المعتادة، مما يضفي عليه شخصية فنية مميزة.
ويقف إلى جواره منبر خشبي أثري، نُقل من جامع أزبك التاريخي بعد إزالته أثناء إعادة تخطيط منطقة الأزبكية والعتبة سنة 1869م، ليواصل أداء رسالته داخل المسجد الحسيني.
كما كانت دكة المبلغ عبارة عن غرفة خشبية مرتفعة، تستند إلى أربعة أعمدة خشبية، ويُصعد إليها بسلم خشبي، وقد استخدمت في العصر الحديث مقرًا لأجهزة الإذاعة ومكبرات الصوت الخاصة بنقل الصلوات والاحتفالات الدينية.
مقتنيات ثمينة داخل المسجد.
ومن أثمن ما يحتضنه المسجد الحسيني بابان يؤديان إلى المشهد الشريف، حيث القبة التي تُنسب إليها مكانة خاصة في وجدان المصريين، وباب ثالث يقود إلى حجرة المقتنيات النبوية، التي أُنشئت سنة 1311هـ، وتضم عددًا من النفائس ذات القيمة الدينية والتاريخية الكبيرة، والتي حظيت بعناية فائقة على مر العصور.
سر يرويه الأثر:
كل ركن في المسجد الحسيني يحمل بصمة عصر، وكل عمود يروي قصة بناء، وكل زخرفة تحفظ ذكرى صانع أخلص عمله، حتى أصبح المسجد سجلًا حيًا لتاريخ العمارة الإسلامية في مصر عبر قرون متعاقبة.
ولذلك، فإن زيارة المسجد الحسيني ليست مجرد زيارة لمكان للعبادة، بل هي رحلة عبر الزمن، يتجول فيها الزائر بين صفحات من الفن، والإيمان، والتاريخ، ليكتشف أن الحجر، إذا أحسنَّا قراءته، يستطيع أن يروي ما تعجز عنه الكتب.
وهكذا… يرويها الأثر
وهكذا يظل كل أثر شاهدًا صادقًا على حضارة صنعت التاريخ، ورسالةً تحملها الأحجار من جيل إلى جيل. وما كشفناه اليوم ليس إلا جزءًا من قصة أكبر، فما زالت أرض مصر تزخر بأسرار تنتظر من يقرأها بعلم، ويفسرها بصدق، ويحافظ عليها بإخلاص.
فالآثار لا تتحدث… لكنها تروي لمن يعرف كيف يُنصت إليها.






