رواية علي محمد علي: الراعي (2)
على باب العريشة… ملابس معلقة، ملابس لرجل بالغ، توقّف سامي، ظلّ ينظر إليها طويلًا، كأنها تنظر إليه هي الأخرى، سأل، بصوت خرج منه رغمًا عنه: - الهدوم دي بتاعة مين؟ لم يلتفت أبو الفضل فورًا، ترك السؤال يبرد قليلًا في الهواء، ثم قال، بنبرة من يحكي أمرًا محسومًا: - لرجل صالح كان هنا قبلك… ودخل الجنة.

حصريًا لموقع “آخر الكلام”
” هو و الصحراء”
بعد أيام معدودات، كان سامي في طريقه إلى الصحراء، المكان لم يكن قرية، ولا مزرعة، بل فراغًا واسعًا يُسمّى ملكًا، غنم ومعيز وجمال.
“أبو الفضل بيه” الذي كان يهوى رياضة الهجن، ويرى في الصحراء ملعبًا نظيفًا من البشر.
عزلة
في قلب العزلة، بيت صغير: غرفة وصالة شبه خاليتين، لا أثاث يُذكر، ولا حمّام، ولا شيء يُذكّر بأن البشر يحتاجون أكثر من سقف، إلى جوارهما بئر، ضنين، سحيق، يُخرج الماء كما لو كان يندم على كل قطرة.
في الطريق، سأل سامي بصوت خافت، كأنه يخشى أن يُخطئ بالسؤال:
– أين نذهب؟
ابتسم “أبو الفضل بيه” ابتسامة هادئة، من تلك التي لا تُطمئن ولا تُخيف، وقال:
– للحياة الحقيقية.
فكّر سامي قليلًا، ثم سأل، وهو ينظر إلى الرمل الممتد بلا نهاية:
– هو في حياة مش حقيقية؟
قال الرجل بثقة من يعرف الإجابة قبل السؤال:
– طبعًا.
الحياة التي نعيشها وسط البشر ليست حياتنا، لقد خلقنا لحياة تانية.
ننعزل فيها، نعبد الله، ندعيه، ونعمل بدون لغو أو كلام، هذه هي الصلاة الحقيقية.
نظر سامي إلى الفراغ، كأن الكلام وجد مكانه بسهولة، وهزّ رأسه ببطء، كما لو كان مقتنعًا ..أو كما لو لم يجد سببًا للاعتراض.
وصلا ..
ولم يكن الوصول حدثًا، بل انقطاعًا، توقّفت السيارة كما لو أنها وصلت إلى آخر ما تعرفه الأرض عن البشر، صمتٌ ثقيل تمدّد فجأة، كأن المحرّك حين سكت سحب معه كل الأصوات التي اعتادها سامي في حياته القصيرة.
نزول
نزل “أبو الفضل بيه” أولًا، نزل كما ينزل مالك إلى أرضه، لا ينظر حوله، ولا يتفحّص المكان، كأن الصحراء تقف له احترامًا منذ زمن.
نزل سامي بعده، قدماه غاصتا قليلًا في الرمل، فتوقف لحظة، كأن الأرض تختبر وزنه، أو كأنها تسأله: هل أنت الجديد؟
جلس أبو الفضل على كرسي وحيد أمام البيت الصغير، كرسي بدا كأنه وُضع هناك ليشهد لا ليستعمل، مدّ ساقيه، وأشار بإصبعه إشارة مقتضبة، لا تحتمل التأويل:
– فرّغ الشنطة.
انحنى سامي على باب السيارة، وأخرج الحياة قطعة قطعة، معلّبات كثيرة، صفوف من المعدن البارد، وخبز ناشف، يابس إلى حدّ القسوة، جزء منه سيُكسر بأسنانه، وجزء آخر ستلتهمه أفواه لا تطلب ولا تشكوز
بطانية سميكة، ثقيلة كذنب قديم، وبطانيتان أخرتان، وملابس أوسع من جسده، ملابس لا تشبه الأطفال، قماشها خشن، كأنها صُنعت لتعلّم الجسد الطاعة.
كان يضع الأشياء على الأرض بحرص زائد، يرتّبها كما لو كان يخشى أن يوقظ المكان بحركة خاطئة، حول البيت، كانت الإبل تتحرّك ببطء مترنّح، أجساد ضخمة، عيون نصف مغمضة، كأنها تعرف الصحراء أكثر مما تعرف نفسها.
حياة جديدة
وعلى مقربة، عريشة كبيرة من خشب وقشّ جاف، تحتها مئات الأغنام والماعز، كتلة حيّة من الأنفاس، من الثغاء، من الحركة التي لا تهدأ.
على باب العريشة… ملابس معلقة، ملابس لرجل بالغ، توقّف سامي، ظلّ ينظر إليها طويلًا، كأنها تنظر إليه هي الأخرى، سأل، بصوت خرج منه رغمًا عنه:
– الهدوم دي بتاعة مين؟
لم يلتفت أبو الفضل فورًا، ترك السؤال يبرد قليلًا في الهواء، ثم قال، بنبرة من يحكي أمرًا محسومًا:
– لرجل صالح كان هنا قبلك… ودخل الجنة.
ارتجف شيء في صدر الصبي:
– دخل الجنة؟ من أين عرفت؟
التفت أبو الفضل أخيرًا، وجهه ثابت، عينيه خاليتان من أي شك:
– آتاني في الرؤية، شكرني كثيرًا، وقبّل يدي، وقال لي: ” لولاك… ما دخلت الجنة، ولا رأيت النعيم” ثم أضاف، كأنه يغلق باب النقاش:
– والأموات يا عزيزي… لا يكذبون.
عبدون
ابتلع سامي ريقه:
– ماذا كان اسم هذا الرجل؟
قال أبو الفضل بلا تردّد، كأن الاسم جاهز منذ زمن:
– عبدون.
سكت لحظة، ثم أردف:
– ومن النهارده… ده اسمك.
تصلّب الصبي:
– بس أنا اسمي سامي…
قاطعه أبو الفضل بهدوء قاطع، هدوء أخطر من الغضب:
– اسم سامي هذا ليس له معنى هنا، أنت عبدون، ربما تنال منزلته… أو بعضًا من كراماته، أو تصل لقبس مما وصل إليه.
لم يعرف الصبي هل هذا الاسم يُلبس أم يُفرض، لكنه لم يجد الكلمات.
– طيب… هعيش إزاي هنا؟ وهشتغل إيه؟ وأنا لوحدي…
ابتسم أبو الفضل ابتسامة صغيرة، كأن السؤال أعجبه.
– ومن قال إنك وحدك؟ رفع إصبعه إلى السماء: الله هنا معك.
ثم أدار يده ببطء نحو العريشة:
-أوليس هؤلاء أرواح أخرى معك (أشار للحيوانات)… أرواح تانية؟ تحس، تشعر، تفرح، وتتألم؟

معايشة
هزّ سامي رأسه، كأن الجواب لا يحتاج تفكيرًا:
– أيوه… لكن أتعامل معاهم إزاي؟ هم لايعرفوني.
قال أبو الفضل بثقة مطلقة:
– أنت لن تفعل أي شيء، هم يعرفون كل شيء… وسوف يعلّموك كل شيء.
عبدون :
– هل يتكلمون؟
أبو الفضل :
– أحيانًا، و أحيانًا يصيحون وأحيانًا يهتفون و غالبًا صامتون.
ثم قال، وهو ينهض:
– الصياح أصدق من الكلام أحيانًا.
اقترب منه، والليل بدأ يمدّ أصابعه الباردة:
– باقي حاجة صغيرة يا عبدون، قبل ما أمشي -صوته انخفض- لكن معناه صار أثقل من الصحراء:
إياك أن تترك أرواح الله وحيدة وتبتعد، أو تفكر في نفسك وتتخلى عنها، فهي رغم أنها تدرك كل شيء إلا أنها غير قادرة على خدمة ورعاية نفسها، وقد اختارك الله لتتولى رعايتها و تحميها، وإياك ثم إياك أن تقترب من الطريق الذي جئنا منه.
مغادرة
نظر الصبي إلى الفراغ، إلى الخط الذي جاءوا منه.
– لماذا؟
– الموت هناك ينتظرك.
وليس أي موت… إنه موت الكفرة بالنعم والعصاة، والله سيغضب عليك، لأنك تخليت عن أرواح بريئة، ليس لها ذنب، ثم راح يسرد التعليمات، كما تُقرأ الوصايا:
– كل يوم، تنضح البير، تضع المياة في الحوض، تشرب أنت… وتشرب باقي الأرواح، وأضاف، كأنه يمنحه فسحة رحمة:
وأحيانًا يحبون أن يخرجوا، يلعبوا، يرمحوا… يمرحوا فلا تحرمهم، امرح معهم، ثم قال مطمئنًا، بابتسامة واثقة:
وإن تهت، هم يعرفون الطريق، وسوف يعيدوك للبيت، استدار، خطا نحو السيارة، وقال دون أن ينظر خلفه:
وإياك ثم إياك أن تفكر في نفسك وتنسى الله، وإن ظهر لك من العدم بشرًا لا تقترب منه ولا تساعده فقد جاء ليقتلك ويسرق أشيائك.
تحرّكت السيارة، وتلاشى صوتها، وبقي الصبي وحده، وسط أرواح كثيرة تترقب، واسم جديد بدأ يثقل على لسانه قبل أن ينطقه، وقدَرٍ بدأ يتشكّل وهو لا يزال واقفًا مكانه.
ونستمر في الحلقة القادمة





