مقالات
محمد الروبي
محمد الروبي

كاتب صحفي

محمد الروبي يكتب: رغم الوجع للحروب فضائل

( كيف تحوّل الخلاف المذهبي إلى أولوية مطلقة؟ من المستفيد من إبقائه حيًا ومشتعلًا؟ ولماذا جرى تصويره باعتباره أخطر من احتلالٍ واضح، وعدوانٍ لا لبس فيه؟)

مشاركة:
حجم الخط:

كشف الأوهام وانهيار الأكاذيب

للحروب، رغم قسوتها ووحشيتها، بعض “الفضائل” التي لا تأتي طوعًا، بل تنتزع من قلب المأساة انتزاعًا. وها هي المواجهة الإيرانية الأمريكية، كما قبلها حرب غزة، تكشف لنا – على غير رغبة منا – طبقات عميقة من الوهم الذي عشنا فيه طويلًا.

وهم السلام الآمن مع الكيان الصهيوني 

أول هذه “الفضائل” هو استكمال انهيار وهمٍ كبير.. وهم إمكانية تحقيق “سلام آمن” مع كيانٍ بُني على القتل والاقتلاع.
لقد راهن البعض، واحتفى البعض، وهرول البعض الآخر، تحت شعارٍ واحد: “لا يمكن مقاومة ما لا نستطيع مقاومته”.

فُتحت الأبواب، ووقّعت الاتفاقات، وقُدِّم كل شيء باعتباره ثمنًا ضروريًا للبقاء.
لكن الحروب جاءت كاشفة، لا راحمة. لتقول بوضوحٍ فجّ: إن من لا يرى فيك إلا خطرًا وجوديًا، لن تمنحه الاتفاقات طمأنينة، ولن تشتري منه سلامًا. وهكذا، تهاوى هذا الوهم، لا بفعل خطابٍ سياسي، بل تحت ضغط الواقع نفسه.

انكشاف وهم الصراع السني الشيعي 

أما “الفضل” الثاني، فيكمن في انكشاف زيف صراعٍ طالما تم تضخيمه وتغذيته وهو ( الصراع السني الشيعي) بوصفه التناقض الأكبر في المنطقة.
لسنوات، جرى تكريس هذا الانقسام باعتباره الخطر الأول، بل وجرى – بوعي أو بغير وعي – تحويله إلى عدسة يُرى من خلالها كل شيء.

من المستفيد من إشعال الصراع السني الشيعي 

لكن لحظة الاشتباك الكبرى أعادت ترتيب المشهد. بدأت الأسئلة تتسلل، ثم تتكاثر..( كيف تحوّل الخلاف المذهبي إلى أولوية مطلقة؟ من المستفيد من إبقائه حيًا ومشتعلًا؟ ولماذا جرى تصويره باعتباره أخطر من احتلالٍ واضح، وعدوانٍ لا لبس فيه؟)
المتابع اليوم لحالة المراجعات، خاصة على وسائل التواصل، يلمس هذا التحول. كثيرون بدأوا يعيدون التفكير، لا بدافع التنظير، بل بدافع الصدمة. صدمة اكتشاف أن ما ظنوه “ثوابت” لم يكن إلا بناءً هشًا، صُنع بعناية ليخدم أولويات ليست بالضرورة أولوياتهم.

كشف البنية المختلة للوعي 

هنا نصل إلى “الفضل” الثالث، وهو الأعمق: أن هذه الحروب تفضح البنية المختلة للوعي نفسه.

تكشف كيف تم تشكيل إدراكنا عبر سنوات من التلقين الإعلامي والسياسي، حتى أصبحنا نرى العالم كما يُراد لنا أن نراه، لا كما هو.
لقد جرى تدريب هذا الوعي على الخوف بدل الفهم، وعلى الاصطفاف بدل التحليل، وعلى الكراهية السهلة بدل الأسئلة الصعبة.

حتى إذا جاءت اللحظة الفاصلة، وجد نفسه عاجزًا عن التمييز بين صراع وجود وصراع نفوذ، بين عدوٍ حقيقي وعدوٍ مُصنّع.

حرب على المعاني 

إن ما نشهده الآن ليس مجرد حربٍ بالسلاح، بل حربٌ على المعاني نفسها.

على تعريف “السلام”، وعلى تحديد “العدو”، وعلى فهم “الواقعية”.

إنها لحظة اختبار قاسية، لكنها ضرورية… لحظة تُسقط الأقنعة، وتُعيد ترتيب الداخل قبل الخارج.
ربما لا تمنحنا الحروب خلاصًا، ولا تصنع عدالة.

تعرية الأكاذيب 

لكنها، في لحظات نادرة، تقوم بدورٍ آخر: تعرية الأكاذيب. تجرّدها من لغتها الناعمة، ومن تبريراتها اللامعة، وتضعنا – فجأة ودون استعداد – أمام الحقيقة في صورتها العارية.
وحينها فقط، يصبح السؤال الحقيقي هو:
كيف كنا نرى كل هذا… ولم نره؟

شارك المقال: