مقالات
تامر عرفات
تامر عرفات

المنبطحون في الأرض

عزيزي المنبطح، التاريخ لا يحترم الأمم التي تعيش على الهامش، ولا يرحم الشعوب التي تكتفي بالانبهار بغيرها. فإما أن تكون أمة تصنع المعرفة والقوة والقرار، أو تتحول إلى مجرد سوق يستهلك ما يصنعه الآخرون

مشاركة:
حجم الخط:

قبل أن تنبهر .. فكر 

قبل أن ينبهر منبهرٌ بالتقدم الغربي، فليتذكر حقيقة بسيطة خلف المصانع والتكنولوجيا: وهي أن معظم الثروة التي بنت هذا التقدم الغربي، لم تولد في الغرب، بل اغتصبت من موارد أمم أخرى، بالقوة والهيمنة ونظام اقتصادي عالمي تم تصميمه ليخدم طرفاً واحداً في المعادلة.
في التاريخ الحديث، بدأت فرنسا تعلو بحروب وسطو ومجازر بشرية، وكذلك بريطانيا اغتنت بالقرصنة البحرية والسفن التجارية الانتهازية العابرة للمحيطات، وإنشاء الموانئ الاستعمارية والبنوك التي موّلت وما تزال تموّل الحروب والصراعات، فتسيَّدوا العالم، ودخلت أمريكا المجال بنفس الوسائل مع عناوين لأغراض براقة مثل حماية الأمن الدولي أو نشر القيم والثقافة الإنسانية ومحاربة الإرهاب.

“الغرب متقدم تكنولوجيا وعلمياً”، ‏نعم هو كذلك، ولكنه من اخترع العلوم أو اكتشف مقدماتها وأصولها؟ بالطبع لا وبلا جدال..
فالعلوم مساهمة شاركت فيها البشرية، بدايةً من أبينا آدم، بتعليم وبوحي إلهي وبتعلم وباجتهاد وبحث تراكمي، وانتقلت العلوم بالتواصل والاتصال البشري وتوسعت بالتدريب والتجريب والاختبار والتدوين والدراسة وغيرها.

 الغرب متقدم أم متحضر؟

الغرب متقدم تصنيعياً وبحثاً علمياً، لا إنكار لذلك، لكنه متحضر حقاً إنسانياً وأخلاقياً؟ – انظر لترامب جيداً قبل أن تسرع في إجابة! ، والمنبهر نفسياً بالغرب وقوته فليهدأ، ويتعامل بقيمة وكرامة، يأخذ الاستفادة من العلوم حيث كانت ويطوّعها لمصالحه هو واحتياجاته، لا يتحول من منبهر إلى منبطح لفتوة يحميه!
وهناك منبطح يحبطك ويطعن في عقلك وقدراتك أن تفعل شيئاً لنفسك أو من تلقاء نفسك، ويتهم يطعن في دينك حتى، لينتصر لانبهاره الذليل لتقدم الغرب المادي والتكنولوجي، ونحن حقاً متخلفون علمياً، لكن لماذا نحن هكذا؟
– نحن ليس لدينا حالياً رؤية سياسية حرة، لماذا؟
– نحن ليس لدينا حالياً أهداف قومية عظمى ولا نزرع غذاءنا ولا سلاحنا، وليس لدينا هذا النظام في التربية والتعليم الذي يبني شخصيتنا القومية أو هوية حقيقية لشخصيتنا، لماذا؟

المعادلة الملعونة!

الديكتاتور يفضل شعبه جاهلاً، سطحياً الفكر والعلم، ليستخفهم فيطيعوه، وتلك أكبر جريمة أن تسلب من الشعوب الوعي والحرية والشخصية، ويعتاد الكل أن يصبح هكذا منساقاً، قطيعاً تابعاً، يضربون المربوط منه ليُخيفوا السائب!
وهكذا يا سادة، يخرج من الشعوب المهزومة طبقة متنطعة تدّعي الثقافة والفكر والتنوير، منبطحة للغرب، ويتشدقون بحرية تفكير وإنسانية وشعارات مسالمة مستسلمة تدس تلك المفاهيم في وعيك ليل نهار لتصبح عقيدتك استسلامية بحتة مختزلة في وهم الدفاع، المتأخر جداً بعد أن سلبك القدرة في الأساس!

السيد الذي نهبب 

وبدلا من أن تستقيم معادلة البشرية بالعدل والتعاون في العلم والعمل والمساهمة في حياة البشر ككل، يطغى الظلم وينسب الفضل كله للسيد الذي ينهب ويراه المنبطح أنه العالِم والمدبّر الذكي والمخترع العبقري، وهكذا يكون تنويرياً ومثقفاً ومن عِلية القوم والإعلام والفكر وحدث ولا حرج حتى يأتيَ الفرج!

لكن الواقع المنصف يعرف أن الغرب لم ولا يملك الموارد التي انطلق بها في ثورته الصناعية، فهو يأخذها غالباً مما يُسمّى دول الشرق الأوسط وإفريقيا، القارة التي استعبدها واحتلها وقسمها ونهبها ودمرها. 

 الغرب ليس متحضراً ولكنه متقدّم ويُرهبك بسلاحه

لا تنفعل وتتشنج يا من تعارض، من يصنع التكنولوجيا يستخدمها لحصارك ليمتلك عقلك وقرارك، ويبقى هو السيد وأنت التابع، هو المالك وأنت المملوك، هو المنتج المتحكم في البضاعة وفيك وفي الإمداد والسوق وأنت المستهلك المحتاج والذليل المضطر، ولا يسمح لك أبداً بالخروج من تلك المنظومة أو المعادلة الملعونة، فعلى مستوى الأفراد تتم تصفيتك (والأمثلة كثيرة في علماء عرب أبدعوا في الطاقة الذرية التي يحتكرها الغرب ومنهم د. مشرفة، د. سميرة موسى د. المشد، وغيرهم، يغتالون ويقولون انتحر)!

محاولة الخروج من المعادلة المنبطحة 

وإذا تعلق الأمر بدولة تريد أن تخرج عن معادلة الانبطاح والتبعية فهي نظام مارق خطر على الإنسانية وقيم الحضارة الأوروبية الأمريكية، وإذا بحروب إبادة تشن ضد أطفال ومستشفيات ومدارس ومدنيين عزل.. وتهمة الإرهاب تلحق بأي مشروع مقاوم لمشاريع هيمنتهم الانتهازية.
عزيزي المنبطح، الخوف من المواجهة والاستسلام للهيمنة ليس سلاماً، بل هو انبطاح وقبول دائم بحالة الاستضعاف. ولذلك يحترم أصحاب الضمائر الحرة في العالم المواقف التي ترفض الهيمنة بشجاعة، مهما اختلفوا معه. كإيران التي صامدة في مواجهة الولايات المتحدة ودولة الكيان، وكذلك مقاومة أهل غزة الذين يواجهون آلة حرب إبادة هائلة بإرادة البقاء والكرامة، نيل إحدى الحسنيين: النصر والتحرر أم الشهادة بعزة وكرامة وعدم رضوخ أو انبطاح!

 النخاسون المرابون تجار الحروب يحكمون العالم

العائلات المالية الكبرى مثل روتشيلد وروكفلر ومورجان هم أصحاب النفوذ الهائل في النظام العالمي الجديد، الذي تشكّل لتضخيم ثروات كبار النخاسين والمرابين، وتجار الحروب منذ عهد نابليون الذي غزا الشرق بتمويلهم وكانت أوروبا وقتها أقل علما وتراثاً حضارياً ولكنها تملك المدفع والمصنع وكل ما يلزم الحرب والسلب والنهب وتملك المطبعة لتروج لثقافتها وما يحلو لها.

نهبوك وسلبوك ثم تسيدوك 
وجاءوك فقتلوك ونهبوك وسلبوك وسرقوا هويتك وتاريخك وعلومك وأضلوك عن الطريق لمستقبلك وأنت مهدت لهم الطريق بأن كانت لديك العلوم ولم تطبقها لتصنع سلاحاً بحميك فحاصروا غيطك وزرعك، واستفادوا من تراث علومك وحضارتك في الأندلس وبغداد ومصر والشام وغيرها، وأعطوك مطبعة وزعموا أن العلم علومهم والأخلاق والإنسانية والثقافة هم حُماتها وهي من نتاجهم هم، على مر التاريخ، وامتد طمس وتزوير الغرب للتاريخ وتحويرههم للجغرافيا وللتربية الوطنية وللهوية ولأسلوب الحياة والتعليم والثقافة والتعاملات الاجتماعية ذاتها، كل شيء في العالم صار بأسلوب وهوية الغرب إلا ما رحم ربي!

حقاً وضعٌ يُخزي!

هم تجار كل شيء، ومحتكرو الصناعات الضخمة، ومانحو القروض وحُماة أثرياء الشرق، ومصارفهم التي صارت تستفيد من الحروب الإقليمية والعالمية، ثروة على حساب الإنسانية!

كما أن إعادة الإعمار باسم الإنسانية، فيها ما فيها من مكاسب عظمى لهم ولمنتجاتهم وآلاتهم، كل شيء يأخذونه بحروبهم ومسالمتك إذ يخدعونك لتبقى في جحرك الضيق مسالماً أليفاً مستآنساً حليفاً تابعاً، محمياً بهم وفي الواقع أنت الذي تحمي قواعدهم ومصالحهم ليهيمنوا عليك أكثر وأكثر، وأنت تصدق القناع الذي يجملون به وجوههم بمنظمات لا حول لها ولا قوة إلا عليك، عصبة أمم، أمم متحدة، مجلس أمن، هي أدوات تابعة لهم أو يعبثون بها!

يصدرون لك الشعارات ويسيطرون هم على “الذهب”، وعلى “النفط” عصب الصناعة والطاقة والقدرة العسكرية، ومن يسيطر على إنتاجه وتسعيره وامتلاك عقول وزمام البراميل التي تنتجه، فهو يملك التأثير الهيمنة الواسعة على العالم، أما الذهب فهو أساس النظام النقدي ومخزون الثروات للبنوك المركزية، كأهم أدوات الاستقرار المالي عالمياً.
○ المنبطحون في الأرض!

الغرب بوجهه الحقيقي يتوسع عسكرياً، ويخضع للماسونية ويدعم الصهيونية، وينتهك الحريات والحقوق والموارد والعقول، وأنت ما زلت تابعاً منبطحاً، تراه الحامي الواقي والسيد الراقي الذي لا حياة إلا تحت ظل أقدامه.
عزيزي المنبطح، التاريخ لا يحترم الأمم التي تعيش على الهامش، ولا يرحم الشعوب التي تكتفي بالانبهار بغيرها. فإما أن تكون أمة تصنع المعرفة والقوة والقرار، أو تتحول إلى مجرد سوق يستهلك ما يصنعه الآخرون. وبين هذين الطريقين تقف إرادة الشعوب ووعيها ومناهج تعليمها وهوية شخصيتها… وهذا ما لا يمكن أن يدركه أو يحققه المنبطحون في الأرض!

شارك المقال: